الجمعة 27/3/1442 هـ الموافق 13/11/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هنا قتلتك يا شباب...!...بقلم : يوسف ناصر

 يوم ناديتَني أيّها الشّباب، كنتُ أمرح وحدي في مروج الطّفولة الذّاوية، وأرتع في رياض الصّبا الغارب...! هنالك في ذلك الموضع البعيد وما أحبّه إلى قلبي.. جئتَ تناديني بإلحاح وتشدّني بيديك كي أتبعك...! ولم تُمهلني حتّى أودّع تلك الحبيبة الطّاهرة الّتي كانت أوّل من مشى معي على دروب الحياة .. طفولتي الّتي معها شعّت بسمات أيّامي بين الكروم والبساتين وعلى البيادر والحقول.. ومعها كنتُ أضمّ الفجر إلى صدري بذراعيّ مرّة بعد مرّة، لأتنشّق العطر من ثياب الرّبيع فوق التّلال والهضاب، إلى أن يصعد اللّيل إلى قمم الجليل ويرفع خيامه فوق السّهول والجبال..!

            هنالك أيّها الشّباب.. ولا أنساكَ عند الوداع ساعةَ وقفتَ تشخص إليّ من بعيد وتشهد ذلك الفِراق المرّ بيني وبينها.. وإذ كنتُ على يقين أنّها النظرة الأخيرة والوداع الباكي لي معها في هذه الحياة ، وأنّنا لن نلتقي بعدُ إلى الأبد ، ضممتُها أمام عينيكَ إلى صدري ضمّةً طارت معها روحي، ولن تعود إليّ حتّى انقضاء الدّهر...! وحين رُحتُ أتمسّح بثيابها، وأستمسك بأردانها، وأجتهد ألاّ تفلت منّي، خفّ الزّمان إليّ وجاءني على عجل، وفصل بيني وبينها، ونزعها بقوّة من يديّ مرغمةً..! ورجعتُ لا أمشي خطوة واحدة وأنا أتلفّت إلى الوراء نحوها، إلاّ رأيتُها هي الأخرى تتلفّتُ إليّ، وكلانا يبكي وينتحب..! والقلب منّي يتبعها حيث تسير، حتّى تضاءل طيفها وتوارى عن عينيّ إلى الأبد..! وهأنذا منذ ذلك الحين أهيم في الأرض على وجهي دونها.. وأقيم لها كلّ عام مأتمًا تحت جوانحي، وتذكارًا في كبدي، وأحيا على ذكراها العَطِرة، وتذراف الدمع على هجرها الحارق كلـّما سنحتْ أطيافها أمام عينيّ ، وناداها القلب من ألم الفراق..! وإنّ الّذي يهيج وجدي، ويأكل كبدي كلّ يوم أيّها الشّباب، أنّني لست أعرف شيئًا عن حالها، وما وقع لها منذ رحيلها عنّي في ذلك العهد الرّغيد..!

جئتَ إليّ أيّها الشّباب لتمدّني من نضارتكَ وبهائكَ.. وتمنحني من حسنكَ ورونقكَ.. وتعزّيني دائمًا عن فراق صاحبتي بما منحْتَني من قوّة جلبْتَها لي معكَ...! أيّها الشّباب النضِر، أنتَ الشّهد المصفّى الّذي تتقطّر منه سعادتنا في هذه الحياة، بَيْدَ أنّه لا عيب فيك سوى أنّ الذّباب يطلبكَ...! وأنت الذّهب الخالص الذي نمحّصه بالبوتقة غير أنّه يجلب الزّهو والكبر لكلّ من يحملك...! أنت الجنّة العلياء الّتي تبعَتْ آدم وحوّاء إلى الأرض يوم خطِىء، وحملتْ معها أكثر من شجرة تفّاح واحدة للآكلين..! وأنت البستان النّضِر الّذي تُخفي فيه الشّهوات فخاخها للضّعفاء..! أنت الّذي في صحاريك تجوع الأجساد، وتعطش الأرواح لدى الّذين دخلوها بغير الخبز والماء الحيّ الإلهيّ..! ذلك الخبز الّذي مَن أكل منه فلا يجوع... ومن شرب منه فلا يعطش إلى يوم الدّينونة..! على ضفاف ينابيعك تنمو المواهب، وتُزهر النّعم السّماويّة..! عطر الناردين يتضوّع من ثيابك..!  ولآلىء العقول تلمع في قلائدك..! فيك حمم وبراكين تبتلع مَن عليها.. وفي عهدك تتجلّى قوّة الله في أعظم أعجوبة صنعها على الأرض، تلك التي نسمّيها الإنسان في هذا الكون العجيب..!  أنت برزخ خطير يسكنه الوحش والأفعى والتّنين، حيث تخرج الخطايا فجأة من الأدغال وتعضّ كلّ عابر...! وما اجتازه أحد من النّاس يومًا وسلِم من الموت إلاّ الّذي مشى فيه وراء موكب الله بخوف وورع.. تَحُفّه الملائكة كلّ الطريق، وتحفظه إلى أن يجـد نفسه أمام الأبواب التي تؤدّي إلى الحياة الأبديّة الخالدة..!

