الجمعة 28/2/1442 هـ الموافق 16/10/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لا تَبكِ عينُكِ يا أُخيَّة...!...بقلم : يوسف ناصر

 "الإهداء إلى كلّ الأخوات العزيزات في هذا العالم"

              رُدّي دموعكِ عنّي يا أُخيّة..اصرفيها للوقت من هنا، إنّها تُمزّق بأظفارها كبدي، وتلذّع بلهبها قلبي في الأعماق..! ماذا دهاك ، أَسْكِتي هذا البكاء الصّامت،  إنّك لا تدرين كم يوجعني  ويروّعني ويصرعني..! اسكبي البسمة رقراقة، وانزعي عن وجهك قناع الحزن والأسى، وتلثّمي بالفرح الّذي عهدته دائمًا في محيّاك..  ويحكِ تَدَارَكِي قلبكِ .. إنّي لأخاف عليه تحت الطوفان منَ الغرق، حين أراه من فرط الأسى صعد من الأعماق، وطفا فوق موج الدّمع الجارف في عينيكِ، وراح يُلقِي بفُتَاته على الضّفاف من وجنتيكِ في هذا النّهر المتدفّق بين المدامع والثّياب...!!

                     ما لي يا أُخيَّة كلّما سحّت دموعك في المحيّا، أحسسْتها قطرات نار تسيل في وجهي...وشعرت بعينيك في وجهي وبين محاجري، ومن جفنيّ أنا تذرفان هذا الدّمع الصّيّب..وكنت أنا الباكي ساعة تبكين، وأنا المتوجّع عندما تتوجّعين.. ويا لها من دموع ولا ككلّ دموع ، تسيل في الوجنتين مرّتين وفي آن واحد..! مرّة في عينيك، وأخرى في وجهي من فورة الحزن والشّجن ..! وما لي أراني كلّما سقطتْ ظلمة في وجهكِ من ذلك اللّيل الّذي يسقط في النّهار عادة على وجوه الحزانى، وجَدْتُني مثْلَكِ قد غشي اللّيل وجهي كلّه، وانطفأت الشّمس في نهاري، ساعة أكون من نهاري في وقت الظّهيرة وقبل حلول الغسَق..!

            يا معلّمتي..كيف تبكين وأنتِ الّتي علّمْتِني أنّ حَمل الصّخور ليس من حظّ الجبال الرّواسي وحدها في هذه الدّنيا..! وأنّ القوّة ليست قصرًا على الأعمدة الرّواسخ الّتي تحمل على رؤوسها البنيان العظيم.. وأنّ المَنَعة ليست من نصيب القلاع الحصينة  دون غيرها في هذا العالم...!

            اُعْذريني يا أخيّة.. جئتُ أحني هامتي أمامكِ، وأمجّد فيك كلّ الأخوات القدّيسات الطّاهرات في هذا العالم... وأُرسِل إليهنّ بصوتي من مسمعك كلّ تجلّة وتحيّة، وأخاطبهنّ فيك أخواتٍ غالياتٍ، أحمل في القلب كلّ واحدة منهنّ نرجسةً عطِرة، وأقحوانة نديّة أضمّخ بها صدري، وقد عَزّ أن تجود بمثلها الرّوابي والحدائق ..! فما الأخت بحنوّها، أينما كانت، إلاّ واحدة في الأرض وإن تعدّدت، وما قلبها إلاّ قلب واحد في كلّ زمان وإن تنوّع ..! كذلك رائحة الرّياحين واحدة، وإن اختلف المنْبِت، وتغيّر المغْرِس بين السّهول والجبال، وفي الأودية والتّلال البعيدة..!                                              

أخواتُنا -وما أرقّ قلوبهنّ -قوارير العطر لنا في هذا العالم.. أولئك أمّهاتنا الأخريات، وإن هنّ لم يلدْننا من أرحامهنّ، ولم يُرضِعْننا من لبانهنّ يوم كنّا في عهد المهد وروضة العمر الطّرير..! فلا تتعجّبي يا أُخيّة إن ناديتُ يومًا، وخرجتُ إلى السّاحات صائحًا: إنّ أمّهاتنا اللّواتي دفنّا في الثّرى يومًا،كنّا دفنّا منهنّ أجسادهنّ ما عدا قلوبهن، لتبقى قلوبهنّ حيّة بيننا تخفق في صدور الأخوات منكنّ، ولتبقى أمّهاتنا في منازلنا يَتلُونَ علينا فيكنّ دعاءهنّ، ويَحرسْنَنا بصلواتهنّ، وُيؤنِسْنَنا في اليوم العصيب..!!

