السبت 1/2/1442 هـ الموافق 19/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هات ِﭐسقِني يا قلم ..! ....بقلم : يوسف ناصر

..اكتبْ حين يكون قلمك في يدك غصنًا من شجرة نار، يتساقط الجمر من فمه على الورق ،ويُلقي الجذاذات مشتعلةً دائمًا ولا تنطفئ..!ذلك كي يتحلـّق النّاس حول موقدك في هذا العالم العاصف ، حيث جبال الثلوج وقمم الجليد..!

      .. اكتبْ صوتًا هادرًا يركب صهوة الرّياح ليصل عزاءً إلى المأسورين في السجون، والمشرّدين في المخيّمات ، والسّاكنين في الزّنزانات ،والمتروكين في العراء، والجائعين المحتاجين إلى الطّعامَين والشّرابَين اللّذين يطلبهما الرّوح والجسد دائمًا.. والمطرودين الّذين خرجوا من بيوتهم يحملون حريقـًا في صدورهم منذ زمن بعيد، ولــمـّـــــا ينطفئْ ..!

   .. اكتبْ رياحًا عواصفَ تهبّ من قلمك ، وتدفع بقرونها كلّ جدار يفصل بين النّاس..! وتُطلق كلماتك قنابل تهدم الأسوار بين بني البشر..!

..اكتبْحين يناديك القلم، ولا تنادِ القلم حين تكتب .. فتكون كلماتك حصىً ورمالاً ..! لقد سمعتُ أولئك الّذين قصدوا الطّعام والشّرابعند بساتين القرائح، وينابيع الأقلام، يقولون في غضب وسخط:لقد عُدنا نتضوّر جوعًا وعطشًا، لأننا لم نجد هناك سوى الحصى والرمال في أكثر الكتب..!

.. اكتبْحين تكون أوراقك قد تناثرت عليك من السّماء على هيئة حمامة، فتحملهنّ خبزًا زمن المجاعة للّذين ما زالوا ينتظرون الزّاد ، ولم يذوقوا طعم الخبز في هذا العالم..!

.. اكتبْ..! ولا تدَعْ قلمك يجري إلاّ وراءك ، ولا تَسِرْ به يومًا إلاّ حيث الربيع يبعث إليك من أزاهيره الفِيح شذًاوعبيرًا ، كي يتشمّم الناس بين سطورك ذلك الحرف الأريج ..!

.. اكتبْ..! حين تكون أنت نفسك قلمًا صاخبًا بين أصابعك ، ويلقي كوثره في كلّ ناحية على الضّفاف ، فتروي منك كلّ صحراء ماحلة من بني البشر، تراها تمشي وراءك على قدمين في الشوارع.. تعدو وراءك وتناديك بأعلى صوتها :اروِ ظمئي ، وهاتِ اسقني يا قلم ُ ..!

.. اكتبْ ..! ولا تكن دوريّـًا ثرثارًا ، لا يدَع نافذة إلّا يقف عندها..! كُنْ هزارًا من ذهب ، يترنّم على الغصونوقورًا ، لا يصدح إلاّ بما يحفظ له قدْره وقيمة شدوه بين الأطيار..! واعلمْ أنّ الدنيا ملـّت كثرة الزرازير في الأثير ... وعافت أسراب الدوريّ فوق النوافذ..!

.. اكتبْ ..! بعد أن تنزل بقلمك إلى القوارير والآبار تحت صدرك .. ثمّ اسْقِهِ هناك من تلك الجرار الدفينة،إلى أن تعود به يحمل للناس حروفًا من نبيذ، وتعابير من ماس، وكلمات منقـّطة بالشّهد..!أوَما علمتَ أنّ في العالم أقلامًا وُلدت ميْتةً في أيدي أصحابها، وقد أنتـَنـَتْ،وأنّ في الزّكام عافيةً للسائرين بين الرّمم..!

.. اكتبْ ساعة تكون كلماتك للناس معطـّرة بالمحبّة والبسمة ،ومضمّخة بالأمل والسّلام ، فيملأ عبَقـُها الأثير فتسرع إلى هذا العالم الّذي يزبد، ويتلوّى وجعًا، وتُخرج منه الصَرْع بعد أن رماه الروح النجس في النّار التي لا تنطفئ..! والويل في هذا العالم لمن يكتب بأفعى في يده، ويتنزّى السّمّ من حروفه، لا الترياق ولا النّفح الزكّيّ..! واعلم إنّ قلمًا سامّا واحدًا، يكفي أن يقتل أمّة بأسرها في هذه المسكونة ..!

     اكتبْ بعد أن تجعل تعابيرك حريرًا مُفوّفـًا يكسو النّاس نشوة ومتعة ، وحذارِ أن تحمل الشّوك والغضا إليهم يومًا.. كفى قلوب الناس شوكـًا، وعيونهم غضًا في دنيا الأسى الدائم..!

.. اكتبْ حين تحمل من حروفك قلائد للأمّهات ، وعقودًا للأخوات ، ولآلئ للفتيات ، ولا تنسَ يومًا أنّ المرأة ريحانة الدنيا ، وأقحوانتها الشذيّة ، وليس للعالم أن يتنشـّق الطّيب إلّا من أردانها ، ودونها يستحيل ربيع الحياة خريفًا يائسًا فوق الرّوابي والتّلال..!

.. اكتبْ بعد أن تجعل قلمك في يدك غصنًا فَيْنانَـًا، لا عودًا عُريانـًا يابسًا، فتُلقي من ثمره للمرضى، والعُمْي، والعُرْج دواءً يمنع العنصريّة أن تدخل من بوّاباتها الكثيرة إلى العالم ..! إنّ العنصريّة في هذا العالم، ثور هائج يطلقه بعض الناس من الحظائر في صدورهم، كي يتلف جنّة الحياة التي أرادها الله لأبنائه على الأرض..!!

.. اكتبْ وأنت تحمل قلمك مصباحًا وضّاءً ، يبعث النور في كلّ ناحية، ويبدّد الظلمة للناس في عقولهم ..! إنّ أشدّ الدياميس ظلامًا في الأرض، ليل أعمى يقيم في رؤوس الناس وجماجمهم ، حيث من هناك تسقط الظلمة، ويأتي الخراب إلى هذا العالم..!

.. اكتبْ وأنت تعلم أنّ للأقلام قيامة ً للأموات كلّ قرن في ملكوت الفكر والرّوح ، تفصل بين القمح والزّوان ..! وحيث هناك لا يخلص إلاّالذين أُعْـطواأقلامَهم من فوقُ ، وانحدرت مواهبهم من العلا .. فاحترسْ قبل ذلك اليوم الرهيب، كي لا تُلقـَى خزانة كتبك في النّار الأبديّة ، هناك حيث البكاء وصرير الأسنان. !! ومن كان له أذنان للسمع فليسمعْ.!

                              ********

 

2020-07-29