الثلاثاء 20/11/1445 هـ الموافق 28/05/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
(الفقد وحضوره المخاتل , منحةٌ لاتحتاج إلى استئذان ) قراءة سيمولوجية في ديوان شجر الأنبياء للشاعر د. سعد ياسين يوسف....منار القيسي

(الفقد وحضوره المخاتل , منحةٌ لاتحتاج إلى استئذان )

قراءة سيمولوجية في ديوان شجر الأنبياء للشاعر د. سعد ياسين يوسف  

المقدمة : لاشك إنَّ الأغراضَ الشعرية القديمة السائدة ماعادت قادرة على التعبيرعن المتغيرات وتطور الأنماط الحياتية وإيقاعها, لذا وفي منتصف القرن العشرين  ظهرت حركات تجديد للشعر العربي وعلى مستويات عدة وتجلت تلك التغيرات في  الشكل والمضمون (الإيقاع , الصورة الشعرية ,واللغة) , ومن أبرز رواد تلك المرحلة (نازك الملائكة , بدر شاكر السياب,عبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور.. وأخرين التحقوا بركبهم وأبدعوا كمجموعة شعراء بغداد وجماعة كركوك , شعراء "مجلة شعر" بتياريها: الماغوطي المتمثل بالشعر ( الحر) وتيار أنسي الحاج وأدونيس ( والتي كانت قصيدة النثر الفرنسية المرجع في أشعارهم , ولقد جايل  شاعرنا د. سعد ياسين يوسف أولئك أو قسمًا منهم , وهو شاعر عراقي معروف , أنجز لنا عدة دواوين منها( شجر الأنبياء ), وعلى الرغم من عدم تسجيله الحضور مع الجيل الثمانيني  للقرن الماضي والذين عرفناهم من خلال نشرياتهم في المجلات الأدبية مثل مجلة الاداب, مجلة الشعر, مجلة الطليعة الأدبية, ومجلة الأقلام... هنا نماذج من نصوص ديوانه (شجر الأنبياء) لغرض الدراسة والتحليل  وفق المنهج السيميولوجي , بغية الوقوف بشكل واضح على ماجاء فيها من أغراض وإبداع...(المجموعة صدرت عن دار الينابيع -سورية /2012 ),ومن خلال المضمون, سنتَّعرف على الحقول الدلالية المهيمنة, المعجم اللغوي  المرتبط بها,  والعلاقة بينها من خلال خصائص النصوص (الإيقاع والصورالشعرية  والأساليب واللغة ..الخ ) , والتي بمجملها إضافة إلى عوامل ومؤشرات أخرى ولّدتْ لدينا الاقتناع بأن نصوص المجموعة  تنتمي إلى (تجربة سؤال الذات), والتي تحددت أغراضها وبمجملها في التأثيث لسرد سيرة تدوّن حالة التواصل مع الطبيعة والانسان (سواء في استنطاقه الحضور وبما أوحى له من اختصار أزمنة النفور ودفقة الانحسار  أو الذي أقصاهُ الغياب), ويمكننا أن نقول هي تدوين  لحالات التماس والتماهي و التواصل , ومن خلال بؤرة "الفقد" باعتبارها المركز , وربما نستشف مصباح "الذات" قد انعكس على لوح ماحوله فتأنسنت عوالم المعيش المتماسة مع خطوط تقاطعاتها خلال لحظة تأمل هادئة أحياناً ومضطربةٌ حدّ القلق في أحيان أخرى من زمنها الشعري.  وأنّ الأغراض الشعرية  خرجت عن النظام القديم من ناحية المضامين والاغراض كــ (المدح ,الهجاء ,الغزل ,والفخر )... يمكننا تلخيص مضامين نصوص الديوان وبمجملها في التأثيث لسرد سيرة , والتي كان قاسمها المشترك ( الفقد) , رغم أنَّ العنونة التزمت ثيمة (الشجرة) ..ولم يتبنَ الشاعر "خطاب إحياء النموذج" , قصيدة الشطرين, وكذلك خرج عن نظام قصيدة التفعيلة (الشعر الحر) , و التزم جادة قصيدة النثر , وكما هو معلوم إنَّ((قصيدة النثر شكلاً مكتسباً من النثر العادي عفويته وبساطته وحريته في الأداء والتعبير ...))(1) وتجيء بأشكال وأنماط مختلفة, وحسب التجارب المطروحة لكل شاعر في المشهد الثقافي العربي .

مرحلة العرض:

قيل عن "الفقد"  ذلك الزائر الثقيل أنَّه لا يأتي بمفرده، ففي معيته دوماً مواسم الوجع , وقوافل الحزن المحملة باليأس  والبكاء  ، غير أن ما يحمد عليه, أنه كان الملهم لكثير من الشعراء والأدباء ,ليبدعوا لنا لوحات خالدة من الخيالات الشعرية, والتصورات الفنية المليئة بالأحاسيس والمشاعر، وأشد الفقد ما كان سببه الموت،  والقصائد المتفردة بالفقد متميزة بصدق العاطفة , وتتنوع بحالة الفقد، فقد الأبناء والآباء والإخوة والزوجات, والذي هو أشدها وقعاً...ومن خلال الشعر وحده يمكننا أن نشعر بالمعنى متجدداً بالقفز على فجوة الفراغ الذي تخلفه أكثر أحزاننا قتامة  وباللغة التي تنطلق لتعكس هذه السمة الإنسانية الأصيلة في البشرية ، فتقدم لنا التجارب الشعرية المختلفة في هذه الاتجاه، كنوع من أنواع الحراك الاجتماعي والثقافي.. ورغم ذلك فهو في الشعر لا يشبه الأفكار الملقاة على قارعة الطريق، بل هو قيمة لا تقدر بثمن، علقتنا بأسماء لم نسلم من أثارهم حتى اللحظة، وهناك نماذج عاشت بيننا كأنها ولدت البارحة، مع فرق أن ما يفصلنا عنها هي عقود من الزمن  الغابر..(( إنَّ الشعر وسيلة "لإحياء" صفات إنسانية جوهرية معينة أو"آمال باطنية", وإنَّ الشعر العظيم هو مايخاطب العواطف الإنسانية الأولية أو "تلك المشاعر الأولية التي تكمن على الدوام في الجنس البشري))(2).

