الإثنين 3/2/1442 هـ الموافق 21/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
تجليات الزمان والمكان في احتفالات سيِّدة الكرمل العذراء مريم عليها سلام الله في حيفا شمالي فلسطين...بقلم: د. روزلاند كريم دعيم

السيِّدة العذراء

مريم العذراء عليها سلام الله (متى 1: 1 – 17؛ لوقا 1: 32، 69؛ 3: 23 – 28) والدة السيد المسيح له المجد. من أجلها قام بأعجوبته الأولى، وهي تحويل الماء إلى خمر في قانا الجليل (يوحنا 2: 1 – 5).

سلطانة فلسطين التاريخية تكرِّمها الكنائس على اختلافها وأماكنها بأعياد عديدة، وتعتبرها والدة الإله، والدة الكون، السلطانة والمليكة.

تتوزَّع أعياد السيِّدة العذراء على أشهر السنة. بعضها رئيسية وعامة تحتفل بها جميع الكنائس في كل العالم مثل عيد البشارة أو عيد رقادها وانتقالها أو عيد ميلادها، والبعض متصِّل بمراحل حياتها ويختلف الاحتفال به بين الكنائس والبلدان، والقسم الثالث مرتبط بظهوراتها وعجائبها وشفاعتها لبلد أو حادثة، كما هو الحال مع تطواف العذراء في مدينة حيفا أو عيد سيِّدة الكرمل في السادس عشر من تموز أو سيِّدة صيدنايا أو سيِّدة لورد وما إلى ذلك.

يقدِّسها المسيحيون في كل مكان ويتوجَّهون إليها بطلب المساعدة، وكثيرًا ما يربطون عجائب حدثت معهم في محيطهم بها. هكذا تكتسب أهميَّتها المكانية حتى لدى غير المسيحيين الذين يقطنون في المكان نفسه، وتحظى بعض الأعياد المريمية بشعبية خاصة.

حصلت السيِّدة العذراء على مكانتها الكنسية في مجمع نيقية سنة 325 م.، وهي تمثِّل شخصية الأم الأرشيفية في الثقافة الكنسية والشعبية المسيحية التي توجِّه علاقة المؤمنين بها. ينعكس تمثيلها الخارجي (العام والشعبي) على تمثيلها الداخلي (الذاتي) للمؤمنين. من هنا تأتي العلاقة القوية والمباشَرة والمحسوسة مع الشخصية المقدسة فيناديها المؤمنون: يا أمنا.

في الإسلام هي المصطفاة على نساء العالمين "وإذ قالت الملائكة يا مريم إنَّ الله اصطفاك وطهرك" (سورة آل عمران: 42)، ورد اسمها ودورها في مواقع عدة في القرآن الكريم (البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، التوبة، مريم، المؤمنون، الأحزاب، الزخرف، الحديد، الصف، التحريم). وفي موجز دائرة المعارف الإسلامية ورد تحت المصطلح "مريم عليها السلام" أنَّ معنى اسمها العابِدة، مع تأكيد على حصولها على البشارة من الملاك جبريل عليه السلام دون أنْ تعرف رجلًا، وتأكيد على مكانتها في الإسلام (وينسينك وبينيلوب). ويسبق اسمها على لسان المؤمنين والعامة "ستنا مريم" أو "السيِّدة مريم عليها السلام".

 الفترة الافتراضية

اختفت الاحتفالات الشعبية التي اعتدنا عليها في أعياد العذراء العامة كالبشارة والرقاد والميلاد منذ آذار 2020 وحتى كتابة هذه السطور في أيلول 2020 بسبب جائحة كورونا التي فرضت واقعًا مغايرًا على أنماط الصلوات والاحتفالات الشعبية للمواسم المقدَّسة. وبما أنَّ الحجر والحظر لم ينتهيا بين الاعتدالين الربيعي والخريفي ارتأينا أنْ نتحدث عن تطواف السيِّدة العذراء في حيفا، في افتتاح مئويته الجديدة مع بداية الفترة الافتراضية.   

