الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مسافةُ أمانٍ/ رباب نفاع خليل

 أيقونةُ الزّمن تآكلَتْ في رأبِ صدعِ المسافات التي أورقَتْ نبتًا ذابِلًا لا يُزهرُ، بلْ يُعفّرُ التُرابَ، متكئًا على حافّة الرّيح حينًا، وأحيانًا أخرى يذوي كما تذوي الرّوحُ .

مسافةُ أمانِ تلجِمُ رسنَ الشّكِ، وتحمي النّفوسَ من الضيّاع في تيْهِ الوصلِ والفُراقِ.

تُنصِفُ دوّامة الفكرِ ذاتَ القوام اللولبيّ، مُتعرّجَةً نحوَ الاتّزان وصقلِ الأرواحِ.

مسافةٌ قدْ ترسمُ حدودَ اللا حدودَ!

تُنّمي الخيّالَ فينا، وتُثري الفكرَ المأسورَ في قوالبَ زجاحيّةٍ قابلةٍ للكسر، عندَ أوّل خدشٍ للحيّاء، ولكنّها قوالبُ مَهْما تحطّمَتْ، ستترُكُ حيِّزًا من المسافاتِ.

مسافةُ أمانٍ لِدَحرِ الضّغينةِ، ولِحِفْظِّ زمانِنا مِنَ الدائريّةِ المُفرَغةِ سأمًا وتكرارًا.

مسافةُ أمانٍ حُبًّا واختيارًا.

مسافةُ أمانٍ سرًا بيْنَ الزّمانِ والمكانِ، وبيْنَ أنا وأنتَ، وأنتَ والآخرَ، ثُمّ تعودُ رائحةُ الحبّ تملأ  المكانَ فَرَحًا وغِبْطَةً.

النأيُ يُؤالِفُ القلوبَ ويُزهرُ ربوعَ الروحِ، فيُقوّمُ الفكرَ ويحرّرُ المرءَ، لِينعمَ بمُتعةِ العقلِ ثمّ اللقاءِ.

 يُحيي شظّايا الأُنسِ، ويكشفُ خبايا العيونِ، فوصالٌ بينَ الأحبّة، بلسمٌ يُداوي الجروحَ، فمَا الحياةُ إلّا لقاءٌ فيهِ بعثٌ، يُروّضُ الأحياءَ.

في رحمِ البقاءِ تتكوّرُ أجنّةٌ تُرّنمُ الألحانَ، تهلُّ وتسّبحُ في فضاءاتِ الكَوْنِ أشجانًا، بعدَ احتراقِ لهفةِ اللقاءِ كمدًا وبُهتانًا

في الجّفاءِ نورٌ يُلهِمُ الضالينَ الذينَ عنْ التّفكرِ مُنشغلينَ، وتلّوثّتْ أفئدتهم بِجوارِ المنافقينَ،  وصعقَتهُم الرداءةُ في أعوامٍ جائرةٍ

عفّتْ نفوسهُم بعدَ إلتئامٍ، وفُكّ الرّباطُ المُقَدّسُ في أوهامهِم؛ تناثرتْ أوراقٌ قدْ غُلِّفَتْ بِعَبقِ السّرابِ الذي عشّشّ في رؤوسهِم؛

استفاقوا بعدَ حينٍ، نفضوا الغُبارَ عنِ الرّكامِ، وتسلقوا حبالَ الوصلِ، في رونقٍ آخر غيرَ القُربِ المألوفِ.

2020-09-11