وفي ديوان"شجر الأنبياء" , وعلى الرغم انَّ ثيمة  الشجر شكلت (للشاعر) هاجساً يمثل النمو والازدهار , والخضرة التي تعني الحياة , لكن قوَّضها القلق المتنامي في خضم الخسارات التي لا تعوض من خلال "الفقد" , ويبدو أَلَمَّ الحزنُ ولازمَ نبضه فنطقت حروفه , ((انك مربوط مع حزنك من حبل السرة/حتى آخر شهقة)) / (ص110) , والذي مابرح يرسم ملامح حدود "الذات" المتألمة , ابتداءً من جذور إبراهيم النبي ومروراً بجذع نخلة مريم ("شجرة آدم"/ ص-7 ) والى ما امتد من رؤى تستقرئ القادم من التبصّرِ, حيث لم يلتزم بنسق السرب "سرب مجايليه", (وهذا حسب اعتقادي هو السبب الواضح  لعدم الحضور في المشهد الشعري رفقة مجايليه) , وكما فعل اقرانه من الشعراء.. وكذلك يمكننا القول إنَّه نصَّب نفسه دكتاتوراً مثقفاً لايعنيه إلَّا ما اشتهت ذائقته..وبذلك أكد أراءه فقط واشترط في ذلك التميّز لإن يكون حيَّاً في الزمن الميت وعلى الأقل أخلاقياً , الزمن الذي لم يكلف نفسه على التجديد لكونه بُعداً دايلكتيكياً ,وليمنح الحياة حالة التماهي مع هذا الكون الذي أثبت أَنه يتمدد , رغم نظرة السكون الذهني للعقل وأرجاع مايعجز عنه التفسير المنطقي الى حالة ماوراء الطبيعة.. وإذا كان كلّ مايعتري الإنسان "الفاقد" من سلوك يُفسَّر وفق المفهوم الميتافيزيقي , فالامر إذاً وبما يَؤول إليه , هو شيء طبيعي ناجم عن كل ما يتعلق بكينونته, مرورًا بعدة تحولات , ابتداءً من الركون إلى السكينة والانعزال ,ثمَّ القناعة وحالة الحزن , وبالتالي إلى "غربة الذات" ، وذاك هوالذي مانصبوا إليه للاستدلال على ملامح "نصوص المجموعة" ...ولابد أن نذكر((إنَّ بنية الوعي لدى الشاعر تتأسس على أفكار ثابتة واضحة تحدد علاقته بالعالم وتقتضي الثبات في أشكال التعبير  عن هذا الوعي كما يظهر أنَّ العلاقات الأساسية المشكلة لوعي تنبني على التجاور والتنافر في الوقت نفسه وعلى الانفصال وليس الاتصال وتظهر في احتدام بالحركة والفعل يعقبه انكسار وتوقع انطلاق يحبط لأنه مغلول,وطي تلاحم موقوت بأشياء الكون وموجوداته))(3).

ومالمسناهُ في تجربة الشاعر سعد ياسين يوسف,أنَّها تحمل سمات خاصة، وملامح فردية مميزة، وأنَّهُ ينطلق من الخاص إلى العام، حيث تبدو أشعاره تجسيداً للوجدان الجماعي، من خلال رؤية تشمل الوجود كله. وهذا ما يعكس تجربته الثرية بكل معطياتها وأبعادها، ويعبر عن موقفه من الكون والوجود، وإدراكه جملة من الحقائق التي ظل يبحث عنها في أثناء رحلته الطويلة في هذه الحياة , ومن خلال جملة من الوسائل التعبيرية أو الفنية التي تبنتها القصيدة الحديثة من صور شعرية ولغة وإيقاع وأساليب..وسننتقي عدد من النصوص ونحللها (دون أي تجاهلٍ لباقي النصوص , ودراستها والتقاط ما يثري) , ومن ثم سنقوم بمحاولة إعادة التركيب وبالاعتماد على مانمتلك من فهم وأدوات نقدية متوفرة..

-قصيدة (شجر الغربة), تتحدث عن فقد المكان(الوطن), ولِأَنّ (( لغة العلاقات المكانية التي تتحدد هنا بالوطن المنفى تعد وسيلة من وسائل وصف الواقع,كما تكشف في الوقت نفسه على المستوى الفوق نصي , أي على مستوى النمذجة الأيديولوجية الصرف, عن رؤيا العالم لدى قطاع مهم من المثقفين العضويين بمفهوم كرامشي))(4), فرسم الوطن البعيد في لوحة الأحلام وبهاجس يخترق المديات , وبريشة الروح تمتلك إحساسها المرهف ومشاعرها الجياشة والجسد المؤطر بالأذى توسد المنافي, ((ياسرب أحلام المنافي/رغبة في أنْ تطير/وبلامصير/وكأن هاجسها/ اختراق المدى...الخ))/(ص14 ), ((فالشمس أسدلت الستائر /سوى نافذة كانت له /وطناً /أحلاماً / قصائد لن يحمر خجلاً اذا ما/ أمسكته حروفها هو غربة الروح....الخ)) /(ص15), هنا تصريح مع سبق الإقرار بــ(الغربة) وهذا الغرض الشعري يقودنا للاستدلال على إنَّ الشاعر انتمى إلى "تجربة سؤال الذات"..وسنبرهن لاحقاً على ذلك ومن خلال عوامل ومؤشرات أخرى بصدق فرضيتنا, وهنا وضمن الإيقاع الداخلي نجد( توازي تركيبي) وأيضًا تكرار جمل ((ويساعد التكرار المتناظر على بروز الإيقاع النغمي من الجملة الشعرية  ويوظف الجرس الصوتي للحروف المتكررة))(5), (( أيها  البحر المريب ماالذي أغرقت مني؟ = أيها البحرالمريب ماالذي أبقيت مني))/(ص17), والنص بمجمله يتعلق بالوحدة ,الوحشة , المنفى والغربة , وضمن ( المعجم اللغوي ) فأن كل تلك المسميات أورثته التوجع وجاءت امتداداً لبيئة قاسية احتوت طفولته, ((طفولته/ التي لطالما استوت /على كفّيه في الظلمات /فراشة تضيء/ له حزنه البعيد/ خلف آلاف المنافي))/ (ص16) , واستخدام مفردة "البحرالمريب " تقودنا إلى الاستدلال ووفق المعجم اللغوي إلى الأعماق المخيفة والموحشة للوحدة التي أغرقته باعماقها فاستقر في قرارها وليُعبّر عن" الغربة" , كما أنَّ لون الزرقة (في التشكيل اللون الأزرق ينتمي إلى  الألوان الباردة ), يوحي لنا ببرود المشاعر للمحيط والعزلة والنأي بالذات المعذبة الى حيث الوحدة والاختلاء بالنفس والركون إلى الشعر كــ(ملاذ) كما جاء في المقطع أعلاه.

