الأربعاء 6/6/1442 هـ الموافق 20/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
السوق النيوليبرالي والعدمية....د. حميد لشهب

من بين الفلاسفة الغربيين الذين نظروا لليبرالية في حلتها الجديدة، هناك الفيلسوف والاقتصادي النمساوي فريدريك فون هايك، الذي لا يرى أية ماهية قارة وأية هوية مستقرة للإنسان، باستثناء هويته الجسدية. وبما أن الطبيعة المطبوعة للإنسان، طبقا له، تشبه حصانا أحرنا لا يمكن للمرء التنبأ بتصرفاته، فإن مستقبل الإنسانية مفتوح على مصراعيه، كما يقول، على كل الإحتمالات الممكنة، سواء أكانت مفرحة أو مقرحة. ويذكرنا هذا التصور في قول نيتشه: "الإنسان وهم لا بد من تجاوزه"، معتبرا الإنسان فكرة ميتافيزيقية لاهوتية غزت الوعي الغربي، تخفي هدفها الحقيقي المتمثل في نزعة الرغبة في السيطرة والقوة. لذا طالب بنزع الحجاب على كنهه الإنسان، والقضاء على تلك الميتافيزيقا اللاهوتية، ليبقى الإنسان وجها لوجه مع إرادة القوة والسيطرة.

 

يمد نيتشه وهو يتأهب للوقوف يده لهايك موشوشا في أذنه رفض مفهوم الحركة الغائية للتاريخ، حيث يعتقد هايك بأن هذا المفهوم هو مفهوم سلطوي، وبأن التاريخ يتطور تلقائيا دون أي تدخل يذكر في مجراه: "فالتاريخ ليس اقترابا من هدف معلوم، لأن التاريخ لا يتحرك بفعل عقل بشري يناضل باستخدام وسائل معلومة نحو تحقيق غاية معينة، ولكن حركة التاريخ موكولة للتطور التلقائي الذي يحدث بفعل الصراع بين الأفراد على الموارد وإشباع الحاجات". ويعتبر هذا ضربا واضحا لفهم الأنوار والحداثيين لحركة التاريخ، التي تتقدم للأمام قصد تحقيق أكبر قدر من السعادة المادية والمعنوية. لا نيتشه ولا الليبرالية الجديدة يؤمنان بالسعادة ولا بغد أفضل للإنسان، فسيرورة التاريخ عند نيتشه ليست أكثر من محافظة على الأوضاع القائمة وتكرار للتجارب التي يقوم بها هذا الإنسان.

 

تأثرت الليبرالية الكلاسيكية أيما تأثر بالفكر التنوري على مستوى فهمها للحقيقة وقدرة الإنسان على إنتاجها من خلال معرفته الموضوعية بالإنسان والأشياء، أي استعمال العقل وما يترتب عن ذلك من تنظيم لحياة المجتمع. ومن نافلة القول ترديد كون الأنوار كانت ترى في العقل سبيلا للخلاص وفي العلم المرشد الحقيقي لهذا الآخر. لكن هذا التصور خفت، بل اختفى مع النيوليبيرالية، التي أمسكت بحزم بيد نيتشه في هذا الأمر أيضا، ولم تعترف بأية موضوعية ولا بأية حقيقة، لأنها لا تؤمن بأي جوهر للإنسان ولا ترى أية غاية للتاريخ. وهذا ما نلمسه أيضا عند نيتشيه الذي رفض كل الأصنام والتماثيل التي أصبح الإنسان التنويري والحداثي يعبدها، بعدما هدم تماثيله اللاهوتية. ومن بين ما يؤسس لهذه التماثيل هناك أسطورة العقل ووهم التقدم وأخلاقيات الإنسان. وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، هذه كلها أمور تحجب القوة الحقيقية التي تحرك الإنسان، والمتمثلة في إرادة القوة، التي تصنع الحقيقة والمعنى وتعطي للإنسان إمكانية فهم نفسه وما يدور حوله كحركة دائمة متقلبة، لا تتحرك طبقا لتصميم عقلي مضبوط ما، بل من تلقاء نفسها وبطريقة عبثية، لا يمكن التنبأ بنتائجها. وهذا هو بيت القصيد في الليبرالية الجديدة التي تعصف حاليا بالعالم، وتعيث به فسادا في كل مناحي حياته. فقد عوض مصطلح "السوق" كل مصطلحات الليبرالية الكلاسيكية، وبالخصوصو مصطلح عقلنة السوق وتنظيمه والتحكم فيه قصد المساهمة في رفاهية الإنسان، أي ذلك النوع من الليبرالية الإجتماعية التي كانت تعترف نسبيا بالإنسان كإنسان. وما يميز السوق الليبرالي الجديد هي طريقة اشتغاله، التي لا يحق لأي كان التدخل فيها، لأنه ينظم نفسه بنفسه من تلقاء ذاته، حتى وإن بدى في الكثير من الأحسان أنه فوضوي وأعمى وليست له أية بوصلة توجهه. فوضى السوق هذه هي خاصيته الجوهرية، بل هي الوثم الذي لا يحق لأي كان المس به. فهذه السوق في حركة دائمة لا تستقر على حال، ولا تطيع أحدا، لأن ما يعنيها يتمثل في التنافس (ولربما التحارب والإقتتال) من أجل الموارد الطبيعية، لضمان تنافسية تفوقية، ونوجد هنا من جديد في قلب فلسفة نيتشه، الذي لا يعترف من البشر إلا بالأقوياء، ذوي إرادة حديدية لا تقهر، بل تقهر وتطحن كل ما عداها.

2020-11-14