الإثنين 21/4/1442 هـ الموافق 07/12/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
سحر الفلسفة أو الفلسفة الساحرة....د. حميد لشهب

صدر للفيلسوف الألماني فولفرام أيلينبيرغر Wolfram Eilenberger (1972) كتاب "زمن السحرة – العصر العظيم للفلسفة 1919-1929 Zeit der Zauberer - Das große Jahrzehnt der Philosophie 1919-1929" عام 2018، استخدم فيه أسلوب السرد المباشر، الشبه البسيط. ولعل هذا ما ساهم في جعله من أكثر الكتب مبيعا في ألمانيا، وطُلب للترجمة إلى ما يفوق العشرين لغة. وعلى الرغم من نشره الحديث العهد، فقد حصل الكتاب على عدة جوائز منها "جائزة الكتاب لمحافظة باييرن) لسنة 2018، و"جائزة أفضل كتاب أجنبي" لسنة 2019، التي تُمنح في فرنسا. يدرس أيلينبيرغر الفلسفة حاليا المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا بمدينة زيوريخ السويسرية، وهو إلى هذا مولوع بكرة القدم، وحاصل على رخصة للتدريب في هذه الرياضة الشعبية.

 

ركز أيلينبيرغر على أربعة فلاسفة، اعتبرهم (سحرة) العقد الذي اهتم به وهو فيتغنشطاين وفالتر بنيمين وكاسرير وهيدغر. ويعتبرهم سحرة-فلاسفة أو فلاسفة-سحرة، نظرا لتعاملهم الخاص مع اللغة وانشغالهم بسحرها وتأثيرها الخاص على مسار ومصار ومصير الفكر الغربي ابتداء من بداية القرن العشرين. فبعدما شبعت الفلسفة الغربية من دراسة الروح والفضيلة والعقل والجسد واهتمت بالواقعية والمثالية والعقلانية والتجريبية والفكر الديني والإلحاد والإشتراكية والعلمانية والوضعية إلخ.

 

لا يمكن اعتبار كتاب أيلينبيرغر عملا فلسفيا بالمعنى التقليدي للكلمة، ولا تأريخا محضا للعشر سنوات التي اختارخها، بقدر ما حاول تقديم أربعة فلاسفة مختلفين، القاسم المشترك هو اهتمامهم الخاص باللغة؛ مع بعض الإشارات إلى حياتهم الخاصة والعامة

 

بل إلى تشخيص لحالاتهم النفسية، كما لو أن الأمر يتعلق بجلسات علاج نفسية معهم، مؤكدا مثلا على أنهم، باستثناء كاسرير، كانوا عرضة للإكتئاب الوجودي. ولعل هذا راجع إلى القلق والخوف الذي كان منتشرا عند الكثير من المثقفين الأوروبيين على تدمير أوروبا بعد تجربة محنة الحرب العالمية الأولى. والتدمير المقصود هنا هو تدمير ثقافة أوروبا القديمة، التي كانت إلى حدود بعيدة متناغمة، ة، ومتبادلة التأثير، أخذا من بعضها البعض، وعطاء لبعضها البعض. فوصول الإنسان الأوروبي إلى وحشية لم يسبق لها نظير في تاريخه الطويل، وهي وحشية تمظهرت ومورست في أعنف صورها أثناء الحرب العالمية الأولى، كانت بمثابة صدمة عنيفة لفيغتنشطاين وبنيامين وهيدجر بالخصوص، الذي شارك فيها مباشرة كجندي. كان همهم الرئيس هو محاولة إعادة التفكير في الشرط (الوضع) الإنساني واضطرابه وقلقه وقسوته، بحي أن هذا الإنسان أصبع يعي بأنه أصبح مشكلا بنفسه لنفسه، بعدما وعى بأنه لا يعرف أي شيء عن نفسه ووجوده وكيانه والسبب الحقيقي لوجوده ومصيره النهائي بعدما يفنى فيزيقيا. ساهمت الصناعة الحربية التي تسببت في مذابح وحشية حقيقية إلى الوصول إلى هذا المستوى من الوعي، وأدى هذا بطريقة ما إلى ضياع حلم عصر التنوير في التقدم والوصول بالإنسانسة إلى مستوى أعلى وأفضل ماديا وثقافيا، عقليا وروحيا إلخ.