-وفي قصيدة  (سيمفونية الجنون )يحاول الشاعر إفراغ الحزن القديم الجاثم فوق صدره   والذي شبهه بــ "الديناصور النائم" / (ص57) , يأخذنا إلى الأعماق ((تواريخ , مدن, قصائد لم تكتب / تموت بصمت,وتغادر أسطرها/ هل أرثي صوتي/أم اخرج للشارع أشهر سيفي/ أضرب أعناق الليل/أضرب عنقي/ أمسح وجهي بدم الزهر....الخ)) /(ص77 ), وهنا حين يُدرك إنَّ الإنسانية فقدت مقومات المعاني السامية وإنَّ الظلمَ هو من يسود (فقد الذات) و الذي ساهم به على حد السواء (الذاتي والموضوعي ) وعلى قدم المساواة لكليهما, حيث تموت  القيم النبيلة والمشاعر, ((من يمنحني الساعة غصناً/ برجاً, صومعةً , جبلاً/اطلق منها/آخر أغنية مجنونة))/ص78 , وحيث الأحاسيس التي أصابها الخذلان بسبب وجود هذه القوة القسرية المهيمنة التي منعت حتى صرخة الــ"آه" من التعبير عن حالة الوجع.

- أما قصيدة شجرة آدم, ومن خلال المعجم اللغوي يَتَكشَّفُ لنا استخدام الشاعر الرمز " شجرة آدم" , كــ(دال)  على مكان الحدث, ((حيث التقيا/نهرا دم وماء/تكشف عن سرتها / الأرض/ تعلو غابات النخلِ )) /(ص-7 ) ,المدلول (مدينة البصرة _القرنه ),ويستمر الشاعر ووفق "النمط السردي" باستخدام الأفعال المضارعة والماضية وأفعال الحركة (المضارعة لوضع المتلقي في خضم الاحداث , وأما الماضية, فأنَّها تُعبّر بشكل مطلق عن الحنين والحسرة , وعلى ماآلت إليه الأمور, والإفصاح عن المشاعر الدفينة) , ويستخدم الشاعر  ضمير المخاطب  وظروف الزمان والمكان بكثرة وكذلك الروابط كحروف العطف والتي هي من سمات "النمط السردي"..

 وكان حظ للــ"النمط الامري" ((ابسط كفيك بوسع حقولك/ينهمر الماء))/(ص_11) ,أما طغيان "الأسلوب الخبري للجمل" (فلقد عبَّر عن حالة الثبات النفسي لدى الشاعر) ولقد هيمن على متن النص  وإن قد ترافق في مقاطع "أسلوب الجمل الإنشائية "(التي أفصحت عن حالات التوتر والقلق) التي انتابت الشاعرفي بعض الأحيان في هدأته ,  إذًا هي شجرة آدم التي تغلق على فروعها النذور (في أوقات الكوارث), والثارات ((من أزمنة تجتاحكِ كالطوفان/وتعلق فوق فروعكِ آلاف القمصان/تستصرخ ثأراً/ أو تطلب نذراً أعيته السنوات)) /(ص_8 ) هنا تم نوظيف الرمز كدالة .

-قصيدة يونس جسدت((الغربة القاتلة))/ص79 والنص بمجمله عبّر عن مضمون جديد يلتصق بدواخل الإنسان وأعماقه (الاغتراب ) وانفتح على التجربة الإنسانية بشكل عام , إضافة إلى أنّه تعبير الشاعر عن التجربة الذاتية ,ورفضه لكل ما صار إليه,واعتمد لغة وجدانية وصفت التجربة وهذه الخصائص هي من سمات (خطاب سؤال الذات) إضافة إلى النزوح لعالم الطبيعة واعتبارها عالماً بديلاً عن عالم الناس , وباستخدامه البساطة في التعبير وصدق الشعور,والمعجم اللغوي هنا في هذه القصيدة حمل (تناص) مع الموروث النوراني المقدس (القران), وحيث يوحي العنوان الى الظلمات الثلاث (ظلمة الليل,وظلمة البحر,وظلمة بطن الحوت) وبما يقابلها(المجتمع,الذات, الفقد) .

-في قصيدة ((شجر الغياب..شجر الحضور))/(ص22)"ثنائية المفقود والفاقد"تفردا كحقلين دلاليين مهيمنين بكل وضوح, (الشاعر والآخر الذي غيَّبه الموت), ((ياايها الشجر الملفع بالجنون))/(ص23) وباستخدام الأسلوب الانشائي للجمل والتي تدل على حالة الاضطراب والقلق والتوتر النفسي , والحالة هذه تحدث بعد فقد عزيز, وبنفس الأسلوب الإنشائي ((المرافئ أطفأت أنوارها/فما بال المراكب.../هل تؤوب/ أم إنَّ أسراب اليمام إلى غد/ شدّت جناح الريح, قلصت المسافات/ البعيدة))/(ص23)"اعتقاد بتوقف الحياة بعد الفقد , ويتساءل الشاعر هل ستعود الأمور  إلى سياقاتها ويستمر إيقاع الحياة وبأقل الخسارات لاسترداد عافية الوعي ,أو أنه سيرحل عن هذا العالم إلى عالم آخر يعتقد لقاء العزيز المفقود فيه", كما يلاحظ استخدام الشاعر أدوات الترقيم  وذلك بوضع ثلاثة نقاط بعد كلمة المراكب ,ليقحم المتلقي في خضم الحدث ويمنحه فرصة المشاركة , وأيضاً كلمة( اليمام) ودلالتها في المعجم اللغوي وهي دالة على حالة (الحزن) التي تعتريها في( الفقد) للحرية او للرفقة, وما يصدر منها من أصوات (النوائح) , والمعروف حين يشتد حزن (اليمام ) ينفق سريعاً(لايطيق الوجع) , ولم يستخدم كلمة (الحمام ) الذي يتأقلم مع حالات الفقد ,هذا ينم عن فطنة الشاعر باستخدامه للمعجم اللغوي بمهارة واتقان ودراية.

