الإثنين 16/3/1442 هـ الموافق 02/11/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
تسويط اللغة في 'يوميات مهاجر سري'...د. حميد لشهب

تشبه "يوميات مهاجر سري" للأديب والصحفي المغربي رشيد نيني، المنشورة في طبعتها الثانية عام 2005 بالرباط، "ميتروبول" عظيمة بكل المقاييس. توفر هذه المدينة الشاسعة الأطراف لزائرها عدد لا يستهان به من المداخل للتغلغل في ثنايا أزقتها وشوارعها. وبما أن الإحاطة بكل هذه المداخل مستعصية في مقال قصير مثل هذا، وبما أن الشوارع والأزقة كثيرة ومنها ما هو ملتو بطريقة معقدة، فقد اخترنا لنصنا هذا مدخل اللغة، لأنه من بين المداخل المهمة في هذه اليوميات. 

إن "تسويط" اللغة المستعمل هنا ليس استعارة ولا يحمل أي معنى قدحي تبريكي، بل أوحته قراءة متأنية لليوميات، وتأملا للغتها. بمعنى أن هذا الـ "التسويط" موجود فعلا في طريقة استعمال الكاتب له وبراعته في التحكم فيه، لنجده في أشكاله اللغوية ومعانيه المجازية مدسوسا في النص طولا وعرضا.

 

تتقدم اللغة العربية في "يوميات مهاجر سري" دون أية سرية تذكر، ودون أي قناع ولا "كماكة" على وجهها، بل يمكن اعتبارها صراخا من أعلى قمة للغة، لكي يسمع كل من هو في الروابي والأودية والشعاب، صوت من لا صوت لهم: أبناء أمة قسم الزمن ظهرها، وجف ضرعها وتقلصت أمكنتها ولفضت أبنائها من أحشائها، متقيئة إياهم على الضفة الشمالية للمتوسط، للإنتشار السري في أوروبا، حاملين أحلاما عمل الخيال فيا عملته، ومعرضين أنفسهم وكرامتهم إلى كل أنواع "التسويط" الوجودي والفيزيقي. وهذا هو أول مستوى ظاهر وملموس لليوميات، ولعله أهم مستوى لأنه يرتبط مباشرة بالأنطلوجية الداخلية لحضارة وثقافة وكرامة الإنسانية العربي عامة والمغاربي خاصة والمغربي بالأخص.

 

لا يمكن للمرء ألا يلمس بأن المهاجر العربي السري "يسوَّط" أمره ورأيه، أي يخلطه ولا يستقر له حال وهو سابح في عرض الهجرة، محاولا العثور على مرفأ أمان. من هذا المنطلق، تشبه الهجرة السرية في النص الذي بين أيدينا "تسويطا" لمنقع المياه الراكدة في العالم العربي، أي مباشرة حرب ضروس اتجاهها، باختيار طريق دقيق بين شَرَفيْن. يتعاطى المهاجرون العرب سوطا واحدا، أي أمرا واحدا، في تعاملهم مع الفرس (قدرهم) بـ"المِسْواط" الذي لا يعطي حُضْرَه إلا بالسوط. وفي كثير من المواضع من اليوميات يمكن للمرء أن يضع الأصبع على سُوَيْطَاء أكل المهاجرين السريين، لكثرة مائه وبصله وحمصه إلخ.

 

يبدأ المستوى الثاني "لتسويط" اللغة في "يوميات مهاجر سري" منذ البداية مباشرة: "بالأمس، تحطم قارب صغير في التلفزيون". لا يتعلق الأمر باستعارة عادية، بل بضرب مبرح لتمثل واقعي لخبر فعلي نُقل تلفزيا. لم يتحطم شيء في التلفزيون، بل تحطم (مات) مهاجرون سريون. ولا توجد أية مبالغة عندما نقرأ: "المقص ذبحني في اليوم الأول من العمل"، فعوض "جرحني" يستعمل الكاتب فعل "قتل" للتعبير على قسوة العمل، وهذا ما يظهر بجلاء في تعبيره: " في اليوم الأول من العمل عدت إلى البيت مقتولا". فالقتل الرمزي يعني من بين ما يعنيه، حسب فهمنا، التخلص الفيزيقي من متاعب الحياة المهاجرة، بالركون إلى النوم، الذي يعتبر وسيلة لاسترجاع الطاقة الضرورية لمواجهة يوم هجرة جديد، على الرغم من أن النوم قد يكون أيضا مناسبة لغياب الوعي، وهو غياب حطه الكاتب محط سؤال بطريقة فلسفية عميقة للغاية: "لا أحد يعرف أين يذهب الوعي عندما يغيب".

إن تسويط اللغة بهذه الطريقة هو عمل إبداعي في حد ذاته، لا يُخبرنا سوى بنذرٍ يسير مما تحمله الكلمات من معانٍ، لطالما أن الهدف منه ليس البيان أو نقل المعلومات، بل الانغماس في حالة وجودية معقدة تتجاوز حدود المنطوقات اللسانية، ومعايشة عقل وروح يستعصيان على الجمل والعبارات. هذا الطابع السحري للغة "يوميات مهاجر سري"؛ هو شيءٌ اشبه ما يكون بتأثيرات السحرة حين تُتجاوز السلسلات السببية المرئية. وبكشف هذه اليوميات عن سحر اللغة، يُصبح المبدع ساحرًا لعقول وأرواح المُعذبين في الهجرة السرية. تتقدم اللغة في هذا العمل الإبداعي كحصان حرن، لا يشبه البتة حصال "دون كيجوت Don Quijote" ولا فرس عنترة العبسي، المقتول في اليوميات من طرف كفيف، بل يتعلق الأمر بفرس طارق بن زياد، المتروك على الضفة الجنوبية للمتوسط، الجامح، المسحور، والباحث عن فارس تكون اللغة سيفه، وسحرها غمده، وقضية الهجرة حربه.

2020-11-02