الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
موسم زيتونات سليمان منصور 'المشهد الفلسطيني: حضور إلى آخر مدى' ...تحسين يقين

كم بينهما من سنوات؟

للغوي أن يطيل الحديث عن الفرق بين السنوات والسنين، ولي ولآخرين أن نعدها؛ في سياق الأمل: هل تذكرون؟ هل تذكرن؟

لا أدري "عدد السنين والحساب"، ولكن الأولى من قبل، والثانية من بعد!

هل كان في ذهن الفنان سليمان منصور وشعوره بأنه يوما سيعيد رسم اللوحة؟ وهل لو اقترب أحدهم وقتها هامسا له بأن يرسم الأخرى حتى نتجنب وقوعها!

الواقع أكثر بلاغة والشجر والبشر، فلنا الآن أن نطيل النظر لهما معا، لنتأمل الفروقات (السبعة) وأكثر؛ لكن بم سنبدأ؟ بالقديمة أم بالجديدة؟

حين عرض الأستاذ سليمان لوحاته الأخيرة، بد كأن شيئا كبيرا قد خرج من اللوحة، أو تم إخراجه منها: فضاء، مزارعان يعتليان سلمين بدون مستند لهما، نساء، وبالتدفيق قليلا نكتشف أن ثمة طقوس خبرناها هنا، فمحاكاة البشر في اللوحة، إنما تأخذنا لطقوس قطف الزيتون، ولكن..أين الزيتووووون؟

صادمة جدا اللوحة، فما معنى اختفاء الشجر، غير اختفاء البشر:

تروي القصة الأسطورية حوارا بين الرجل وكرمه:

-       لن أبني سناسلك..

-       بعمر!

-       لن اسقي شجرك..

-       بعمر..

وظل المزارع بخبر الكرم بنواياه تجاهه، القائمة حول فكرة الرعاية والعناية، في حين ظل الكرم مصرا على رده العنيد: بعمر؛ حتى صدمه المزارع بقوله: لن أزورك، فرد الكرم حزينا بائسا: توي خربت! أي الآن خربت.

هل هي تذكارات البشر؟ أم تذكارات الشجر؟ وهل يشعر الشجر كما نشعر!

في لوحة سليمان منصور، التي رسمها بعد بناء جدار الفصل والضم العنصري، لربما قصد الفنان كيف فرّق الاحتلال بين الإنسان والشجر، فصار كأن لا أشجار، أو كأن صار مصير المزارع هنا هو قطف الوهم أو الذكريات؟

معلوم أن الاحتلال والمستوطنين قطعوا حتى الآن أعدادا كبيرة من الشجر، خاصة الزيتون، حيث تم إعدام الشجر على طريق إعدام موسم الزيتون؛ ذلك أن المشهد البصري والسمعي للمزارعين الفلسطينيين، في معظم جبال فلسطين وسهولها والهضاب والتلال والأودية، إنما يعني البقاء في معناه الأروع، ذلك أن أي مشاهد وزائر هنا، سيقرأ هذا التآلف العجيب، فينطق بالحق: هذه الأرض لهم، تعرفهم ويعرفونها.

 هل كان سيصدق الفنان بأنه سيأتي يوما يتم التفريق فيه بين الأم وأطفالها؟ بين الشجر وأصحابه، الزارعين أو أبنائهم أو أحفادهم؟ وأنه لأجل ذلك عليه أن يرسم اللوحة قبل الجدار، لأنه كما يبدو سيفعل ذلك الغزاة، وأن دور الفن هنا هو لتجنب هذا المصير، أكان الدور هو التمسك بالأرض اقتصاديا وثقافيا وسياسيا!

وهل كان الناس-الشعب-العالم سيصدقونه، وهو في نبوءته كحال زرقاء اليمامة؟

كل الظروف على الأرض من عام 1966، قبل حرب حزيران بعام، كانت هناك نوايا تتحدث بصراحة عما آلت إليه الأمور اليوم، وهي ليست بعيدة أبدا عما تم التخطيط له من قرن أو يزيد، لكن للأسف، لم نكن بحجم التحدي، وبقينا حتى اليوم نعتمد على إمكانية تغير الغزاة من سيئ النوايا لحسني النوايا؟

العارفون بالأمور، وبالتاريخ، يعرفون ذلك، وبعد أن صرنا نعرف أنهم كانوا يعرفون لمناهم: لم لم تحذرونا؟ فهل كنا غارقين في الجهل والوهم؟ ربما، لكن الكتب قالت، نحن الذين إما لم نقرأ وإما قرأنا سريعا فنسينا.

