الإثنين 9/3/1442 هـ الموافق 26/10/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
من أجل تعزيز موقف القيادة تجاه أموال المقاصة؟ .....دكتور رمزي عودة

تصر القيادة الفلسطينية على رفض استلام أموال المقاصة، وهي إيرادات ضريبية فلسطينية على السلع الواردة من إسرائيل أو من خلالها تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة وتحولها للخزينة الفلسطينية. وتعتبر هذه الاموال حقا من الحقوق الاقتصادية للشعب الفلسطيني وفقا لاتفاقية باريس التي وقعت عام 1994  بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال. وتقدر أموال المقاصة المحتجزة في وزارة المالية الاسرائيلية حتى لحظة كتابة هذه السطور بنحو 3 بلايين شيكل، تشكل أكثر من 60% من موازنة السلطة الوطنية.  وهي أموال كفيلة بسد العجز في موازنة السلطة الوطنية، والتي عجزت بسبب موقفها هذا عن تسديد فاتورة الرواتب لموظفيها البالغ عددهم أكثر من 160 الف موظف منذ اعلان موقفها الاخير من رفض استلام المقاصة في شهر يونيو الماضي.

في السياق التاريخي للعلاقة الفلسطينية الاسرائيلية بشأن أموال المقاصة، تعرضت السلطة الوطنية الفلسطينية لابتزاز مستمر ومتصاعد من قبل الحكومة الاسرائيلية، وكان آخر هذه الضغوط الاسرائيلية اقتطاع الاموال التي تقدمها السلطة الوطنية للاسرى وعائلات الشهداء وذلك بحجة دعم الارهاب. وقد رفضت القيادة الفلسطينية هذا الابتزاز، معتبرة أن دعم الاسرى والشهداء يعتبر من الأوليات والثوابت الوطنية التي لن تتنازل عنها القيادة الفلسطينية. وبرغم شح الموارد المالية لاسيما بعد تجميد غالبية المساعدات العربية للسلطة الوطنية، الا أن السلطة الوطنية استمرت في دفع مستحقات الاسرى والشهداء. وقد نجحت في هذا السلوك بتكريس دورها الوظيفي كأداة للتحرر وليس كوكيل عن دولة الاحتلال كما كانت تهدف اليه حكومة الاحتلال.

ومؤخرا، يأتي الموقف الفلسطيني الرافض لاستلام أموال المقاصة كرد فعل على تهديدات الحكومة الاسرائيلية اليمينية منذ مارس الماضي بضم منطقة الاغوار والمستوطنات تماشيا مع صفقة القرن، وهي منطقة تتجاوز مساحتها 32% من مساحة الضفة الغربية، ويعني ضمها الى دولة الاحتلال انهاء حقيقي لحل الدولتين.

وفي لقاء رقمي تم عقده قبل يومين من قبل مركز دراسات الشرق الاوسط التابع لجامعة كاليفورنا، تحدث ايهود عاري، وهو كاتب وصحفي اسرائيلي وخبير في الشأن الفلسطيني مقرب من الحكومة الاسرائيلية، عن استغرابه من استمرار الموقف الفلسطيني الرافض لاستلام أموال المقاصة في ظل تردي الاوضاع الاقتصادية وعدم قدرة السلطة الوطنية عن دفع كامل فاتورة الرواتب لموظفيها. وحاول عاري أن يقدم نصائح للقيادة الفلسطينية اعتبرها "قيمة" لانها تمنع انهيار السلطة أو التمرد عليها، مغزى هذه النصائح يكمن في ضرورة استلام أموال المقاصة من الخزينة الاسرائيلية، وعدم الاعتماد على وسيط عربي أو أوروبي لاستلام هذه الاموال أو تقديم قروض للسلطة، لان موقف الوسطاء واضح ويشير الى أنهم "لن يقدموا أي مساعدة للفلسطينيين في ظل تعنت القيادة القيادة الفلسطينية ورفضها التحدث مع الاسرائيليين" على حد تعبير عاري نفسه.

في الواقع هنالك عدة عوامل تدفع القيادة الفلسطينية للاستمرار في رفض استلام أموال المقاصة، وأهمها:

ان قبول هذه الأموال عبر ممرات التحدث مع الاسرائيليين يشير الى قبول السلطة الوطنية الضمني للوضع الراهن، وهو وضع لا يزيد عن سلطة محدودة من الحكم الذاتي للفلسطينيين تقدم خدمات غير سياسية لهم، في غياب واضح للسلام الحقيقي الذي يفضي الى حل الدولتين.
في ظل تعثر المفاوضات بين الجانبين لأكثر من عقد من الزمان، فان قبول الفلسطينيين لاموال المقاصة يعني قبولهم الضمني لاجراءات الاحتلال الاسرائيلي المفضية الى تغيير الواقع السكاني والجغرافي في الاراضي المحتلة، لاسيما في منطقة الاغوار والقدس دون وجود أي أفق حقيقي للتسوية.
في ظل المحاولات المستمرة لادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب بفرض صفقة القرن على الفلسطينيين الذين يرفضوها جملة وتفصيلا، باعتبارها لا تلبي الحد الادني من المطالب الفلسطينية، وفي ظل احتواء الصفقة على ضم الاغوار والقدس الى "الدولة اليهودية"، فان التراجع عن الموقف الفلسطيني الخاص برفض استلام المقاصة يشير الى دلالة سياسية هامة وهي؛ رضوخ الفلسطينيين للضغوط المفروضة عليهم، واستعدادهم لقبول شروط صفقة القرن.
ان قبول أموال المقاصة في اطار عودة "الحديث مع الحكومة الاسرائيلية" على حد تعبير ايهود عاري، يعني تراجعا عن قرارات القيادة الفلسطينية المتعلقة بوقف التنسيق الامني ووقف العمل بكافة الاتفاقات مع الجانب الاسرائيلي وأهمها اتفاق اوسلو واتفاق باريس.
لم تقدم اسرائيل أي ضمانات أو تعهدات الى الان للفلسطينيين ولا للعرب بوقف عملية الضم، وحتى اتفاق السلام الاماراتي الاسرائيلي الذي وقع في سيبتمبر الماضي برعاية أمريكية، فقد أشار الى تعليق الضم وليس الى وقفه أو الغائه، وبالضرورة لم ينتفي السبب الذي دفع القيادة الفلسطينية لرفض استلام المقاصة.

 

وفي اطار دعم موقف القيادة الفلسطينية في الاستمرار في رفض أموال المقاصة، يمكن اثارة السؤال الضروري والمهم على الساحة الفلسطينية؛ وهو كيف يمكن دعم وتعزيز هذا الموقف الفلسطيني؟. في هذا السياق يمكن طرح عدة حقول تساعد في هذا الصدد؛ وهي:

أولا: ترشيد النفقات العامة والخاصة في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به القضية الفلسطينية.

ثانيا: العمل على الاستثمار في الانسان الفلسطيني وتعزيز التنمية على كافة الصعد.

ثالثا: عدم التنازل بتاتا عن مطلب القيادة الفلسطينية بالغاء الضم وعدم الرضوح لابتزاز الحكومة الاسرائيلية المتلعقة باموال المقاصة.

رابعا: العمل على خلق جبهة دولية وعربية مناصرة لحقوق الفلسطينيين لاسيما حقهم في رفض أموال المقاصة في ظل تهديدات الحكومة الاسرائيلية المتكررة بالمضي قدما في مخطط الضم على أرض الواقع بما فيه الاستمرار في بناء المستوطنات وتهويد القدس المحتلة.

 

2020-10-26