الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'الوسط اليوم' يحاور الكاتب والمُحلّل السّياسيّ فراس ياغي

حوار خاصّ أجراه جميل حامد

 " الوسط اليوم " وبغيرته الوطنيّة والثّقافيّة، ما زال وبهمّة عالية يعمل في الشّقيْن دون كلل، ويدأب أن يكون فاعلًا ومساهمًا في الحراك الإعلاميّ والثّقافيّ على حدّ سواء، من أجل رفع كفّة الميزان الإيجابيّة، رغم كلّ الظروف والأجواء القاسية، خاصّة في فترة الكورونا، وهذا  التّخبّط والارتطام الّذي يعاني منه الوطن بشكل خاصّ والعالم أجمع بشكل عامّ. لقد ألقت الكورونا بظلالها وبخيوطها المتشابكة اللّامرئية على الإنسان، فأربكته، واحتلّته، واستباحته نفسيًّا ومادّيًّا وصحّيًّا، ورقد البشر تحت رحمتها  منزوع الثّقة مسلوب الإرادة، في كلّ المجالات الحياتيّة الأخرى، لا حول له ولا قوّة.  ولأنّ الحوار مرآة النفس والإنسان والمجتمع، جعلناه مشروعنا القادم، وعلى قدم وساق سنتناول شرائح متعدّدة الهويّات والبلاد في مرايا ملوّنة، محدّبة ومقعّرة  تعكس الواقع والحياة، وحوارنا لهذا الأسبوع مع الكاتب والمُحلّل السّياسيّ الفلسطينيّ الأستاذ فراس ياغي.

*الوسط اليوم: كيف ترصد لنا المشهد الثّقافيّ خلال عام كورونا ...؟

*ياغي: المشهد الثّقافيّ حزين، يعكس الحال الّذي وصل له المجتمع الفلسطينيّ، في ظلّ الأزمات المتلاحقة الّتي تلازمه، ومن كافّة النّواحي السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والّتي عكست نفسها بشكل كبير على المشهد الثّقافيّ، وحين جاء كورونا أصبحت الثّقافة غائبة، وبدأ مجمل الحديث يتمحور حول تأثير كورونا على الواقع الاقتصاديّ المترافق مع أزمات سياسيّة، كنتيجة لمواقف إدارة الرّئيس الأمريكيّ المهزوم ترامب، وقد حاول الكثير من الكتّاب والمؤسّسات الّتي تُعنى بالثّقافة أن تحافظ على الحد الأدنى، من خلال بعض النّشاطات، عبر منظومة وسائل التّواصل الاجتماعيّ، ولكنّه كان محدود الأثر والمشاركة، وقد كان لموقع "الوسط" الثّقافيّ والإعلامي دور رائد في ذلك، وفي عام كورونا غابت معارض الكتب والنّدوات الثّقافيّة المتعدّدة، والنّشاطات والأمسيات الفنّيّة والشّعريّة، ممّا أدّى لمنحى خطّيّ تنازليّ في الواقع الثّقافيّ في المجتمع الفلسطينيّ، والّذي يعاني في الوضع الطّبيعيّ من عدم اهتمام حقيقيّ في قطاع الثّقافة، رغم كلّ محاولات النّشطاء لخلق نشاطات وآليّات تدفع باتّجاه رفع المستوى الثّقافيّ للمجتمع.

إن عام 2020 هو عام الأزمات في كافّة النّواحي، خاصّة الصّحّيّة والاقتصاديّة، ولكنّه أيضًا عام تراجع المشهد الثّقافيّ لما دون الحدود الدّنيا.

*الوسط اليوم: ما هي قراءتكم للمرحلة القادمة، في ظلّ فوز الحزب الدّيمقراطيّ الأمريكيّ وانزياح ترامب عن الحكم ؟

*ياغي: في المرحلة القادمة، إذا لم يقم الرّئيس الأمريكيّ المهزوم "ترامب" فيما تبقّى له بعمل جنونيّ، وبالذّات في منطقة غرب آسيا، سيكون أكثر هدوءًا وأكثر سكونًا، من حيث العودة للسّياسة التّقليديّة لواشنطن بما يتعلق بكافّة الملفات، خاصّة الصّحّيّة والمناخية والاتّفاقات الدّوليّة، وهذا سيشمل منطقتنا بالعودة للاتّفاق النّوويّ مع "إيران" بطريقة أو بأخرى، وبالعمل نحو تجديد المفاوضات بين الجانبيْن الفلسطينيّ والإسرائيليّ، وعلى أساس مبدأ الدّولتين المتآكل واقعيّا، ولكنّه المُحبّذ دوليًّا ولدى إدارة الرّئيس "بايدن".