 

إن الأزمة الوجودية التي تسببت فيها الحرب العالمية الأولى جثمت بكل ثقلها على الفلاسفة الأربعة، فبجانب إشكالية كيفية بناء فهم جديد للحياة، ليعيشها الإنسان بطريقة أفضل، فرضت إشكالية نوع المعرفة التي يجب التفكير فيها وتوفيرها من أجل بناء هذا الفهم الجديد للحياة. لم يكن الطريق سهلا، ون هناك إجابات جاهزة كانت في متناولهم لتسهيل المأمورية، بل تدخلت عوامل إضافية أخرى، جعلت الإجابة عصية للغاية، منها بالخصوص الهزة الإقتصادية التي عرفتها أوروبا وانتشار جائحة الإنفلونزا الإسبانية بين 1918 و1920. حال كل واحد منهم، بطرقه ووسائله ومناهجه الخاصة، العثور على اللغة الأصلية، التس تؤسس لكل خطاب بشري، أي البحث على لغة موحدة تكون أصل اللغات والمعاني كلها. برعوا كلهم في "اختراع" مفاهيم جديدة، لكنهم لم ينجحوا في الوصول إلى قاسم مشترك بينهم، اللهم انتمائهم إلى اللغة الألمانية.

 

ما يميزهم كسحرة هو أنهم استوعبوا الحرب كمصدر إلهام ساعدهم على بناء نماذج وجود وفكر جديدين، أثر أيما تأثير في مصير الفكر الفلسفي فيما بعد، وبالخصوص التحليل اللغوي الواعي لفيتغنشطاين والوجودية التفكيكية لهيدجر.

 

طبقا لأيلينبيرغر، كان فيتغنشطاين أكثر السحرة خداعا، ليس فقط لأنه أكمل تحرير أطروحته وهو يحارب في خنادق الجيش الألماني، بل لأن هذه الأطروحة في حد ذاتها تعتبر عملا سحريا، خصصه للغة والمعنى ورغبة الإنسان الربط بينهما. كان يحاول بناء فلسفة وضعية قحة، على غرار العلوم التجريبية والرياضية والفيزيائية، لانتشالها من ميتافيزقيات لا حصر لها، لا يمكن البرهنة عليها علميا بالرقم وبأدوات العلم الحق. رسم للفلسفة إذن خندقا جديدا يتمثل في تحليل وتوضيح القضايا اللغة، بغية القضاء على الأفكار الغامضة، بهدف الوصول إلى لغة خالية من عيوب اللغة اليومية العادية. لكنه تخلى على هذا الطرح فيما بعد، ليؤكد بأن مهمة الفلسفة هي بالأحرى القضاء المآزق الميتافيزيقية الناتجةعن سوء فهم اللغة واستخدام كلماتها بمعانٍ لا تحتملها. كما أن وظيفة اللغة لم تعد تقرير الوقائع فقط، بل إنها تنطوي في نظره على صورة حياة بأكملها. وبهذا فإن الفلسفة كما حاول تبيان ذلك هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها. حرر معنى الكلمات والمفاهيم، لأنها دون دلالة إلا باستخدامها من طرف الناس في حياتهم اليومية. فما يمكن قوله مباشرة هو الذي يعطي للحياة وللعالم معنى ما.

 

يذكر أيلينبيرغر بأن أول محاضرة لهيدجر (1919) كانت بعد العرب العالمية الأولى مباشرة، حث فيها على تعلم التفكير من جديد للمرور إلى عالم آخر. وما كان يقصده هو ضرورة التحرر من التصور البورجوازي للعالم، بـ "الرجوع إلى الوقائع". والإشارة إلى هذا الأمر، كان بمثابة اللمسة السحرية التي ألهمت حماس طلبته، وجمهور المثقفين الألمان أنذاك، المنهوكين من الحرب والمتضررين مباشرة من عواقبها. كانت لغتة الساحرة والسحرية تدعو مباشرة إلى التخلص من التمثلات والمفاهيم الخاطئة، التي قادت إلى الطريق المسدود للفلسفة (طرق الحطب)، وتعزز هذا السحر باشتغاله المضني والمعقد على نباء مصطلحات جديدة، كطريقة للقضاء على ما كان يظهر له عائقا في سبيل بناء تفكير جديد. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت للمفكر الشجاعة الكافية لكي يهتم بموضوع الموت.

 

عرف فالتر بنيامين في الأوساط الفلسفية الألمانية كالعدو اللذوذ لهيدجر، وعلى عكس هذا الأخير لم يكن مفكرا نسقيا، بل توزع اهتمامه على ميادين مختلفة، اهتم بالتصوف اليهودي، والرومانسية والماركسية والسريالية، مغتقدا بأنه بهذا يَكْشِفُ عن عالم جديد. لكن ميدان سحره كان هو اللغة أيضا بلا منازع، إلى درجة أنه اعتبر كل شيء لغة تقريبا؛ وفي كل شيء معنى عقلي خاص، تصل عن طريق اللغة، التي تعتبر إلى حد ما مترجمة لعالم الأشياء إلى عالم البشر. وتعني الترجمة اللغة، وهذه الأخيرة لا تنقل في آخر المطاف إلا جزء من المعنى أو لاوعي جماعي أو شكلا من الحياة. وشخص الهاوية الكبرى في اعتبار الجوهر العقلي لشيء ما يتألف بدقة من لغته. وتكمن مشاكلنا الفلسفية، طبقا لبنيامين، في اختزال اللغة إلى وسيلة تواصل لفضي أو تصوير الواقع. ولربما نجد نفحة نستشوية غير مباشرة في تعامله مع اللغة، حيث يخصص للموسيقى مثلا لغتها الخاصةـ تماما كما يرى بأن للنحت وللفنون الجميلة عامة والوحي والعدالة والتقنية لغاتها الخاصة أيضا.