الاحتفال بتطواف سيِّدة الكرمل 2020 وبداية مئوية جديدة في واقع افتراضي

تحتفل الرهبنة الكرملية في حيفا بمسيرة "طلعة العذراء" إلى دير مار إلياس للرهبان الكرمليّين سنويًّا، في الأحد الثاني بعد الفصح المبارك، والمعروف باسم "أحد مار يوسف".

يشارك في الاحتفال المؤمنون الذين يحضرون من مواقع عديدة بدءًا من لبنان شمالًا – في ظروف سياسية تسمح بذلك – وحتى القدس جنوبًا، ويشارك المسلمون المحليون من أبناء حيفا في المسيرة، يوفون نذورهم ويستقبلون زوّار المدينة.

يصادف العام 2020 العام الأول بعد اليوبيل المئوي لاحتفالية السيِّدة العذراء في جبل الكرمل، وقد أتى هذا العام مغايرًا ليقلب موازين الزيارة ونظامها. فبعد أنْ كان المؤمنون يجتمعون في البلدة التحتى بجانب كنيسة مار يوسف للّاتين بشارع همجينيم، ويسيرون في مسيرة دينية احتفالية شعبية إلى جبل الكرمل، التزم المؤمنون وتابعوا تطواف العذراء على صفحات الفيسبوك أو من شرفات بيوتهم في معظم أحياء حيفا العربية.

لم يكن هذا الاحتفال الافتراضي الأول بالمناسبات الدينية، فقد بدأ الحظر عشية احتفالات عيد البشارة، واستمر خلال الشعانين والفصح وأعياد الصيف، كعيد سيِّدة جبل الكرمل وعيد مار إلياس وعيد التجلي وحتى عيد رقاد السيِّدة العذراء وعيد ميلادها الذي يصادف في أيلول ويتم الاحتفال به في ظروف احترازية هذا العام، وعلى ما يبدو فإنَّ المهرجانات والاحتفالات الشعبية ستتخذ شكلًا مغايرًا خلال الفترة القادمة، قد ترسم بذلك نهجًا جديدًا لفترة ما بعد الحظر الصحي أو قد تؤدي إلى رد فعل عكسي وإلى مهرجانات مضاعفة في السنوات اللاحقة.

أما تطواف العذراء الذي بدأ – أساسًا - كمسيرة صلاة وشكر احتفاء بانتهاء الحرب عام 1919 م وعودة الرهبان الكرمليّين إلى ديرهم، وها هو يتم هذا العام بشكل عكسي، فبدل أنْ يجتمع المؤمنون من مناطق عدّة لمرافقة العذراء إلى جبل الكرمل في تطوافها التقليدي الذي ختم عامه المائة تخرج العذراء من الدير وتطوف أحياء حيفا بمرافقة بعض السيّارات ورجال الدين والفرق الكشفية، فكان مهرجانًا مغايرًا تحت ظروف الحظر الصحي ومنع الاحتفالات الشعبية.

في السادس والعشرين لشهر نيسان 2020 كتبتُ مدوَّنة:

"طلعة العذراء

سلطانة فلسطين سيِّدة الكرمل أم الكون والمسكونة

تنطلق اليوم في تمام الرابعة من كنيسة اللاتين إلى دير مار إلياس سيد الكرمل.

تنطلق بسيّارات محدودة وفرق كشفية محدودة.

في العام 101 للمسيرة تغيِّر المسيرة حلَّتها... بالرغم من أنَّ تفاصيلها الحيوية تغيَّرت بحكم التغيُّرات المكانية من سياسية وطوبوغرافية، إلّا أنَّ القلب النابض للمؤمنين والزوّار من جميع أنحاء فلسطين التاريخية، ومن جميع الديانات والكنائس كانت تشارك دون تردُّد، لا بل بحماس بالغ وحفاوة كبيرة.