-قصيدة (( شجرة الرفيف))/(ص25) " الحقول الدلالية المهيمنة, الأول  (الذات الشاعرة) والحقل الثاني (هي),وبالرجوع الى المعجم اللغوي (وتشعين في ماليس فيك, الغيوم, قلق, مغادرة أنت, مسكين من يفقد, نعيش رفيف طفولتنا ,أوجاع العمر الماضي, وأنا أنوء برمل الكربلاءات , لِمَ نسيتني, عينيك ارتحال الأماني, الغياب الطويل ,يافراشتي الساكنة...الخ),  ندرك حالة الحنين للماضي,والأحاسيس المرهقة , مع استخدام لبعض التفعيلات ..كما وظَّف الموروث الشعبي والتقاليد في صوره الشعرية ,مما منح النص قيمة فنية مضافة وعمق في فضاءات المخيال  ((أم أشعتل كعود بخورٍ/أسرج فوق الكرب شموع يدي))/(ص27)",وأيضًا استخدم تناص معنوي مع قصيدة أنشودة المطر,وحالة تعبيرية عن الفقد" للتكثيف في لغته الوصفية وإشارة واضحة  إلى "خطاب سؤال الذات " ((وتستفيق من التراب/تلويحة الأرض البعيدة))/ (ص30)".

إنَّ الإنسان المعاصر فقد كثيراً من المثل العليا، والقيم الخلقية، فقد قيم الرحمة والعطف والمحبة، وسيطرت عليه ثقافة القتل والقسوة والعنف والاضطهاد والتغييب، ففي نصه الموسوم بـ(لن أغادر), تشي عنونته بالكثير من الدلالات، ومن أهم هذه الدلالات "قميص يوسف" ذاك الإنسان الطيب كان ضحية حسد وبغض وكراهية أخوته "أبناء جلدته " الذين ملأ الحقد قلبهم، فأقدموا على "تغييبه" كما ورد في الرواية القرآنية المعروفة.

مرحلة التحليل:

(أولاً)الحقول الدلالية: وتضمنت (الذات الشاعرة , الفقد ,المرأة ,

المدينة  والطبيعة بتشكلاتها المتعددة) , أما  الحقول المهيمنة في النصوص فهي ثنائية "الشاعر/ الفقد" , وبالنسبة لطبيعة المعجم اللغوي المرتبط بها وعلاقته بالمضمون  فمن يتأمل قصائد الديوان (شجر الغربة – شجر المدى- شجر الغياب ..شجر الحضور- شجر الرفيف-امرأة من مغول- اجتياح-المغادرة.. وأشياؤها الصغيرة- عيناك وباريس- سؤال - ضياع ـ سيمفونية الجنون – شجرة يونس-شجرة كربلاء – شجرة بيروت –حزن طائش ) ومروراً بالقصائد القصيرة في وسط المجموعة ، يجد أن بنية "الفقد"  وما يتولد عنها من خوف وحزن ورعب وارتحال كان لها حضور واضح في الديوان وارتبطت بمجموعة من المفردات المتكررة في النصوص والتي شكلتْ المعجم اللغوي للشاعر (البحر,الموج,الزوال, السماء , الصحراء, اشتعال,شجرة, صباح ,ليل,مطر, المرافئ, ) , وشكَّل "الفقد" بصوره ورموزه "مهيمناً بؤرياً " في نسيج مجموعته الشعرية واتَّسع ديوان "شجر الأنبياء" لعدد من التيمات، وكان له أثر بالغ في نفسية الشاعر، جمع ثمراته المرة من واقعه المعيش، ليقدمه لقرائه على بساط نسجه من نبضه وحسه المرهف ومشاعره الصادقة، وشاعريته الجميلة، وكانت مغموسة بكل حواسه وأحاسيسه في أجواء( الفقد والرحيل والغربة) ، المصرِّحة بعشقه للحبيبة أو للوطن ، والتصاقه بقضايا الإنسان وهمومه، وقد تجلت بنية "الفقد " في مجموعته الشعرية في تشكلاتٍ ثلاث هي( فقد الوطن ،فقد الأحبة، وفقد الإنسان داخل الإنسان), ولما كان الفقد هو محور التجربة ، فإن صوره ودواله هيمنت على الديوان هيمنة تامة وتراءت للقارئ في تجلياتها المختلفة..تكررت مفردة "البحر" بكثرة , وفي إطار دلالي خاص، تتلون صورته بمعان وإيحاءات رمزية تختلف من موضع إلى آخر في نصوص المجموعة ، قد يرمز عند الشاعر إلى الوحدة، ووسيلة دفاع عن الذات يتوسلها الشاعر لضمان حمايتها ، وربما يرمز للسكينة التي تتمتع بها نفسية الشاعر رغم حالات الانكسار والخسارات ، أو يرمز إلى الرحيل والفراق والغربة والمنفى والعزلة بين الجدران الباردة، فيكون بذلك منسجماً مع بنية (الفقد ) التي تهيمن على قصائد الديوان ..وكذلك كلمة "المرافأ " في إطار دلالي خاص، تتلون صورتها بمعان وإيحاءات رمزية تختلف من موضع إلى آخر في نصوص المجموعة ، فالمرفأ  قد يرمز عند الشاعر إلى محطة لقاء المحبين وغاية تحقيق الأماني ومحطة للألفة والحميمية، أووسيلة توثيق للعلاقة بين الأحبة، وربما ترمز للحلم الضائع، أو ترمز إلى الرحيل والفراق والغربة والمنفى،و يعد ذلك منسجماً مع بنية "الفقد والترحال"  التي تهيمن على قصائد الديوان ,كما أنَّ معجم الشاعر اللغوي حمله إلى  تناص مع الموروث النوراني المقدس (القران)كـــ ((قميص يوسف/لن يعود مع القوافل/ مزّقوه حمامة بيضاء/ذبحوه/داسوا عليه/ بوحل خيلهم/ وعادوا/لبئر غيرتهم رموه...الخ)) / (ص97) ,و هنا تجسيد لحالة "فقد الذات للذات" من خلال التعبير عن مااقترفه الإنسان بحق أخيه الإنسان وتجرده عن كلِّ معنى للقيم الإنسانية , ولايفوتنا أن نذكر العنوان الذي اختاره الشاعر لمجموعته الشعرية " شجر الانبياء" مركب إضافي يحيل ركنه الأول إلى مجال دلالي هو( شجر)، وتدل صيغة الجمع على المجاز، وهي تفيد التنوع والشمول والتعدد، ويكتسب دال (الشجر) دلالات خاصة: كالحياة  والثمر والعطاء من عدمه ,أي بمعنى أدق (الخلق) ، ويصطبغ دال (الأنبياء) بصبغةً أكثر خصوصية؛ لارتباطه على نحو ما بالواقع الروحاني ( العلاقة مابين الأرض والسماء) , ولو دققنا في العنونة الغلافية لوجدنا أنّه قد أضيف (شجر )إلى (الانبياء) ليشكل المركب الإضافي صـورة مجازيـة، وإن كانت الإضافة تمزح بيـن الدلاليتيـن (شجر ــ الأنبياء )، ليجمعا بين المادي والروحي معاً، كما أنَّ الوقوف أمام عنوان الديوان بتشكيله المجازى، ودلالاته الموحية مروراً بقصائده المتعددة، والعنوان بوصفه المفتاح الذهبي للدخول إلى عالم الديوان  ، يهيئ المتلقيَ لاستقبال عالم الديوان وشفرة التشكل فيه، ويجذبه بدلالاته الموحية إلى عالمه الرحب، ويجعله يدلف إلى تلك الشفرة المتمثلة في ثنائية (الشاعر/ الفقد)، وتظل العلاقة الجدلية بين الدال والمدلول في حالة تشابك دائب في كلِّ نصوص المجموعة, حيث الانتماء والاعتقاد والإيمان وبذلك أدَّت العنونة وظيفتها بشكل واضح    ( لإنّ العتبةَ الغلافية لكل ديوان تحمل لنا شفرة مهمة للدخول في المتن ولتفرعاته المتبرعمة ,ولأنها في الأعمال الشعرية كافة تُعتبر نصاً محيطاً بالمتن الكلي), فكانت مؤشراً على الرؤيا الخاصة بالكينونة المرتبطة بجوهر النفس , ومن ثم تقودنا إلى الخيط الأول للاستدلال على نوع التجربة التي انتمت لها المجموعة إضافة إلى الخيوط الأخرى