 

كانت دعوة كاسرير للفلاسفة تتمثل في ضرورة مغادرتهم لأبراجهم "العاجية" والإنخراط في استكشاف العالم في جميع أبعاده: الفن والتشكيل والأساطير والحجج المجردة، أي الإهتمام بالثقافة بصفة عامة، ومحاولة توحيد أنماط التفكير العلمي ونظيره غير العلمي، لأنها تتحد في رؤية فلسفية واحدة، قوامها فهم اللغة كقوة أولية يتولد من خلالها الوجود بكامله، ويتداخل فيها الفكر الأسطوري والفعل اللفظي كواجهة للعقل الإنساني.

 

كانت "الحركة السحرية" لهؤلاء المفكرين  الأربعة تعبيرا واضحا عن الفوضى التي رافقت بطريقة ما انهيار م كان يسمى الحقائق القديمة. ما يجب تسجيله بحبر واضح هو أن الهدف، باستثناء كاسرير، كان هو التخلص من إرث ديكارت، المتمثل في ثنائية المعروفة المتعلقة بالعقل والجسد، وبالخصوص عند هيدجر. وهذا هو موضوع ما يسمى ما بعد الحداثة\، إلى درجة أنه يمكن اعتبار هيدجر من مؤسسي هذا الإتجاه، بطريقة ما.

 

لا يهم في آخر المطاف كيف يمكن فهم كتاب أيلينبيرغر، الحاسم هو أن العقد الذي حاول الح

يث عنه، هو عقد معقد للغاية، إذا ما أطرناه في إطاره التاريخي فكريا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا. إنه العقد الذي أحدث هزات عميقة في الفكر الغربي، وفرض على المفكر الغربي عامة الإنخراط في إيجاد حلول للحقبة الحرجة التي كانت أوروبا تمر بها، بعد فترة كان المرء يعتقد بأن "مخالب" الأنوار كانت قد تحكمت في الجسد الثقاقي والفكري الغربي عامة، وأصبح واضحا أم ما يهم هو الأنوار والعقل والنقد واستعمال أدوات علمية وضعية للوصول إلى نتائج "علمية" "موضوعية". كانت الأحداث السياسية (الحرب العالمية الأولى) والأزمة الإقتصاداية بعد هذه الحرب، المحك، بل الميزان الذي استعمل لتقويم مآل أوروبا. وحتى وإن كانت هذه الأخيرة التجأت إلى اختيار وحدة سياسية واقتصادية، فإن المشكل الحقيقي للفكر الأوروبي لم يُحل لحد الساعة، لأن الإشكاليات الفلسفية والسياسة والإقتصادية، التي أراد المرء تجاوزها والتغلب عليها، ما زتالت قائمة وتهدد باستمرار هذا الإستقرار الهش لأوروبا المتحدة، لأنه مبني على أساس منطق الغلبة وسياسة القوي. وما يعلمنا إياه التاريخ هو أن هذا النطق غير سليم قار، فمن يكون  من الدول الغربية قويا اليوم، قد يصبح ضعيفا غدا، وبهذا تُهدم كل المعادلات، وتبنى تحالفات جديدة، لا تفهم الفلسفة والفكر تأثيرها إلا بعد فوات الأوان. حاول السحرة الأربعة المساهمة في المرور بأوروبا من أزمتها إلى ما سماه هيدجر " Lichterungإضاءة وسط الغابة الكثيفة"، إلا أن محاولتهم سرعان ما اصطدمت بالواقع المعقد، ولم تسلم أوروبا من خوض غمار حرب عالمي ثانية كانت أكثر تدميرا من الأولى، أرجعت الإنسانية إلى وحشيتها "الأصيلة" و "الأصلية" ووضعت الكثير من مبادئ ومفاهين والحداثة بين قوسين. عاد الإنسان إلى طبيعته المطبوعة، كحيوان متوحش، وتعززت هذا التوحش في زماننا، مع استحواذ الليبرالية المتوحشية، أي قانون الغاب.

2020-11-22