ستفتقر حيفا هذا العام لهذا الجمهور الواسع الذي يأتي منذ الصباح الباكر ليضمن موقف سيّارته قبل إغلاق حركة السير... ستفتقد باعة الماء والعصائر والمثلجات والذرة والتفاح المطلي بالعنبر وغزل البنات.

ستشتاق للفرق الكشفية من الجش وفسوطة ومعليا شمالًا وحتى بيت لحم وبيت جالا وبيت صفافا وبيت ساحور جنوبًا.

والأهم... كيف سيوزِّع فادي النجار (فادي دوزان) الماء السبيل على جميع القادمين؟ كيف ستوزِّع السيِّدة المسلمة غادة صفدي زهرة وأسرتها الماء السبيل على الجميع بجانب بيتها في شارع الكرمة.

وكيف سيذكر أهالي حيفا الحاج حسنين (الحاج تنكة) الذي كان يقطن في بوابة الدير (ستيلا مارس 31)؟ وكان أول من وزع الماء السبيل في بداية القرن الماضي. هل سيعرف أحفاد أحفاده هذه القصة، رغم أنَّ أحفاده تابعوا نهجه من بعده لفترة طويلة.

السلام السلام لك يا مريم

لن تسير طالبات المدارس من جانبي ستيلا مارس صعودًا إلى الدير.

ربما سيسير البعض حفاة – بمفردهم لأداء نذر – ولكن لن يجُرّ الشباب السيّارة المطفأة بالحبال وعليها تمثال السيِّدة العذراء صعودًا إلى الجبل.

وتغييرات عديدة ستكون هذا العام لتغلق مائة عام من مسيرة السيِّدة العذراء، وتفتتح مائة أخرى

سلطانة تعظم سلطانة تكرم".

الإعلان عن المسيرة

قبل موعد المسيرة نشرت البطريركية اللاتينية إعلانًا بمسار تمثال السيِّدة العذراء مع بعض السيّارات المرافقة في شوارع المدينة. وفي الموعد المعهود تناولتُ هاتفي الذكي وخرجت مع "كمّامتي" إلى الميدان الافتراضي لأتابع مسيرة السيِّدة العذراء عن كثب من الأحياء ومن خلال البث المباشر على الفيسبوك.

تجوَّلت بين عدَّة أحياء خالية تمامًا من المشاة سيرًا على الأقدام، اللَّهم إلا سيّارات نادرة في شارع ستيلا مارس غالبًا كانت بطريقها إلى الدير، واستقر بي المقام في منزلنا بحي عباس حيث وصلت المسيرة بعد أنْ جابت عدَّة أحياء.

تقدَّمت المسيرة السيّارات التابعة للفرق الكشفية المحلية وبعدها سيّارة كبيرة مزيَّنة بالأزهار والدانتيل وعلم الفاتيكان وتمثال السيِّدة العذراء يتربَّع على صندوقها الخلفي، تنطلق منها المسبحة الوردية من بالونات الهيليوم. وتبِعتها عدَّة سيّارات كشفية وانتهت بسيّارة شرطة لضبط الحركة وضبط وتيرة سير السيّارات ووتيرة خروج المؤمنين إلى الشوارع.

مرَّت المسيرة في حيّ عباس بهدوء نسبي، وإنْ كانت الشرطة قد أوقفت المسيرة في شارع الخوري بسبب خروج المؤمنين دون ضوابط من بيوتهم، واستمرَّت بعد ضبط النظام، فلعلَّه كان رادعًا لسكّان سائر الأحياء.

مع انتهاء التجوال في أحياء حيفا، بناء على الخطَّة المرسومة مُسبَقًا، وصل التمثال إلى دير مار إلياس للرهبان الكرمليّين حيث كان باستقباله فرق كشفية بأعداد محدودة وِفق تعليمات وزارة الصحة، وأُقيمت صلاة احتفالية مختصرة في الهواء الطلق، مع الالتزام التام بتعليمات وزارة الصحّة.

علاقة السيِّدة العذراء بجبل الكرمل

"سيِّدة الكرمل" هو الاسم المتداول لدى السكّان المسيحيّين وفي كتابات الكنيسة المحلية.