ستكون هناك انفراجة في كافّة المجالات، ولكنّها محدودة الأثر، لأنّ الواقع الدّاخليّ الأمريكيّ سيفرض نفسه بقوة على سياسة واشنطن، خاصّة مع أزمة "كوفيد-19" وحالات الإصابة والموت، وما رافقها وسيرافقها من إجراءات أثّرت وستؤثّر وأثرت بقوّة على أعظم اقتصاد عالميّ، ومن جهة ثانية، سيكون هناك تركيز لمواجهة "الصّين" و"روسيا"، ومحاولة الحد من نفوذهما الّذي يتطوّر يومًا بعد يوم.

واشنطن ستعود لسياساتها التّقليديّة مع حلفائها في أوروبا، وبالذّات في حلف الناتو، وتركيزها سينصبّ على مواجهة تعاظم الصّين اقتصاديّا وتكنولوجيًّا.

*الوسط اليوم: كيف تنظر لمستقبل القضيّة الفلسطينيّة في ظلّ الهرولة العربيّة تجاه التّطبيع مع إسرائيل ؟

*ياغي: لا شكّ أنّ القضيّة الفلسطينيّة في تراجع، وهذا ليس بسبب تطبيع بعض الدّول العربيّة مع إسرائيل في تجاوز للمبادرة العربيّة للسّلام، والّتي اشترطت التّطبيع بإحلال السّلام عبر إقامة دولة فلسطينيّة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشّريف، وحقّ متّفق عليه لقضيّة اللّاجئين، تراجع الواقع الفلسطينيّ ناتج عن الانقسام الّذي مزّق الوطن الفلسطينيّ المنشود، وجعل من الصّراع الدّاخليّ على سلم الأولويّات بدل من الوحدة ومواجهة الاحتلال، إضافة إلى استمرار السّياسات التّقليديّة للقيادة الفلسطينيّة في التّعامل مع ما يجري بردّات فعل ودون خطة واضحة المعالم والأهداف، فالاستمرار في التقيّد باتّفاق "أوسلو" دون أن يقابله الجانب الإسرائيليّ بنفس الالتزامات، أدّى لتآكل هذه الاتّفاقية، والّتي أصبحت العائق المباشر الّذي أدّى للضعف والتّراجع الّذي تعاني منه القضيّة الفلسطينيّة.

مع ذلك، فالشّعب الفلسطينيّ ورغم كلّ ما يجري حوله، حدّد خياراته، ولن يتراجع في صموده وبقائه فوق أرضه، ومستمرّ في كفاحه حتّى تحقيق غايته في التّحرّر والاستقلال والعودة، وكل التّطبيع القائم لن يؤخر أو يقدم بما يتعلق بطموحات الشّعب الفلسطينيّ، صحيح أنّ العمق الرّسميّ العربيّ يعتقد أنّ التّطبيع لن يؤثر على موقفه من حقوق الشّعب الفلسطينيّ، وينادي بمفهوم الدّولتين والمفاوضات، وأنه سيستغل علاقاته بالجانب الإسرائيليّ لمحاولة الضغط للعودة للمفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيليّة، لكن الواقع المُسْتَشرف يشير إلى أنّ هذا التّطبيع سيزيد من غرور القوّة لدى دولة الاحتلال، وسيدفعها أكثر نحو رفض كلّ الحلول السّلميّة المطروحة، فالقضيّة الفلسطينيّة ستبقى مستقبلا، وكما كانت عنوانًا لكل الأمة العربيّة ولأحرار العالم، لأنّ فلسطين لها شعب لا يستكين ولا يستسلم، وسيبقى يقاوم الاحتلال وفق إمكانيّاته وقدراته.

*الوسط اليوم: ما أوجه القوة لدى الشّعب الفلسطينيّ حاليا وما هي نقاط ضعفه ؟

*ياغي: قوة الشّعب الفلسطينيّ تكمن في تمسّكه بحقوقه وصموده على أرضه، ورفضه لكل المغريات الهادفة للنيل منه، وبالذّات ما سمّي بـ "الازدهار الاقتصاديّ"، قوّته تكمن في ضعفه أمام أعتى قوّة عسكريّة في منطقتنا، ومدعومة من أعتى دول العالم الغربيّ، قوّته في رفضه للاحتلال، وفي استعداده للتّضحية في سبيل وطنه وفي سبيل القدس ومقدساته الإسلاميّة والمسيحيّة، أمّا نقاط ضعفه فتتمثّل في الانقسام الّذي أساء لكلّ نضالات الشّعب الفلسطينيّ وتضحياته ولا يزال، فعدم الوحدة بين كافّة مكوّناته والانقلاب الّذي حدث في غزة عام 2007، أدّى لواقع جديد، وفتح ثغرات كبيرة للنيل منه، ولولا أنّ هناك شعب حسم خياراته في التمسّك بحقوقه الوطنيّة، ومستعدّ لدفع استحقاقات ذلك دون تردّد، لأصبح مصير الشّعب الفلسطينيّ كما حدث لِـ "الهنود الحمر" في الأمريكيّتيْن.