      أنا لم أُحسِن الظّنّ بك يومًا أيّها الشّباب على ودّي الخالص، ووفائي الدّائم لفعالك العظيمة.. بل أحاذر أن أمشي وراءك في طريق واحدة لئلاّ تُضلـّني بشياطينك..!  وكما تراني، عيني ترقبك دائمًا، ولا أخطو خطوة واحدة يومًا إلاّ أمامك حيث تشاء الفضيلة لا حيث تشاء أنت .. ذلك كي لا أسقط في الهاوية التي أعددْتَها للّذين سمعوك وصدّقوك وأيّدوك وتبعوك إلى حيث شئتَ وراء الآثام والآلام الدّائمة..!                       

      أيّها الشّباب...! إنّي أعيش كلّ ليلي ونهاري مرتابًا أخشى أن تسرق لي درّتي النّفيسة الّتي أورَثنِيها أبي وأمّي ، وتركاها عندي أمانة غالية..! إنّها عفافي..! ولقد علمتُ أمس ِممّن ضيّعوها، أنّ من سقطتْ من يده يومًا، وضيّعها على الدّرب، لن يعثر عليها يومًا، لا في أرض ولا في سماء من هذا العالم ...! والويل الويل للّذين أراهم يقضون حياتهم جيئة وذهابًا إلى الأسـواق.. ويدفعون هذه الدرّة إلى أيدي السّماسرة كي يبيعوها لهم بالثّمن البخس..!

      جئتَ إليّ وملأتَني عواصف تنهض بي كلّ صباح إلى الآمال الّتي تراءت لي من بعيد وراء ضباب الطّفولة..! ويا بهجتي يوم غرستُ بيدي بتأييد من الرّوح القدس شهابًا سطّاعًا في الأرض، يبقى نوره وهّاجًا في الدّنيا، ولا ينطفىء إلى الأبد.. أذكرُ في ذلك اليوم أنّه وثب بي عزمك إلى الجوّ وثبة يبست لهولها سنابل رأسي..! في ذلك اليوم، وحدك وبعزائمك أيّها الشّباب، ولا معين لي بعد الله غيرك، بدّدتَ معي عسكرًا خرج الشّيطان به من مملكته وجاء يبتغي قلعتي...! هناك وحدكَ أيّها الشّباب رأيتكَ ترمي الأعداء من فوق الأبراج بنبالكَ..وتُلقِي بهم من على الأسوار العالية، يُعينكَ عليهم هلعُهم وذعرُهم منكَ..حتّى صاح صائح منهم ينادي: أيّها الجمع..! أيّها الجمع..! عودوا القهقرى وتفرّقوا... عودوا القهقرى وتفرّقوا .. إنّ ذا الحصن منيعٌ عصيٌّ على جند الشيطان منّا..لأنّ السّماء تُقيم بكلّ مجدها داخله...! إنيّ أيّها الغُزاة، ومن شدّة وهج الله في الموضع، أرى أسرابَ الطّيور من النّجوم والكواكب تحلّق بكثافة في الجوّ لتلقي بنفسها على الغزاة منكم..! هيّا ارحلوا قبل طلوع الفجر، واسلموا بأرواحكم، لئلا يُعميكم جميعكم النّورُ الخاطف، ويمحقكم الحقّ الزّاحف نحو ظلامكم الّذي ولّى هاربًا إلى البرّيّة النّائية...!

      كم أستمتعُ بصحبتكَ أيّها الشّباب..! أُعظّمكَ وأُمجّدكَ..غير أنّني كما تعلم، لا أرضى أن تأخذ منّي سيادتي على جسدي يومًا... وتجعلني عبدًا لخادمي هذا.. وتُقيم نفسي أمَة لدى جارية عندها..! ذلك كي لا تدخل الشّهوات والخطايا منزلي، وتأخذني معها مغلولاً إلى الأسر، مثلما أراها تدخل منازل كثيرة وتخرج، ووراءها جمع غفير من الأسرى الّذين أوثقتْ أيديهم بالحبال، وشدّتْ أفواههم بالنّعال، وسارت بهم إلى هلاك نفوسهم في القفرة الجرداء.! 

            ويل لك أيّها الشّباب..ماذا جنيتَ..!  لقد وكّلتكَ حارسًا أمينًا على جسدي...لا تُغمض لك عينًا كلّ اللّيل، لأنّ اللّصوص يتحيّنون بي الفرصة خارج المنزل.. ولتحفظه لي حصنًا مقدّسًا يليق بالشّعلة المقدّسة الّتي أنارها الله في جنباته كسائر البشر.. ويل لك يوم غدرتَ بي مرّة.. أذكر كما في حلم، أنّني غفوتُ غفوة قصيرة هان عليك معها أن يدخل إبليس إلى هيكلي مرّة... ويدنّس بقدميه أرضه المقدسة.. ويزيّن في عينيّ خيانة الله.. حين أفلح أن يلقي على بصري سِنَة من نوم ثقيل.. ويا بهجتي حين انتفضْتُ عاجلاً في تلك اللّحظة الرّهيبة، واستيقظتُ مذعورًا على صوت النّاقوس المعلّق في أعماقي كي يوقظني كلّما أتي اللّص ليسرق كنوزي يومًا..! وما أسعدني حين وجدتُ نفسي على الباب الرّهيب واقفًا بين الله والشّيطان سالمـــًا، وأُوشِكُ أن أسقط منه في هاوية الهلاك ..! هنا في هذا الموضع قتلتكَ يا شباب.. وتركتكَ تسبح في دمكَ، ثمّ سرت ومعي شباب طاهر غيرك لا ينكث العهد يومًا، ويصحبني كلّ الطّريق حتّى أسلّم نفسي نقيّة لخالقها في السّماء وأُبقي جسدي الفاني طعامًا للتّراب...!

2020-11-11