بحسب الرواية، اعتادت مريم العذراء عليها سلام الله على زيارة مغارة إيليا النبي المعروفة بمدرسة الأنبياء لتفقُّد المتنسِّكين، وفي رواية أخرى فقد نامت العائلة المقدَّسة في الغرفة الشرقية من المغارة – التي اعتاد إيليا النبي لقاء طلابّه بها - ليلة واحدة بعد عودتها من مصر. وبجانب المغارة كان دير للنساء الذي تأسَّس على اسمها، وإنْ كانت كل القصص المرتبطة بالمغارة حديثة ولا أساس لها في التقليد المحلي (الراهب إلياس فريدمان)، ناهيك عن أنَّ كل أديرة الكرمليّين في العالم تحت رعاية مريم وإيليا. وبحسب التقليد الكنسي، فقد اعتاد المسيحيون الأوائل الاجتماع في المغارة لمناقشة قضايا الدين الجديد.

تطواف سيِّدة الكرمل التقليدي

تنطلق مسيرة "تطواف العذراء" أو "طلعة العذراء" أو "دورة العذراء" سنويًّا في الأسبوع الثاني بعد الفصح أي "أحد مار يوسف"، تحت رعاية البطريركية اللاتينية والرهبنة الكرملية في حيفا، وبمشاركة المؤمنين من حيفا وخارجها وقد يشارك بها المسلمون من أهالي حيفا. وإذا سمحت الظروف السياسية فقد يشارك المؤمنون من لبنان شمالًا وحتى مدن القدس، بيت جالا وبيت ساحور وبيت صفافا وبيت لحم.

الخلفية التاريخية

تعود الحادثة إلى السابع عشر من كانون الأوَّل لسنة 1914، حين استولى الجنود الأتراك على دير مار إلياس بعد أنْ طلبوا من الرهبان ترك الدير خلال ثلاث ساعات، وسمحوا لهم أنْ يأخذوا معهم ما يستطيعون حمله حتى ساعات المساء. أخذ الرهبان معهم في عربة الدير تمثال السيِّدة العذراء الذي كان على المذبح الرئيسي في الكنيسة.

وُضِع التمثال في هيكل كنيسة اللاتين في ساحة الخمرة (بمحاذاة ساحة الحناطير– المنطقة المعروفة اليوم باسم ساحة باريس – وبجانب سوق الجرينة). بقي التمثال هناك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

بحسب كتابة الراهب فرنسيس لامب رئيس دير الرهبان الكرمليّين (1919 – 1935)، أُعيد التمثال إلى الكنيسة يوم الأحد الأول بعد فصح 1919 (أي الأحد الجديد)، بمهرجان شعبي كبير. كانت إعادة التمثال بمثابة احتفال وشكر وتظاهرة كبيرة تكريمًا لسيِّدة الكرمل، من منطلق إيمان السكّان والكنيسة بأنَّها حامية حيفا وبأنَّها حمت سكّانها إبّان الحرب، كما ورد على لسان الرواة "هاي المسيرة عملوها ابتهاج بانتهاء الحرب". بعد نجاح المسيرة تقرَّر إعادتها سنويًّا حتى تحوَّلت إلى تقليد ثابت يشارك به المسيحيون من مواقع مختلفة في البلاد.

في السنوات اللاحقة تمَّ تحديد يوم الأحد الثاني بعد الفصح كموعد للزيارة، قد تتأخر أسبوعًا واحدًا لا غير في ظروف مدنية استثنائية.

تنطلق المسيرة من كنيسة مار يوسف للّاتين في شارع همجينيم (الممتد من شارع الخمرة وشارع الملك جورج الخامس – قبل التهويد)، بن جوريون (قبل التهويد – أبو نواس)، الكرمة، ستيلا مارس في حين يكون التمثال على سيّارة مُطفأة يجرُّها المؤمنون بحبل ثخين.