-       واللوحة الأولى؟

-       أما اللوحة الأولى يا صاح، فهي ما كان عاديا في المشهد الجمالي، فقط نضيف شجر الزيتون!

-       ..............

هكذا كنا وما زلنا في جزء من بلادنا نمارس هذا العشق الأزلي، بين الانسان والمكان في الزمان، بما في المكان من جمال وخبز وزيت وسكر وتين وعنب بمختلف الأطعمة والألوان، حتى كان ما كان ويكون، لكن لا نحن ننسى شجراتنا ولا شجراتنا تنسانا، فماذا يفعل غاز بمدافعه تجاه هذا الحب.

هي الأرض-الوطن-الطبيعة، تسلمنا من موسم إلى آخر، كما تسلمنا من مكان الى آخر، ومن فصل إلى آخر، وفي كل فصل وموسم حياة كاملة، وأدوات وأمثال شعبية:

نهار الزيت أصبحت امسيت..

للدلالة على مرور الوقت سريعاً في أيام قطف الزيتون، وله طعامه والشراب، من مفتول، هو من نتاج ثمار البيدر من القمح، ومن مطبق بالزيت والسكر ورقائق الدقيق، والعوامة،..وهي تتنوع ما بين الطعوم، من مالح وحلو؛ فكيف يمكن بجرة قلم أو جرافة خلع كل هذا التراث العظيم والحياة الإبداعية؟

في يوم التراث، يحضر الزيتون وأدوات قطفه، وطقوس التجمعات، للتأكيد على بطولة المكان بحد ذاته، الناس والشجر، كم هي التميمة قوية، تحمي كليهما من الغزاة!

في يوم التراث، نتأمل فنرى حياتنا ما زالت كما كانت، فما زلن معاصرين جدا والشجر، فقك تغير درس الزيتون وعصره وفصله عن الماء.

أما الزيتون الذي تم تقطيعه وحرقه، فقد نما من جديد، لأته ببساطة ابن وفي وشرعي لأسطورة العنقاء-الفينيق، فعلا لا بلاغة لغوية، يبدأ من جديد. لذلك ما زال هناك متسع للحفاظ على الأرض التي بين أيدينا، فمما بين أيدينا، سيقودنا لاسترداد ما تم السطو عليه وسلبه.

أما تلك الزيتونات وراء الجدار، وعليه، فالعين والذهن، والروح والقلب، والإرادة، والنبوءة: هل ظل جدار على ما عليه!

الجواب لا، وكما قال ابن خلدون يوما: الظلم منبئ عن خراب المدن..ونضيف والجدران.

و"دار الظالمين خراب"، إنه منطق العدل الأرضي لا السماوي فقط!

هناك على المرتفعات الجميلة، قصص وحكايات، نتذوقها بطهم الزيت مع الزعتر والشاي الشتائي، وحين ننظر من وراء الزجاج في يوم شتائي سنشاهد شجر الزيتون والعنب، والمشمش والخوخ والصبر والتين..فنحن لكل الفصول، نحن الى أنفسنا.

لوحتان: الأولى بالبشر والشجر وحب الزيتون. والثانية بالبشر، فابدأ بأي منهما، لتتعمق في معنى العدل والإنسانية والفن!

كيف جاءت الفكرة للفنان؟ هو الواقع نفسه أكثر إبداعا ودهشة، فمهما تطورنا في الإبداع، فلن نتخلص من محاكاتنا للحياة.

في جبال فلسطين اليوم، موسم العنب يسلم الراية لموسم الزيتون، وبانتهائه في كانون الأول يكون موسم المطر، في رحلة-دائرة الحياة، لنبدأ دوما من جديد، فنحس أننا ما زلنا على قيد الحياة والوطن والشجر والأدب والفن.

وكل عام ونحن جميعا بخير ومن أحبنا وأحب شجرنا وزيتنا ....

وأما من يستمر في نفينا، وتخريب المشهد، فإنه هو من يبذر بذور نهايته لا نحن، هكذا همست لي أوراق الشجر..وليس لي إلا أن أصدقها.

هل بقي شيء؟

كل ودوره زراعة وصناعة ورسما وتعليما..وعشقا وغزلا..

[email protected]

2020-10-10