الأربعاء 6/6/1442 هـ الموافق 20/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ومضات من تاريخ المغرب الاستعماري...توفيق بجطيط

في مقالي هذا سأحاول قدر الإمكان توضيح العديد من الاشياء التي يجهلها الناس خصوصا المواطن المغربي حول مراحل احتلال المغرب وتجلياته كلما حل شهر نونبر إلا ويتبادر إلى ذهننا تاريخ استقلال المغرب سنة 1956 من فرنسا،بعد ازيد من 44 سنة على الاستعمار الفرنسي فماهي مراحل هذا الاحتلال وماهي تجلياته ؟ ، بداية لابد للإشارة إلى أن المغرب خضع للاحتلال سنة 1912 في 30 من مارس حيث تم توقيع ما يسمى بمعاهدة الحماية الفرنسية من طرف السلطان عبد الحفيظ والسلطات الاستعمارية، حيث شملت هذه الحماية المنطقة الوسطى بالمغرب والتي سيطرت عليها فرنسا بموجب معاهدة فاس التي قسمت المغرب إلى ثلاث مناطق: المنطقة الشمالية ، والصحراوية في الجنوب خضعت للسيطرة الإسبانية والمنطقة الوسطى تحت الحماية الفرنسية اما مدينة طنجة فتم اعتمادها منطقة دولية بين كل من فرنسا وانجلترا وألمانيا علاوة على اسبانيا ، لاحتلال المغرب واخضاعه للسيطرة الأجنبية ثم غزوه عبر عدة مراحل ، المرحلة الأولى كانت ما قبل سنة 1912 حيث احتل فيها الفرنسيون شمال شرق البلاد- وجدة-فكيك وماجاورهما + الوسط الغربي فاس -مكناس-الدار البيضاء والنواحي . المرحلة الثانية: ما بين1912 و 1914 ثم احتلال مناطق شاسعة من وسط البلاد - ممر تازة إلى مراكش وضواحيها + الصويرة واكادير المرحلة الثالثة: ما بين 1914 و 1920 ثم خلالها ضم باقي مناطق وسط البلاد -حوض ملوية +الرشيدية وارزازات والنواحي ... مرحلة ما بين 1921 و1926 ثم خلالها احتلال أقصى الشمال وما بقي من وسط البلاد ، اما المرحلة الخامسة والأخيرة فكانت ما بين 1931 و1934 ثم ابانها غزو جنوب شرق المغرب والصحراء ، كل هذه المراحل لقيت مقاومة شرسة من طرف المغاربة لا في الريف والاطلس الكبير والمتوسط ولا في الجنوب ايضا ، بحيث عرف شمال المغرب مقاومة من طرف المجاهد محمد امزيان عام 1909 ضد الاسبان فقد هزم ثلاث فرق من جنودهم، وثارث منطقة جبالة عام 1913 خاصة بين منطقتي الشاون وتطوان حيث تميزت بانتفاضتها ضد المستعمر الإسباني ، اما في الجنوب فقد قاد المقاومةالعسكرية الشيخ ماء العينين ووالده الهبة الذين تجندوا رفقةجيوشهم لمواجهة كل أشكال الاحتلال الغاشم، وماكاد نبا توقيع معاهدة الحماية بفاس في 30 من مارس سنة1912 يطرق الاسماع حتى هبت القبائل المجاورة للعاصمة الادريسية بنشر عناصرها في مختلف أرجاء المدينة بزعامة الحجام الذي استطاع بفضل خطته وحنكته قتل العديد من الفرنسيين ليبعثر بذلك أوراق فرنسا في المنطقة الشيء الذي جعلها تغير خطتها الاستعمارية وتعتمد سياسة الابادة فقنبلت جانبا من مدينة فاس واعدمت العشرات من السكان مما اجج الاوضاع في البلاد . ولتسهيل الغزو وتسريعه قامت فرنسا بارسال الجنرال ليوطي كمقيم عام في المغرب ، حيث عمل بمجرد التحاقه بالبلاد على جمع كل العلماء والجواسيس بغية معرفته كل مايدور في الحياة بالمفرب واطلاعه على ثقافته الاقتصادية والاجتماعية تطبيقا لأوامر باريس .