يتقدَّم المسيرة فرق كشفية عديدة، الرهبان والراهبات وطلّاب المدارس الأهلية على جانبي الطريق، المطران ورجال الدين، وجهاء وشخصيات اعتبارية. كانت بنات الراهبات يلبسن الفساتين البيضاء وأطواق الورد على رؤوسهن – بنات راهبات قلب يسوع الطوق الوردي، وبنات راهبات الناصرة الطوق الأبيض - وفي الوسط يحملون البيارق والأيقونات، وبعد سيّارة السيِّدة العذراء ينضم الشعب إلى المسيرة. ينشد المؤمنون وطلّاب المدارس التراتيل الدينية الخاصة بالسيِّدة العذراء وصلوات المسبحة الوردية "السلام السلام..." وصوات الأخوية (الأخوية: مجموعة دينية تابعة لكنيسة معينة) وغيرها.

عندما يصل التمثال إلى كنيسة مار إلياس يستقبله الكشّاف استقبالًا احتفاليًّا، ويتجمهر المؤمنون في احتفال شعبي، ويبارك البطريرك اللاتيني الحضور بصلاة احتفالية.

ترافق المسيرة الشرطة والإسعاف الأولي من أجل الحفاظ على الأمن والسلامة.

تمثال السيِّدة العذراء

صُنِع التمثال الأصلي الذي أخذه الرهبان معهم من الدير في جنوا عام 1820. كان من خشب الأرز وتكوَّن من الرأس والأطراف والملابس على عامود حديد. أُرسِل فيما بعد إلى إيطاليا حيث تم بناؤه بالجبص. أُعيد إلى ميناء حيفا سنة 1932 وصعد في مسيرة احتفالية إلى الدير. وهو التمثال الماثل على المذبح اليوم.

يتردد على لسان السكّان المحليّين أنَّ التمثال من خشب الأرز اللبناني، وهذا ما سمعته في طفولتي من المدرسة، وما سمعتُه أيضًا من الراهبة المسؤولة – في حينه - عن الدير (الأخت يانا كرام) قبل سنوات. ونحن لا نرى بذلك أي تعارض مع كونه صُنِع في جنوا من خشب الأرز اللبناني.

في السنوات اللاحقة، لم يُحمَل التمثال الأصلي المُثبَت على الهيكل والذي أُعيد سنة 1919 إلى الدير، بل التمثال الذي اعتادوا حمله على الأكتاف في عيد العذراء، كعادة الكنيسة الكاثوليكية في أعياد القديسين.

أما التمثال الذي يجُرّونه اليوم بالمسيرة فقد صنعه الراهب الكرملي لويجي بوجي (Luigi Poggi 1917 - 2010) من عجينة ورقية. يكون التمثال طَوال العام في دير مار إلياس، فيتمّ إنزاله عشية تطواف العذراء من كلّ عام إلى كنيسة مار يوسف للّاتين في شارع همجينيم ويجرُّه المؤمنون صعودًا إلى الدير في المسيرة الاحتفالية.

الطريق وطقوسها

الطريق إلى الدير طويلة وشاقّة؛ من ناحية المسافة فهي تتعدى خمسة كيلومترات صعودًا حادًّا، تزداد حدَّته في بداية شارع ستيلا مارس (بوّابة الدير) حيث كان جبل الدير يبدأ من تلك النقطة، وكانت الطريق منها وللدير وعِرة جدًّا وشاقّة وخطِرة، تمَّ تعبيدها في سنوات لاحقة.

تلك المسيرة التي بدأت تاريخية سياسية احتفالية تحوَّلت إلى شعبية لتتخطى الجانب الديني في تكريم سيِّدة الكرمل. يتمّ إغلاق الشوارع التي تمرّ بها المسيرة والجميع يشارك بها سيرًا على الأقدام دون استثناء، اللهم إلا السيّارات الوظيفية والكشفية. تنظِّمها الكنيسة اللاتينية وتجمع المؤمنين من حيفا وخارجها.

