الجمعة 14/2/1442 هـ الموافق 02/10/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
و في نجع العواميّة .. الورق كله عويس / محمد عزت الشريف

   لم يكن مصادفةً..
 أن يقع الإختيارُ على قتل "عويس" هذا اليوم؛ كما لم يكن مصادفة أن يقع الإختيار على قتل كلّ "عويس" من قبل.

   مَرَّة بعد مرة بعد مرة و الإختيار هو نفسه و دائماً "قتل عويس"، و أخالُ أنه لو تكرر الإقتراع ألف مَرَّةٍ و مرة، فلن يقع الإختيار سوى على "عويس" هذا هو الحال و دائما في أحداث المسرحية الأزلية المأساوية "سكة السلامة".
   و لا أدري هل نحن حقاً على جادة الطريق في سكة السلامة، أم أنَّ قتلَ عويس هو الطريق إلى "سكة السلامة"؟! هل قتل عويس هو الهدف أم هو الوسيلة؟ السبب أمْ النتيجة؟! حقاً لا أدري.. كل الذي أدريه و أتيقن منه إنما هو "قتل عويس"!

    و لكن اللغز الذي حِرْتُ، و حتماً حارَ فيه حتى أبطال و كومبارس و دوبليرات المسرحية الهزلية هو : لماذا "عويس" ؟! ذلك السؤال الذي هو نفسه الإجابة "عويس"، نعم؛ فالإجابة دائما ذات الإجابة : قتل عويس، اقتلوا عويس يخلو لكم وجهُ وَالِيكم الذي على كرسي السلطان.

   اقتلوا عويس على بركة الفراعين شاه، إرضاء نفسه، ونشدان عفوه، و رجاء عطاياه ؛ اقتلوه، فلعله كان القربان، أو هوالدليل الأكيد على أننا نسير على جادة الطريق "في سكة السلامة" أو هو على أقل تقديرٍ الضمان و الأمان الأكيد على أننا في الطريق الصحيح المُوصلة أكيداً إلى "سكة السلامة" .

   لا أَحسَبُني جئتُ اليوم لتوِّي أكتب لأول مرةٍ عن قتل "عويس" في ذات المسرحية المأساوية " سكة السلامة"، فقد سبق حقيقة أن تناولت ذات القضية في مقالٍ لي نشرته قبل ست سنوات بعنوان " سكة السلامة 2014"، و كان المقال تعليقاً و تعقيباً على ذات المسرحية التي جاءت بعنوان: "سكة السلامة 2000" و التي كانت بدورها تعقيباً و محاكاةً لمسرحية "سكة السلامة 1964"  

   لا أكتمكم شعوراً أنني لم أشعر عند عرض مسرحية "سكة سلامة  الستينات" أنّ فكرة المسرحية و موضوعها كان هو "قتل عويس" ، بل كنت أرى المخرج و دائماً لا يقصد قصداً إلى قتل عويس، و أنه إنما يبحث عن السلامة لعويس و الذين معه. و لكن ما هذا الإصرار و دائماً على قتل عويس؟! إنه أمرٌ عجيب حقاً أنْ يُصرَّ المُخرِجُ و دائماً على أنَّ المَخرَجَ و دائماً إنما هو "قتل عويس"؟!

   و في (سكة السلامة2000) زاد عجبي و أنا أرى القُرعة في كل مرة تأتي بنتيجة واحدة دائما هي "عويس" "عويس" ، لا أحدَ غير "عويس"! حتى أنِّي أوقفتُ شريط عرض المسرحية التي بين ناظريَّ و أسندتُ رأسي خلفاً  بين يديَّ المتشابكتين، وأضجعتُ الكرسي إلى الوراء مرتكزاً على رجليه الخلفيتين، و بقيت أتأمل ما شاء  الله لي في قانون الصدفة، و هل هو قانون مطلق أمْس أنَّ لكل قاعدة شواذاً؟ أم أن هناك قاعدةً للشواذ؟! عجباً بالفعل، كيف تأتي دائما ورقة القرعة: "عويس" وفي كل مرة منذ 1964 و حتى العام 2000؟!