 (ثانياً)الصور الشعرية: الصورة الشعرية تركيب لغوي لتصوير معنى عقلي عاطفي متخيَّل لعلاقة بين شيئين يمكن تصويرهما بأساليب عدة (مشابهة , تجسيد , تشخيص) أو ربما التجريد , ويمكن للصور أن تكون (حسية أو تجريدية ذهنية ) وكما هو معلوم أنَّ الصورة الشعرية هي أحد أهم المفاتيح المهمة لفهم  التجربة الشعرية والوصول إلى المغزى الكامن وراء النصوص الشعرية ويعد توظيف عنصر التشخيص والتجسيد واستخدام الانزياح  لتشكيل صوره وتجسيد تجربته ,واكتنزت القصائد بصورها المجازية التي تعتمد أساسا على المجاز والاستعارة، الكناية , والتشبيه و الانزياح الدلالي (الاستبدالي) , وقد ترافق مع الانزياح التركيبي الذي يتصل بالسلسلة السياقية الخطية للإشارات اللغوية عندما تخرج على قواعد النظم والتركيب (الاختلاف في ترتيب الكلمات ) أي التقديم والتأخير , مثل تقديم الجار والمجرور على الفعل  لإفادة النص, وممكن أن يشكل الانزياح الإيقاعي(الذي ذكرناه آنفًا في المقدمة ) حضورًا كعنصر من عناصرالصور الشعرية (ضمن القصائد النثرية)... يرى جون كوهين أنَّ الشرط الأساسي والضروري لحدوث الشاعرية هو حصول الانزياح و باعتباره خرقاً للنظام اللغوي المعتاد وممارسة استيطيقية , وأما ريفاتير فيرى الانزياح  هو خرقاً للقواعد حيناً ولجوءًا إلى ماندر حيناً آخر , ففي الحالة الأولى هم من مشمولات علم البلاغة , فيقتضي اذًا تغيمًا بالاعتماد على أحكام معيارية , أما في صورته الثانية  فالبحث فيه من مقتضيات اللسانيات عامة ,والإسلوبية ,  ومن عناصر الصور البيانية (الموروثة والمستحدثة ) التي اعتمدها شاعرنا بكثرة :((النهر أتعبه اليباب))/(ص28)  استعارة مكنية (صرَّح بالمشبه وحذف المشبه به),((نسمات ترقص غنجاً /بليالي الصيف تهب))/(ص104) استعارة تصريحية (صرَّح بالمشبه به وحذف المشبه) , ((أمسح قلب الأطفال بهدأة عينيك))/(ص105) استعارة تصريحية, ((بيروت روح البحر/قلادته الملأى بجواهره /الزرقاء))/(ص103)تشبيه مؤكد (حذفت أداة التشبيه), ((وتزدهر أواني المعبد بالزيت والعسل)) كناية , ((ويدا عشتار كنوز)) / (ص99)كناية , ((شعرك أخفى كل جياد التتر))/(ص31) استعارة مكنية , كطلقة طائشة/وبلا سبب/يخترق الروح الحزن))/ (ص109) "تشبيه"مفصل ,  ((تلقي بنفسك كالملسوع / بكورة نحل ))/(ص110) "تشبيه", كأنَّما نبوءة أوحت لها))/(ص96)"تشبيه",  ((خارجين إلى البيوت كأسراب العصافير))/ ص91) تشبيه , ((لكأنما عطش الرمال/أفاعيها أصطخبت/ موجاً من الرمال))(ص87)" تشبيه",*((ياسيدة نجاة الجبل))(ص105) كناية, ((أنير مرافئه الثكلى))(ص 105)  تشبيه مؤكد *((شجرة كربلاء))/(ص86)"كناية نسبية", الدال :كربلاء ومأساة شهداء الطف, والمدلول:انتصارالدم على السيف", ((ياسيوف خذيني))/ (ص88) "كناية موصوف", (( وأنا أنوء برمل الكربلاءات )) (ص28)""كناية", وعلى الرغم من توظيفه الأسطورة،الذي جاء في صورة إشارية سريعة، بوصفه جزءًا من صورة تشبيهية، فإن هذا التوظيف ورد منسجماً مع بقية الصور الفنية في المقطع، متماهياً مع رؤية الشاعر الإنسانية والمعنى الكامن وراء النصوص والذي يُريد الشاعر إبانته للتأثير في الذات المتلقية. ((عشتار ستبكي تموز )) /(ص101) "أسطورة", ((تموج برحم البحر ملايين الكلمات ))/(ص13) "انزياح دلالي ", ((بضع ساعات من الجمر))/(ص 26)"انزياح دلالي", ((تكسر الشمس مشط شعرها))/(ص34)"انزياح دلالي", ((أغلقت نوافذ روحي))/(ص60)"انزياح دلالي", (( في زاوية النصف الأول من تاريخ البدء ترقص))/(ص70)" انزياح تركيبي" ,وكذلك كان لبعض المحسنات البديعية حظوظها في الحضور , وأنَّ اكتظَّاظ النصوص بالمكونات البلاغية والتي  تراوحت مابين التقليدية والموروثة (تشبيه , استعارة, كناية, مجاز ,رمز , أسطورة , وانزياح) , وأدت وظيفة "جمالية تعبيرية نفسية " والتي عبَّرت بشكل دقيق عن الحالة النفسية للشاعر, وهذه من مؤشرات انتماء النصوص إلى "خطاب سؤال الذات" , والتي من خلالها كشفنا  نفسية الشاعر وعن وجدانيته وعما اعتمل في دواخله من مشاعر وأحاسيس ,  وفي بعض النصوص أدت وظيفة "تأثيرية و إيحائية"(إيحائية تعبيرية وتخضع للتأويل ولايُنفى عنها الجمالية),  والتي هي من سمات "خطاب تكسير البنية وتجديد الرؤيا",كما استفزت المتلقي وسعت بكل الوسائط والأسلوبية إلى التأثير فيه واستمالته وإثارة انتباهه للمعاني المطروقة  في النصوص, كما إنَّ مكونات الصورالشعرية  الداخلية والتي تمثلت بـــــ (اللغة , العاطفة, والخيال ) استطاعت أن تمسك بتلابيب المتلقي كــــ(لغة) وتقحمه بمستوياتها المتعددة, و باستخدام أساليب متلازمة مع السرد السحري المماثل للأعمال الكيميائية والإشارات الضمنية الصوفية غير المباشرة, مع رسالة تقول :إنَّ هناك مزيجاً من الصور الشعرية شكلت مجازاً كـــ "حجر الفلاسفة" الذي يحول (العنصر –القاعدة) إلى حجر ثمين بطريقة معينة , واعتمد الشاعر على  الصورة في تشكيله وبتقنية تراسل الحواس ؛ لتوحي بمرارة الواقع وشدة المعاناة وقسوتها، وتجسد مشاعر الشاعر وتعمق أحاسيسه, ولم يلجأ إلى الإبهام والغموض الذين يجعلان القصيدة الشعرية طلسماً ولغزاً لا يمكن فكه أو الوصول إليه ولو بآليات سيميائية بالغة في الدقة والتفكيك والتأويل و التشريح ,كما استعان شاعرنا بالمحسنات المعنوية وذلك عن طريق إيراد المعنى بطرق مختلفة .