            أخواتِنا في أيّ مكان أنتنّ.. سلام عليكنّ من كلّ زهرة شذيّة، وتحيّة لكنّ من كلّ فجر باسم..! آنساتنا أنتنّ في المحَن.. وسيّداتنا في حقّكنّ علينا منَ الإكرام والتّوقير الدّائم.. وأماناتنا أَودَعهنّ آباؤنا وأمّهاتنا في قلوبنا...! نفحُ الورد أنتنّ في أنوفنا.. وذوبُ الشّهد تحت ألسنتنا..! أنتنّ اللّواتي يُزَغْرد قلب الواحدة منكنّ ابتهاجًا بِفوز أخيها في ميادين المجد المؤثّل، وصولته في ساحات النّصر العظيم..! أين هذاك البحر الصّاخب من دموعكنّ، إذا ما كبا الزّمان به يومًا ورماه عن سرجه بين الحوافر والسّنابك..! أنتنّ اللّواتي لا حقّ للشّمس أن ترفع رأسها مرّة وتفخر بدفئها أمام حنانكنّ..! ولا للنّهر أن يتباهى بسيله أمام عاطفتكنّ.. ولا للنّار أن تفخر بلهبها على المحبّة المتوقّدة في صدوركنّ، أعني يوم يهجم الشّتاء بأمطار اللّهب على السّاكنين فوق القمم.. ويغمرهم بذلك الثّلج الأسود والصّقيع السّاخن..!                    

             يا أخيّةُ..! أنت العفاف المفقود منذ عهود لدى أكثر النّاس في العالم... ذلك العفاف الّذي يشتهي أكثر النّاس في الكون أن يروا صورته بعدما نسُوه لطول عهدهم به، ذلك الّذي خرج قبل زمن سحيق طريدًا ووحيدًا من هذا العالم، يمشي حافيًا دون كساء، ويبحث له عن كهف يأوي إليه في الأودية، إلى أن رأى في الظّلمة من بعيد قبسًا منيرًا دَلَف إليه فوجده ساطعًا في فؤادك المضمّخ بالإيمان والورع الطّاهر..! وكم كان ابتهاجه عظيمًا في المنزل الجديد، ساعةَ عَلِمَ أنّ الملائكة سبقته إليه، واختارته مع قلوب الأطفال مسكنًا لتقيم فيه كلّما أرسلها الله إلى الأرض للقيام بالمهمّات السّماويّة بين النّاس في هذه المسكونة ..!

                  أنت الجامعة لكلّ من يريد أن يتعلّم البرّ بالوالدين، والحنوّ على الأخوة والأخوات..  أنتِ السّخاء الّذي يقول كلّ يوم للفضاء الرّحيب: لا تتفاخرْ، لستَ أنتَ وحدكَ الّذي لا حدود لاتّساعه في هذا العالم..! لن أنسى يا أخيّة، وكيف أنسى يوم رماني الزّمان في سجن ضيّق من الأسى، ووضع قيوده الثّقيلة في ساعديّ ورجليّ ولساني، وجعل عنق قلمي تحت المِقصلة وفي صدره زفرات حبيسة لا يقوى على إطلاقها .. وساعة وقفتُ  أُطِلّ من النـّافذة الضيّقة وراء القضبان، لأرى من ذا الّذي يقرع الأبواب بقوّة دون توقّف خلف الجدار..! وإذا بك جئتِ إليّ تحملين على رأسك جرّة مملوءة بقلبك الكبير، طافحة بالعطف والحنان، لتسقيني منها بسمة وعزاءً، وتعطيني روحًا قويّة جديدة عوضًا عن ِالأرواح الكثيرة الّتي أتلفها الحزن بيديه، وأوهنها بوقع المسامير بعدما علّقها أعوامًا فوق الخشب..!