يتمُّ وضع التمثال على سيّارة مُطفأة يجرُّها المؤمنون بالحبال تقديرًا للسيِّدة العذراء أو كإيفاء نذر، وقد يسير البعض حفاة، أو يُلبِسون بناتهم ثوب العذراء الأبيض والأزرق، اللون التقليدي لرداء السيِّدة العذراء. ولعلَّ الجهد الكبير الذي يبذله المؤمنون في جرِّ العربة صعودًا إلى الدير لهو أكبر تأكيد على تقديرهم لشخص ومكانة السيِّدة العذراء. ومن الهدايا التي تُقدَّم للسيِّدة العذراء في الطريق البالونات المنفوخة بالهيليوم على شكل المسبحة الوردية والورود والأزهار. وقد يقف المؤمنون لمشاهدة المسيرة على طرفي الشارع فيصلّون مع الصلوات التي يسمعونها، وبعضهم يُكمِل المسيرة صعودًا إلى الدير مع تمثال السيِّدة العذراء.

وتُعتَبر المسيرات من العادات والطقوس الهامّة في زيارة الأماكن المقدَّسة، يتعرَّض فيها المؤمنون إلى جهد ومشقّة تكريمًا للمكان المقدَّس وقديسه، وخاصّة السير حفاة كأحد أنواع النذور. وتمتلئ الطريق الانتقالية إلى المكان المقدس بالقداسة نتيجة الصلوات وإيفاء النذور، ولكنّها سرعان ما تعود إلى ضجيجها وحالتها الأولى مع انتهاء المسيرة وتشتُّت المؤمنين وعودتهم إلى بيوتهم.

البيارق (الأعلام) التي يحملها المؤمنون نجدُها في كل الاحتفالات الشعبية، وحتى في اللفظ الشعبي حين نريد تكريم شخص نقول له "بدي اعلِّق لك بيرق". أضف إلى أنَّ البيارق في هذه المسيرة تَحمِل أيقونات السيِّدة العذراء عروس التكريم.

استقبال الزوّار وتكريمهم

يتجلّى التفاعل المباشر والمشاركة بهذه المسيرة حين يستقبل أهل المدينة الزوّار القادمين بالترحاب ويقدِّمون لهم خدمات غير تجارية تُعينهم في مسيرتهم المقدَّسة نحو تحقيق الهدف. ولا بدَّ لنا من ذكر الحاج فؤاد حسنين الذي كان يقطن في بوابة الدير (ستيلا مارس 31) والذي كان يسقي الزوار ماء السبيل. واصل أحفاده نهجه إلى حين، وتدل هذه العادة على الأخوّة التي تسود بين المسلمين والمسيحيّين عبر الزمن وعلى احترام سكّان حيفا المسلمين لطقوس دير مار إلياس ولشخص السيِّدة العذراء. وتقوم بهذه العادة السيِّدة المسلمة غادة صفدي زهرة، من أهالي حيفا وتقطن بشارع الكرمة، فتقدم ماء سبيل مجانًا. تهتم بكل الإمدادات وتبريد المياه وتجهيز الكؤوس قبل المسيرة بمُدّة، كما أنَّها تكتب يافطة واضحة "ماء سبيل مجّانًا" لدعوة المؤمنين والزوّار للشرب.

ومن الشباب الحيفاوي الذي اعتاد على تقديم الماء للمسيرة طوال العقدين الماضيين فادي نجار صاحب مقهى دوزان.

وأخيرًا،

تستمر الطقوس الافتراضية لسائر الأعياد والاحتفالات، ومنها عيد ميلاد السيِّدة العذراء الذي يتزامن مع الاعتدال الخريفي، بعد أن افتتحت مئوية جديدة لتطواف السيِّدة العذراء في جبل الكرمل، مع صلوات صادقة لانتهاء جائحة كورونا وعودة العادات والطقوس والممارسات إلى سابق عهدها.

كل عام وأمّ الكون سلطانة فلسطين وسيِّدة الكرمل بخير.

2020-09-21