الأحد 8/3/1442 هـ الموافق 25/10/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قصة قصيرة 'رمــادي'.... عبد الهادي شلا

 ينتشي ويشعر بفرح كبير كلما اختلس وقتا من الفراغ الذي يعيشه في غرفته ليُطل من النافذة الصغيرة والوحيدة على العالم الخارجي لعزلته التي فرضها على نفسه فصارت هذه الغرفة هي كل عالمه..

 

يحلم وهو مستيقظ و يرى الأحلام حقائق حين ينام..تزوره على أشكال وصور مبهجة وأخرى حزينة قاتمة اللون قاسية الملامح..!!

 

في الشارع الضيق يمر من تحت النافذة خليط عجيب من البشر لهم ملامح لا تشبه بعضها في أي شيء .. تتزاحم كتفا  بكتف ...

 

 صوت أقدامهم تدب على الأرض كصوت الرعد بينما صراخهم يُعلن قيام الساعة وقد اختلط في بوتقة نحاسية  حين وصله مجلجلاً أزعجه وأخرجه من حالة التيه التي يعشقها ،بل يسعى إليها كلما أطل من النافذة..!!

 

يتضاعف به هذا الإحساس ،حين ينظر في وجوه العابرين إلى الجهتين المتقابلتين..

 

هو غير قادر أن يكون واحدا منهم .. يمر من تحت النافذة..يسير في الشارع إلى حيث تأخذه قدماه بينما إحساسه يشده إلى المنطقة الرمادية التي تلازمه..

 

هو فيها بلا ملامح..إنها خواء يمتد إلى اللانهاية ..حتى حين يصطدم الخواء بجدارالغرفة الضيقة الصغيرة ..يذوب فيها..لا يراه.!!

 

سأل أحد المارة بصوت خافت كأنه يخرج من بئرعميقة مهجورة منذ آلاف السنين عن سر تلك الوجوه العابسة والأخرى المبتهجة؟!

 

لم يسمع ردا..نظرات توجس..دهشة..تمتمات لم يسمع منها شيئا..

 

صمت يرتدد صداه في قاع البئرالذي خرج منه السؤال..

 

تضاعف إحساسه بالبعد عن هذا الواقع وما فيه من حياة لا تشبه حياته التي ألفها وتعايش معها..

 

صار صديقا فقط لشخص يشببه له نفس الملامح،ولجدران غرفته الصفراء ولفراشه الذي فاحت منه رائحة العفن والرطوبة ملأت المكان فصار كل شيء بارد بلا ملامح ..صار رمادياً..

ولا منفذ سوى هذه النافذة الصغيرة..

 

أنا..؟!

 

ماذا أنا..؟!

 أريد كل شيء يبدو جميلا؟

 كيف؟! هذا مستحيل..

 

أنا في منطقة رمادية لا لون لها بلا ملامح ..لا رأي لي فيها حتى أفكاري صارت رمادية لا تتفق مع أي لون من ألوان الحياة..

 

يجب أن أختار لونا أكونه أنا أصيره كما أريد،أذوب في الشارع ذاهبا أم عائدا لا يهم .. المهم أن أكون بملامح أعرف بها نفسي قبل أن يعرفني بها الآخرون.

 

يجب أن أتخلى عن لوني ..الرمادي الآن..!

2020-10-24