عمل ليوطي على استمالة كبار القادة بالبلاد فقد اطلق ايديهم على مناطق شاسعة وسمح لهم باستغلالها حسب رغباتهم شريطة ضمان الأمن فيها حتى يتسنى له تحقيق أهدافه الاستعمارية الرامية إلى الاستفادة من خيرات البلاد واستغلالها فقد قام بانشاء الطرق والقناطر وربط أهم المدن بخطوط السكك الحديدية تطبيقا لما جاء به مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي انعقد في أقصى جنوب اسبانيا .

ظل ليوطي في المغرب ازيد من 12 سنة وهي المدة الزمنية التي يقضيها كل مقيم عام ترسله فرنسا إلى دولة ما ، قام خلالها بتغيير جملة من الاشياء كتوقيع الظهير البربري في 17 نونبر سنة 1915 واعتماد علم جديد للمغرب و هو العلم الذي لا يزال لحد الساعة. عمل ليوطي ايضا على نقل عاصمة المغرب من فاس إلى الرباط واستقدم السلطان مولاي يوسف اليها واختار منطقة تواركة لبناء القصر الملكي ، كما أمر المنهدسين والمعماريين ببناء مختلف الإدارات المركزية والعسكرية والقضائية. استمرت فرنسا وإسبانيا في احتلال المغرب واستغلاله ابشع استغلال من خلال نقل ثرواته إلى اليهما الشيء الذي أدى إلى توسيع الفجوة بين الطبقة الغنية والفقيرة في المغرب وساهم في نشر الفقر والبطالة في مختلف بقاع البلاد .

كل هذه الأحداث ولدت ماسمي في ذلك الوقت بالحركة الوطنية المغربية التي احست بالخطر الاستعماري وطالبت بالإصلاحات السياسية والمساواة مع الفرنسيين المقيمين في المغرب حيث كانوا يتمتعون بخيرات البلاد بما تحمله الكلمة من معنى .

لكن مع الأسف الشديد لم تستجب فرنسا لمطالبهم مما أذى إلى نشر الغضب والرغبة في الانتقام في صفوف الحركة حيث طالبت باستقلال البلاد التام عن فرنسا وإسبانيا ، الشيء الذي سيجعل الأوضاع تزداد سوءا .

نتيجة لذلك قامت فرنسا بنفي السلطان محمد الخامس إلى جزيرة مدغشقر وكورسيكا ما بين سنة 1953 و1955 وكان الهدف من هذا النفي أبعاد الملك عن شعبه واخماد التلاحم بينهما، طيلة فترة النفي أصبحت الحركة الوطنية أكثر شراسة حيث كانت عناصرها تقوم بتصفية الفرنسيين والخونة وتسهر على توعية الشعب بخطر الاستعمار . الشيء الذي جعل فرنسا تفكر في الانسحاب من المغرب .

خلال هذه الفترة عقدت العديد من الاجتماعات الخفية بباريس لتقرير مصير المغرب حيث أدركت فرنسا أن مصالحها في المغرب أصبحت مهددة ومن الواجب التفكير في الانسحاب من هذا البلد ، لذلك قامت بعقد اتفاقية اكس ليبان التي مع الأسف الشديد تضمنت شروطا صعبة كلها تصب لصالح فرنسا بعد توقيع الاتفاقية قررت فرنسا أن تعطي المغرب استقلاله وأعلنت عن خروجها من أراضيه سنة 1956 ليحصل بذلك المغرب على الاستقلال المزعوم الذي اعتبره الكثير بمثابة انتقال من الاستعمار الفرنسي المباشر إلى الغير المباشر فاللغة الفرنسية لازالت تدرس في المغرب كلغةاجنبية اولى والاقتصاد تتحكم فيه فرنسا من مختلف الزوايا وقرارات المملكة لازالت تابعة لباريس اما سبتة ومليليةوالجزر الجعفرية فلازالوا تحت الاستعمار الإسباني.

توفيق بجطيط رئيس قسم التغذية بشركة مونوبري MONOPRIX كاتب مقالات ،صنف السياسة

2020-11-09