وبالنسبة لـ(العاطفة) فان النصوص التي تصف مشاعر الفقد والرجاء والتفجّع والبكاء ورثاء الذات، والتي تصوّر لوعة الحب ومواجعه كداء لا شفاء منه إلا بالصبر، يجعلها أقرب وجدانيّا إلى الخطاب الشعري في التعبير عن الفجيعة والرثاء في الشعر...

-وأما (الخيال) فلاشك فلقد تجلى بــ(المشهدية) التي تعتبرحجر زاوية في بناء النص الشعري من جهة، وتشكيل المعجم اللغوي الشعري من جهة أخرى  وتُعد من أهم سمات النص الحديث، إذ ترتكز على خلق مشهد كامل بجميع تفاصيله الدقيقة, ولايفوتنا ان نذكر استخدام الشاعر للــــ"الخيال الاسترجاعي" (باستعمال صور استقاها من ذاكرته وقدمها بحلة بهية جديدة), وأيضًا "الخيال التوليدي" (والذي أظهر من خلاله براعة المتمكن ,من خلال الاعتماد على صور مبتكرة  مولّدة جديدة) , وأما المكونات الداخلية للصور الشعرية أدت وظائفًا  تراوحت بين "الجمالية التعبيرية النفسية" وبين "الجمالية التأثيرية والإيحائية" (كما ذكرنا سابقًا) , مما اقحمتنا في تماس مع "خطاب تكسير البنية وتجديد الرؤيا "إضافة إلى "خطاب سؤال الذات" .ولايفوتنا أن نذكر أن ((الخيال جوهري فردي يدرك الوقائع ويتحكم بها في رؤية تنسجم وفضاء النص وعلى وفق الصورة التي يراها الشاعر))(6).