            كنتِ خير عون لي يا أخيّة.. وبين آخِر من بقوا يسيرون معي في الطّريق الحرجة المحزنة.. تحملين معي صخور همومي وآلامي الثّقيلة، يوم نظرتُ حولي فوجدتُ الصّديق يخذلني، والرّفيق ينكرني، وجاحد المعروف يسعى كي يلقيني في البئر العميقة بعدما انتشلتُه من أعماقها..!  ففُقتِ بأصالتكِ يومئذ كلّ النّاس الّذين يرون السّير في طريق الحقّ صعبًا وشاقّاً ويُنهك السّائرين فيعودون.. وما أكثرهم في هذ الحياة يا أخيّة، ما أكثرهم..! هذا يرجع عند أوّل الطّريق لأنّ الزّاد قليل والشّمس حارقة..! وذاك يعود وسْط الدّرب لأنّ الباطل رمى إليه هناك بكسرة من خبز يابس، آثـر لأجلها معاونته على الحقّ..! وذاك من النّاس جبان رِعديد يهاب الخطر، أو حسود خسيس يتمنّى لكَ الموت والضّرر، أو لئيم ناقص ، وقبل أن يُولد، وما برح في رحم أمّه ، كان  مدّ يده إلى ثدييها ورضع اللؤم والسمّ والكذب ..! في هذا الموقف الممتع بجراحه، والّذي يفرز الحرّ من النذل، وفي لحظة عزّ  وشمم تقفز بالكريم قفزة إلى العلاء تضعه فوق ظهر أعلى الكواكب، في هذا الموقف النّادر العودة ثانية، يلتفت الكريم وينظر حوله، فلا يجد أحدًا ،وقد سار الناس كلّهم قبل طلوع الفجر طلبًا للفوز بالسّلامة وأنكروه، وقد بقي وحده وليس معه من يعينه في المنازلة على عشرات الجبهات وفي آن واحد لصدّ  الشيطان الّذي هجم بمَن معه مِن قوّات الشّرّ كي يطفئ بها نور الله السّاطع..!! هي الحياة يا أخيّة !!  وكم هي مع الأخلاق شاقّة في هذا العالم، ويا شدّما تجني الأخلاق على أصحابها وتؤذيهم في هذه الدّنيا، وتحكم عليهم أن يدفعوا في سبيلها أثمانًا باهظة، وُتعرّضهم عند الجبناء للشّتم بالكلمة والنميمة ، واللّكم باليد والحسد، والرّجم بالحجارة والدّسائس ..! وما ضرّني يا أخيّة ، وأيّ عار عليّ فيما تجلب لي جراحي من مجد وشرف !! تعزّي وتجمّلي، إنّها الحياة،  وإن كان طعمها على الأحرار مرًّا، فإنّ الجبان الّذي يطلب فيها أن يحصد لنفسه بالفرح والرّاحة ما قد زرعه غيره بالدّمع والعرق، مثله مثل بنات آوى الّتي تنادت فجمعها الجوع والجبن والطّمع مرّة، وتحوّطت حول الأسد الهصور وراحت تلوي أعناقها، وتطلب  أن تدميه بأنيابها، وتنـزع من بين براثنه في النّهار ما قد اصطاده في اللّيل في ظلال الأودية والأدغال الكثيفة ..! ولكنْ يبقى الأسد أسدًا يا أخيّة وإن جُرِّح ، ويبقى الثّعلب ثعلبًا دأبه أن يعيش دائمًا على فتات الموائد ..! يا أخيّة إنّ الّذي يُخلَق وعلى جانبيه أجنحة عاصفة ،ويصنع الحدث العظيم تلو الحدث بين الناس، لا ينبغي له أن يمتعض من ثورة الغبار وراءه، ولا من تساقط أوراق الخريف أمامه عند هبوبها في الأودية..!!فلماذا تخافين عليّ من الغبار ورائي، وترتاعين من رفرفة الورق المتساقط أمامي ..! لنا الله يا أُخيّة، لا تخافي ولا تفزعي، إنّ العناية السّماويّة لن تتركنا في هذا الضّيق، ولن تخذلنا في هذا الضّنك، إنّه التدبير الإلهيّ، فما نحن نراه بالعين البشريّة على الأرض شرًّا لنا ،يكون في السّماء خيرًا لأجلنا. يا أخيّة، إنّ الله يسخّر أعمال الأشرار دائمًا من حيث لم يعلموا ليمجّد بها الأبرار الّذين يعمل فيهم..! إنّ أجيال البشر تأتي اليوم وغدًا تذهب، أمّا أجيال الأعمال فباقية في الأرض لا تموت.. وإنّ مدى قوّة الزلزال في الأرض تكون دائمًا على قدر ما تمتدّ أمواج ارتجاجاته إلى الأرجاء البعيدة..! ، وإنّ الحسود الّذي يعترض على كلّ عطيّة صالحة من الله لغيره من النّاس، ويطلب بالباطل والزّور أن يمحو أعمالهم العظيمة، يكون كالّذي يطلب بالهشيم اليابس أن يطفئ نار الشّعلة المتوهّجة، فلا يزيدها ذلك إلاّ اشتعالاً، وكالّذي يريد أن يخفي النّور اللاّمع، فيغطّيه بالظّلام فلا يزيده هذا إلاّ تالّقًا..!  فطوبى لك يا أخيّة، ثمّ طوبى لك مرّة بعد مرّة ،ولكلّ الّذين يثبتون إلى آخر الشّوط في المنازلة الدائمة بين الحقّ والباطل لدى الّناس والشّعوب في هذا العالم...!

