الخميس 13/2/1442 هـ الموافق 01/10/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مذكرات معلمة في زمن الكورونا...هديل قشوع

  كعادتها استيقظت مرات عديدة قبل دقات الساعة خوفا أن يسرقها التعب الى باحات الهدوء .. مثل مرات عديدة سابقة .. وما إن دقت السادسة حتى انتفضت من فراشها تحضر الفطور للأولاد وتتفقد شبكة الإنترنت وتتابع برنامج الأبناء الأربعة ومكان جلوسهم .. فالتعلم عن بعد له متطلباته .. فطور كل منهم كما يحب وأعدت لنفسها كوب قهوة ترتشفه مع إحدى الصفحات التي تختارها  هناك وعلى عجلٍ .. لتبدأ يومها .. وما إن تدق الساعة الثامنة حتى تبدأ الحان الصباح كالموسيقى الصاخبة لا الفيروزية التي اعتادتها.. نعم إنه زمن السرعة .. أمي أين القلم.. أمي أين كتاب الإنجليزي.. أمي افتحي لي التلفاز.. أمي  ما هو رقم المعلمة الخاص..وووو

تنهي المطالبات بكلمة هصصص بلش الزووم.. وبابتسامة عريضة تبدأ صباح طلابها تشع من وجهها الطاقة والأمل. صباح الخير طلاب .. كيفكم....وتبدأ الحصة..

ولا تكاد تنتهي الثانية حتى تبدأ الحان الصباح تعلو  هنا وهناك ..

يما مش قابل يدخل عالزوم.. يما المعلمة مخربطة.. يما المعلمة ما دخلت... وتحاول امتصاص غضبها .. صوت آخر.. معلمة مش فاهم السؤال.. معلمة لحظة تحكوش بس بدي أجيب الكتاب خربطت بكتاب أخوي.. معلمة أعيدي الشرح فأخي ضايقني..وعليها أن تتم التركيز بين هذا وذاك... وبرحابة صدر تعطي لكل منهم رشفة من صبرها واهتمامها يروي بها ظمأ مطالبه.. حتى تأتي صغيرتهم بحاجة لبعض الإهتمام فتتربع بحضن الأم وتكمل الأم شرح قصيدة من الشعر القديم وكأن شيئا لم يحدث..

حتى تدق ساعة الاستراحة وتبقى أسئلة الأبناء والطلاب كالرشاش كبتها الصبر في فنجان فتبدأ الزوبعة ..واحدا خلف الآخر وكأنها سترحل دون عودة... و"الشاطر" سيأخذ جرعة الإهتمام الأكبر

ومرة أخرى لموسيقى من نوع اخر .. يما هيك صح..بسرعة بدي ابعت للمعلمة.. يما جعت.. وتركض هي بين تحضير العارضة للدرس التالي وبين الروابط المبعوثة وبين تغيير مفاجيء هنا وهناك وبين وجبة فطور ووجبة غداء .. وبين طفل يتمرد خوفا على طفولته من شبكات التواصل...

وما إن ينتهي "الدوام البيتي" حتى ينتهي الصراع الذي يغلبه شعور الاكتفاء .. بالإنجاز كأنها أطعمت مسكينا أو روت ظمآنا ..فما كانت تعلمه بشهر استطاعت انجازه بأربع حصص وهكذا صارت الحصص تتدحرج واحدة تلو الأخرى .. وما كان يعكر صفو مزاجها من تصرفات المراهقين عابرة صار  ينتهي بضغطة زر.. صار التعلم أسرع والطلاب أكثر مسؤولية .. والتواصل صار أقرب بأرقام الطلاب المحفوظة بهاتفها.. هل يا ترى التعلم عن بعد سيغير المعايير؟ هل سيعطي تلك الأم المعلمة الزوجة الفرصة للإبداع أم الإنهيار على سقف ضغطوطات هذا الوضع الراهن؟

متأكدة جدا أنه لن يستطيع أي رجل أو اثنين معا القيام بذلك ولو ليوم واحد.. فالمرأة وحدها من تحرك العالم بيمينها والمهد باليد الأخرى ..

على العالم أجمع أن يرفع تحية إجلال لكل معلمة ولكل مربية والتي بالتالي أيضا تتفقد طالبا طالبا هل دخل ولماذا لم يدخل.. ؟

ألم يحن الوقت لأن نعذرها .. ألم يحن الوقت للوقوف على شرفات المنازل نضيء لهن شمعة رمزا للعطاء .. ؟

ألأمهات تبكي وتشتكي التعلم عن بعد وتكاد تبكي من ولد أو ثلاثة ومنهن من يكابدن ويصررن ولهن أيضا تحية  .. وبوركت كل عائلة تتحدى الزمن ليتعلم ابنها حتى ولو كان عن بعد..

تحية لكل أب وفر الآليات لإبنه

ولكننا كمجتمع علينا أن نكون أكثر احتواءا لأننا نصبو لهدف واحد ومستقبل أفضل والذي لا يحصده الا خير الزارعين فلعنة الكورونا تفرض علينا التعاضد والتعاون

وأخير .. من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله طريقه الى الجنة

2020-10-01