   و لكن العجب ما لبث أن زال تماماً فور أن أعدت وضع اعتدال الكرسي و فككت حصار يديّ عن رأسي و استأنفتُ عرض شريط الفيديو لأفيق من آثار غرقي الطويل في بحر التأمل على صوت بطلة المسرحية و هي تشي بفِعْلة المخرج الخبيثة الدنيئة نحو فبركة عملية الإقتراع، و أنّ كل أوراق الإقتراع لم يكن مكتوباً بها جميعاً سوى اسم واحد هو "عويس"،"عويس"، "عويس" ! نعم ؛هكذا صرخت البطلة و هي تَفِرّ كل أوراق الإقتراع بين يديها و تقرأها ورقة ورقة: ياسادة : " الورق كله عويس"!! و هنا زال عجبي،  و لكن مع زوال عجبي بدأت حيرتي..

   ليه يا جماعة فبرك المُخرج "الورق كله عويس" ؟ أقصد: لماذا تحديداً "عويس"، و هنا عُدتُ ثانية إلى ذات الوضع الذي كانت عليه  يديّ ورأسي و أضجعت الكرسيّ إلى خلفٍ، و استأنفتُ غرقي في التأمُّل، و كالعادة جاءت تأملاتي على صورة  تساؤلات، و لكنها هذه المرة كانت عن " عويس" و "ليش عويس بالذات و التحديد" ؟ و هل عويس"ذات المسرحية" هو نفسه عويس الأقصر و "العواميّة" ؟!

   إن البحث عن إجابات لتساؤلاتي تلك كانت في السابق محض تَرَفٍ فكريٍّ، يدخل في باب النقد المسرحي الذي يدخل بدوره في ثوب الرفاهية الثقافية، أمّا البحث الآن فهو بالقطع لم يَعُد ترفاً فكرياً، و لا رفاهية ثقافية، بل مسألة حتمية، و ضرورة حياتية، مَنْ هو ذا "عويس" الذي يقتلونه في كل مرة و بالقرعة، حسب قانون الصدفة، من أول عرضٍ للمسرحية و حتى اليوم في "نجع العوامية"؟!

   و هل عويس هذا هو حقاً شخصٌ ؟ أم موقف و حالة؟ إنني طالَ ما اعتصرتُ رأسي و لازلتُ أعصرها  بين يديّ على كُرسِيّي المضطجع وراءً، و المرتكز على رجليه الخلفيتين من أول عرض للمسرحية و حتى قتيل العوامية. و كلما تحدّدت في ذهني الأجوبة؛ تعدّدت من ثمّ في أوراقي الأسئلة: هل عويسُ تلك المسرحية هو نفسه عويسُ العواميّة ؟ أم أن لكل زمانٍ عويسه، و لكل مسرحية عويسها؟
أم أنّ عويساً هو حالة و موقف، و أنّ كل مَنْ قال: لا ، في وقت قولة "لا" هو عويس؟
أم أنّ عويساً صار عويساً هكذا و بالأمر المباشر لأن "المخرج عايز كده" و من ثمّ أراده كبشَ فداءٍ و محضَ ضحيّةٍ؛ كضرورة حتمية لمنطقية الحبكة و اكتمال المسرحية؟
أسئلة كثيرة و لا ثمة أجوبة، حتى أنّي أمسيتُ أشكُ الآن في مصداقية بطلة المسرحية التي أفشت سر المخرج، و أتساءل: هل كان حقيقياً و بالفعل "الورق كله عويس" لأنهم أرادوا خَصَّ "عويس"؟
أمْ أننا كُلّنا جميعاً "عويس" فكان طبيعياً ومنطقياً أنْ يأتي "الورق كله عويس"؟!
***

2020-10-02