إنّ استمرار الانقسام واستمرار الانفصال السّياسيّ بين غزة والضّفة سيعمّق نقاط الضّعف، وسيدفع باتّجاه تكثيف المؤامرات على الشّعب الفلسطينيّ ومحاولة خلق كيان في "غزة"، والتهام الضفة بالاستيطان والضّمّ، كبديل عن مفهوم الدّولتيْن المطروح دوليًّا وعربيّا وفلسطينيّا.

أيضًا غياب مؤسّسات منظمة التّحرير، وعدم تجديد الشّرعيّات عبر صناديق الاقتراع، وتراجع الحرّيّات، وغياب المؤسّسة التّشريعيّة وتغوّل السّلطة التّنفيذيّة على القضاء واستمرار الفساد، كلّ ذلك نقاط ضعف يعاني منها الشّعب الفلسطينيّ وحركته الوطنيّة.

*الوسط اليوم: هل تعتقد أنّ اتّجاه المثقفين نحو السوشال ميديا والإعلام الرّقميّ قادر على النّهوض بالمسيرة الثّقافيّة، خاصّة وأنّ كورونا فرضت أيضًا حجرًا ثقافيّا على معظم الأصعدة؟

*ياغي: السوشيال ميديا والإعلام الرّقميّ بديل مؤقّت بسبب واقع مجتمع "كورونا"، وهي جاءت نتيجة لذلك، رغم أنّها كانت تُستخدم قبله، هي مهمّة جدًّا، ومستقبلًا ستكون لها القوّة والدّور في النّهوض الثّقافيّ، لكنّها ليست البديل الأفضل عن اللّقاءات المباشرة، والنّدوات والنّشاطات الثّقافيّة المتعدّدة، ومع ذلك استطاع المثقفون وعبر هذه الأدوات مواجهة الحجر "الكوفيدي"، والّذي فرض نفسه على كافّة نواحي الحياة، وليس فقط على المشهد الثّقافيّ.

أعنقد أنّنا مقبلين مستقبلًا على أن تكون السوشيال ميديا والإعلام الرّقميّ الوسيلة الأساسيّة، للتقدم والنّهوض ثقافيّا وفي كافّة المجالات، فالذكاء الصّناعيّ والعقليّ هو المستقبل، لذلك علينا أن نحضر أنفسنا، ونقوم بعمل بُنية تحتيّة قادرة على استيعاب ذلك، فتجربة مجتمع "كورونا" هي للاستدلال والتحضير لما هو قادم مستقبلًا، ومع كلّ ذلك، سيبقى للكتاب والنّشاط المباشر رونقه الّذي لا غنى عنه، وسيبقى ذلك مرافقًا لهذه الوسائل.

*الوسط اليوم: كيف ترصد حالة القراءة في المجتمع الفلسطينيّ بشكل عام، وعلى الأجيال الجديدة بشكل خاصّ، خاصّة وأنّ معظم دور النّشر تُحذّر من انخفاض مستوى القراءة وتداول الكتب والإصدارات ؟

*ياغي: حالة صعبة جدًّا وهي في الإنعاش، ونحن بحاجة لثورة ثقافيّة تبدأ من خلال المدارس، لحَثِّ التلاميذ على القراءة، وتوضيح أهمّيّة ذلك، وخلق نشاطات تدفع بشكل قويّ نحو القراءة، ونحن بحاجة للإعلام للقيام بحملات توعويّة لهذا المجال، إضافة إلى مؤسّسات فاعلة وناشطة وقادرة على اختراق أفقيّ للمجتمع وليس نُخبويّ. الواقع فيه تجهيل مقصود، وأيّ مُجتمع لا يقرأ أفراده، ولا يتابع الإصدارات والمؤلفات والكتب، هو مجتمع جاهل وذاهب نحو التخلف، فلا يمكن إحداث تقدّم وتطوّر دون العلم والثّقافة، وفي واقعنا الفلسطينيّ، دون الثّقافة كعنوان أوّل للمواجهة مع الاحتلال لا يمكن التخلص منه، فالثّقافة وتجسيد الرواية الوطنيّة والتاريخيّة الفلسطينيّة عبر قراءتها، وممارسة نشاطات ثقافيّة تتعلق بها، لن يكون الشّعب قادرًا على الدّفاع عن حقوقه الوطنية المشروعة، أمام محاولات خلق روايات صهيونيّة وتزوير الوقائع التاريخيّة، للنّيل من الحقيقة الفلسطينيّة.

الثّقافة تصقل العقل وتُجذره، وتجعله قادرًا على استيعاب ومواجهة ما يجري حوله، ودونها سيكون هناك تجهيل وسيطرة، وفي النهاية ذوبان في رواية غير روايتنا. 

2020-12-20