                        وما كان ذنبنا يا أخيّة أنّ لنا مع الزّمان ونُوَب الدهر شأنًا عظيمًا..! وأنّ بيننا وبين الأيّام عداوة قديمة، غدرتْ بنا ، وجَزَتْنا بغير ما نستحقّ من الألم دأب الأبرار في هذا العالم..! كنّا سقيناها بأيدينا كؤوسًا مُترعة بالشّهد المصفّى، لكنّها نفختْ ثمّ نفثتْ من أنيابها، وسقتنا من دِنانها السّمّ الزّعاف..! نكّلتْ بنا حتّى غدت  أيدينا تضربنا.. وأرجلنا تركلنا.. وأسناننا تأكل لحومنا.. وأظفارنا  تنشب في قلوبنا..!! ودماؤنا تعود علينا سمًّا في عروقنا..! أحلى المرّ ممّا نلاقي أن نمشي حفاة على الإبر، وأهون العذاب أن نقبض على الجمر المتوهّج..!! لكنّنا وعلى رغم هذه الجحيم الأرضيّة، بقينا يا أخيّة كلّ الوقت عطاءً ماطرًا، لا نفرّق بين السّهول الخصيبة والصّحارى الجدباء..والزّهرة العطرة والشّوكة السّامة ..! وقد قضتْ علينا آدابنا أن نحيا خُرسًا لا نفشي أمرنا لأحد، ولا نبوح يومًا إلاّ لله وحده بما يعتلج في القلب المعنّى والدّامي الأسير.. هاتفين وصارخين  " رب اغفر لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون" ويا ليتهم يدركون مرّة ،أنّه لا يُطعن أحد من الخلف ، إلاّ الّذي يكون دائمًا في المقدّمة من الرّكب السائر خلفه في هذا العالم..! 

            اِفرحي يا أخيّة.. لا نابتكِ غُمّة يومًا، ولا جرّعتك اللّيالي قطرة من سمّها، وتهلّلي بما حباكِ الله من غنى الطّهر والنّبل والمحبّة والاستقامة.. كنزُ الكنوز وثروةُ الثّروات في هذا العالم..! اُدخلي إليّ، فلن تجدي بابًا من أبواب القلب موصدًا في وجهك ساعة واحدة.. وسأبقى ما حييتُ حارسًا لا ينام، واقفًا على الأبواب، وخلف الأسوار، كي أمنع الأسى أن يدخل  قلبك.. مردّدًا كلّ اللـّيل دعاءك الدّائم:  ليت النّاس والشّعوب في الأرض يجمعهم من الأخوّة ما يجعلهم كلّهم حرّاسًا بعضهم على بعض،وأصحّاء من كلّ مرض في نفوسهم ، فلا يدخل الدّمع والجوع منازلهم يومًا حتّى انقضاء الدّهر..!

2020-10-16