(ثالثًا)الإيقاع :امتازت نصوص المجموعة  بالخروج عن الإيقاع الخارجي " التقليدي" وهذا مؤشر على خروج النص من فكرة الانتماء الى "تجربة احياء النموذج",  وأنما اعتمد كلياً على الإيقاع الداخلي "الحديث" 

و تضمن تكرار الكلمات وتكرار الحروف (التكرار الصوتي) وتكرار الجمل , وترافق هذا التكرار مع التوازي التركيبي ((من عينيك =في عينيك))/(ص31)", وتوازٍ دلالي قائم الترادف اوعلى التضاد أوعلى التناسب , مثل((صخب الموج = هدير الريح))/(ص104), وضمن الإيقاع الداخلي نلاحظ هنا استخدام التوازي التركيبي, ((العجلات= السنوات =السرقات / صحراء = دماء / الفقراء=الصحراء=الأعداء / عليك =كفيك= فرعيك /طوفان= اغصان/وضعوا= نزعوا)), وأيضاً توازٍ تركيبي للجمل ((عند غروب الشمس= عند نزول الشمس))/ (ص106) , ((ظلت تحوم =وبلاوجوم))/(ص23)" توازي تركيبي", والمحسنات البديعية كان لها حضور , وأيضاً  وجود تفعيلات في بعض المقاطع .. وربما الإحساس المرهف والإرث التراكمي من القراءات الخاصة بالشاعر للشعراء الأقدمين والمعاصرين , والحس الموسيقي العالي له ذهب بعيدًا فاستقى تلك الإيقاعات ووظفها بشكل متقن  , ((تلك التي  ماعافها جدارها= مستفعلن, مستفعلن مستفعلن))/ (ص94) , ((إنَّا هنا في أرضه  نحفهُ حفاً= مستفعلن مستفعلن مفاعلن فعْلن )), ((بالرحمة بالعطر والبخور = فعْلن فَعِلن فاعلن فعولُ )) /(ص94) ,وفي (ص34)", فشكلت لمسة جمالية مُضافة , وأما وظيفة الإيقاع بشكل عام , هي الكشف عن الحالة النفسية للشاعر ,ولقد ولَّد الإيقاع الداخلي في النصوص  بنية إيقاعية وموسيقية لتكشف لنا عن حالة  الشاعر النفسية ومعاناته الوجدانية.

 (رابعًا)الأساليب :و شملت استخدام  الجمل الخبرية والإنشائية (وبالتوازي مع بعضها), الضمائر, الأفعال المضارعة (التي وضعت المتلقي في خضم الحدث والاستمرارية)  والماضية (عبَّرتْ حالة الحنين للماضي,والأحاسيس المرهقة) ,الأسماء كرمز دلالي..ومن الجدير أن نذكر قول آخر لجون كوهين : "الأسلوب هو كل ماليس شائعاً ولا عادياً , ولا مصوغاً في قوالب مستهلكة , هو مجاوزة القياس إلى المستوى العادي, فهو إذن خطأ مُراد"... وهيمنت الجمل الفعلية مع اقتران بعض الأفعال  بالضمائر , وفي حالات أخرى توازت الجمل الإنشائية وبالتناوب في بعض النصوص..(ووظيفة أسلوب الجمل الخبرية تُعلمنا حالة الثبات اما الانشائية فتعبرعن حالة القلق والتوتر لدى الشاعر ), كما لمسنا حالات تضاءلت المسافة بين الداخل والخارج وقصرت بين الدال والمدلول حين نحى الشاعر إلى أن تكون نصوصه الشعرية بوحاً ً, وهذا لم يمنع تضاعف المسافة بينهما حين حوّل مفازات البوح لخيوط شعرية تنعرج وتنحرف وتقلب المواقع والتبادل بينها, ومن حيث التركيب اللغوي , قدَّم الشاعر شبه جملة الجار والمجرور , أوتقديم  الخبر على المبتدأ ( في كثير من المقاطع ) على الفعل الذي تعلقت به " بؤرة الفكرة" ويدخل هذا التقديم في باب تقديم اللفظ على عامله، وما له من دلالة بلاغية تختلف حسب السياق، و يمكننا حملها على محمل الضيق أو التضجر الشديد من هو مقصود بتأثير الواو العاطفة، بين شبه جملتي الجار والمجرور .ولقد جاءت الصيغ التعبيرية في النصوص منسجمة مع البؤرة أو المغزى الذي يريد الشاعر البوح به، لذا توسَّل تقنية التكرار التركيبي لبعض العبارات في مقاطع لنصوص متعددة في المجموعة (وكما في قصيدة ثلج / ص-60)" بين القلب = وبين القلب " وربما تحولت إلى لازمة لغوية عملت على زيادة إحكام النسج، وتماسك النص، ووحدة الدلالة؛ كما أدت دورها في ترسيخ المعنى، وإشباع النص بدلالة تعميق قيمة الحالة ، علاوة على وظيفتها الإيقاعية والإنشادية وكانت للأساليب وظيفة التعبير عن حالة الشاعر والافصاح عن معاناته.

* الخاتمة:

ولتقويم النصوص من حيث مساهمتها في الإفصاح عن التجربة الخاصة بها من بين التجارب الثلاثة (سؤال الذات, إحياء النموذج , وتكسير البنية ), ولغرض الوقوف على أنَّ تمثيل النصوص للخطاب الذي تنتمي إليه وبشكل دقيق ,لابد لنا أن ندرك بأن الشاعر أراد أن يضعنا في خضم خصوصيته التعبيرية من خلال انفتاح حيوي على الحياة الاجتماعية, مع لمسةٍ من الحزن واليأس أحياناً و تأملاته الفلسفية .. وربما لانجد في النصوص شعارات الرضا عن النفس أو تحليل  الذات لمعرفة الدوافع والأسباب وهو مايتميز به الادب العربي عموماً بدءًا من بعد هزيمة 1967 أوما نتج عنها من تداعيات مروراً بـ(الفوضى الخلاقة), والإتكسارات واحتلال العراق ووصولاً إلى مايسمى بالربيع العربي (جزافاً) بل هو (الوباء العربي او الضياع العربي), أو حتى وبنظرة تشاؤمية من لدن البعض  (الهلاك العربي) , وما رافق ذلك من ظهور حركات التشدد والتطرف وما رافقها من انتهاكات إنسانية  و مآسي..و بدل ذلك نجد لدى الشاعر , حالة من الصفاء والهدوء والرغبة في مواجهة قضايا عميقة تتعلق بالوجود , وذات الانسان كمحور مركزي .. و" الفقد" وبما يؤطر من حالة معاناة للأدباءِ , فأنه أصبح هاجسهم المقلق وطالما أثقل عليهم بالتوتر والوجع ليصير بعد ذلك  تجربة معيشية.. وحالة بحث عن جوهر الوجود ,وشاعرنا ككل الأدباءالعراقيين الذين مروا بتجربة الرعب المباشر للــ( فقد) وفي خضم ذلك الجحيم , كانوا يبحثون عن نقاط تفتح طريقهم  للاتصال مع مصادر الوجود الإنساني ..وهذا البحث في اللاوعي للوجود الرمزي يظهر جلياً في أغلب نصوص المجموعة , و عبّر الشاعر عنها بأسلوب واقعي جداً ورمزي في آنٍ واحد..وربما قد نقلنا إلى عالمه الخاص جداً , فراح يسرد سيرته الذاتية , و هكذا ديدن الإنسانية عندما تصاب بحالة الفقد..ولمعرفة مدى تمثيلية النصوص للخطاب الذي انتمت إليه, فان  تعبير الشاعر عن تجربته الذاتية بلغة وجدانية مع رفض التقليد واعتماده البساطة في التعبير وصدق الشعور, ونزوحه الى الطبيعة (ولجوءه اليها باستخدام صورها المتعددة للتعبير) , وتحرره من الالتزام بالقافية الواحدة والإيقاع الموحد , وهنا لابد لنا ان نستذكر أنّهُ ((لاتختلف أراء أدونيس عن أراء يوسف الخال كثيرًا فهو أيضًا يصر على وجود الإيقاع في قصيدة النثر , ويرى إنَّ الإيقاع عنصر مهم من عناصر التمييز بين الشعر والنثر حيث يقول: من الخطأ ان نتصور ان الشعر يمكن  أَن يستغني عن الإيقاع والتناغم ,كذلك من الخطأ القول بأنهما يشكلان الشعر كله))(7),(( الشعر لايحدد بالعروض وهو أشمل منه , بل أنَّ العروض ليس إلا طريقة من طرائق التعبير الشعري ,هي طريقة النظم))(8) ,إذًا , كلّ هذه الخصائص والأخرى التي سبق ذكرها , ولّدت لدينا القناعة التامة أنَّ انتماء المجموعة إلى (خطاب سؤال الذات) ,وأما عن مساهمة تجربته الشعرية في إغناء المشهد الشعري وتطوير الشعر (وحسب رأيي الشخصي) , ومقارنة تجربته مع من سبقه من الشعراء ينتمون إلى نفس الاتجاه أو اتجاهات أخرى , فأقول ومن خلال معرفتي بفطنته وفضاءاته المعرفية الشاسعة , أنهُ استطاع أن يؤطر نصوصه  بألوان من الصور الشعرية المكتنزة بدلالات متعددة، ومعان متوالدة، والتي عرف كيف يقتنصها بدقة متناهية, ولم ينغمس في الغموض ، وبذلك شكَّل لوحات فنية جميلة رغم حالة الحزن التي تمفصلت بين حروفه , والتي رغم ذلك, ما استطاعت أن تحجب عنا ألوانها النضاحة  في الصورة الشعرية وبالتالي ليمنح النصوص العمق الدلالي المثري والمعرفي وحالة ربط بين المتخيل والمعيش , والأسطورة هنا في المجموعة شكَّلت ظاهرة , كما أنها تعتبر سمة مهمة في الشعر الحديث , وهذا ما فعله السياب بادراكه أهميتها ولحقهُ ادونيس وامل دنقل  وغيرهم, واتكئت الصياغة الشعرية للشاعر في بعض المقاطع  على رسم مشهد شعري يقوم أساساً على الانزياح الذي تبدو علاقاته في الذات الشاعرة علاقة جدلية, وقد تجلي هذا الانزياح في المفردات التي استغنت عن دلالاتها المألوفة ونهضت عنصراً جديداً هو انزياح التراكيب عن دلالاتها التقليدية لتأخذ معنى جديداً, ولايفوتنا أن نذكر أنّ الاتجاه  للنصوص ينتمي للقصيدة الرومانسية وليس للقصيدة الاحيائية لأنها اعتمدت الذات والطبيعة , والمعاناة والالم كعناصر أساسية في المضمون ,وبودي الإشارة إلى ظاهرة الغموض في التعبير يأتي من الغموض في التفكير, هذا هو رأي معظم  إنْ لم يكن كلَّ  الكتّاب والشعراء,ومن الأجدر أن ينزل الشاعر  بشعره إلى المستوى الذي يصلح فيه ليكون جزءا مما يتردد على ألسنة الناس في الشارع , ولطرح إشكالية جديدة لابد لي أن أقول , أن لا سبيل أمام الإنسان المعاصر للخروج من أزماته ومعاناته إلا بالتمسك بالحب كقيمة إنسانية جوهرية، فالحب لا يستطيع أن يحيا في جو محاصر، والحب وسيلة لإعادة اكتشاف العلاقات بين بني البشر، و هذا تأكيد على أن تجارب الشاعرسعد ياسين يوسف الشّعرية تعكس وعياً حقيقياً بهموم الإنسان المعاصر ومشكلاته.

الهوامش :

(1) الحداثة في الشعر المعاصر, د.محمد حمود/ص179.

(2) مقدمة الطبعة الأولى من " القصائد", مقالات ايرلندية  /ص286 .

(3) اضاءة النص , اعتدال عثمان /ص189 .

(4) إضاءة النص , اعتدال عثمان /ص28.

(5) اضاءة النص , اعتدال عثمان /ص179 .

(6) تجليات النص, مسارات تاملية في سؤال الذات /ماجد الحسن /ص24.

 (7)الحداثة في الشعر المعاصر, د.محمد حمود/ص190

 (8) الحداثة في الشعر المعاصر, د.محمد حمود/ص191.

 

**انتهى**

 

2020-12-18