الأحد 9/12/1445 هـ الموافق 16/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الثعابين لا تقبل الهزيمة ...بدوي الدقادوسي

  تباين المطر منذ أمس بين هتان و وابل ، خلا الشارع إلا مني ؛ فنحن في نهاية الشهر ومن يمتهنون إعطاء الدروس في البيوت يعلمون أنه لا مجال لإلغاء الحصص .

استحث السير لأصل إلى غرفتي في طرف المدينة ، بيد مرتعشة أدرت المفتاح بالباب ، العقرب الكبير يحتضن الصغير رقودا فوق رقم يشير لمنتصف الليل .

كيف خرجت دون أن أتأكد من إغلاق النافذة ؟

أصلحت خطئي بإحكام إغلاقها ، أشعلت المدفأة، تناولت شيئا يتشاغل به الجوع عني، ألقيت بجسدي على الفراش .

أحكمت الغطاء فوقي، فتحت حافظة نقودي كي أطمئن على غلتي، رتبتها حسب فئتها، أعلقتها برضا، قفزت من فوق الفراش ، يد تقصي الغطاء وأخرى تنزع السروال، دقات قلبي أسمع أصداءها بالغرفة، رأيت رأسه الصغيرة وفمه الكبير وعينه الضيقة تطل من السروال المتكوم بأرض الغرفة ، بيد يقودها الهلع أمسكت بالمقشة هويت بها على رأسه، فالتصقت بالأرض، عاجلته قبل أن يعيد رفعها، حاول ثانية، فهويت بالثالثة والرابعة، أرسلت العصا نحوه محملة بأطنان من حذر، عادت بالخبر اليقين ، ألقيت بها، تتراقص فرائصي كطفل نجا بقفزة سريعة من أمام سيارة طائشة فظل يتبعها بعينية وهو يتحسس جسده غير مصدق، ارتكنت برأسي للحائط ممدا قدما شبه ميته، أتأمل هذا الملعون؛ أول مرة التقيت به لم أكن أكملت الرابعة من عمري، ما إن شمر أبي وعمي وأخي الأكبر عن سواعدهم رافعين مناجلهم لحصاد الأرز حتى غامت السماء، لم يثنهم هطول المطر وملابسهم الخفيفة عن عزمهم ، يسراهم تقبض على الأعواد ويمناهم تعمل المناجل مستأصلة، ألهو على بعد مترين أمامهم مستمتعا بضحكات السنابل قبل أن يطيح المنجل برقابها، عثرت على حراشفه اقتربت مندهشا، ظللت أقلبها يمنة ويسره، فركتها بين كفي، نفخت جزيئياتها في الهواء ، رمقني أخي صارخا : ماذا فعلت أيها المغفل ؟

إنه يراقبك من بعيد و سيأتيك ليلا وأنت نائم ويمشي على رقبتك، تسرب الرعب إلى كلي، شهور أنام وحواسي مستيقظة . أشرقت الشمس بعد ليلة ممطرة ، صعدت أمي لسطح المنزل، تبعتها، افترشت أعواد القش التي جفت وافترشت أنا فخذها وعلى يدها صينية تفرز حبات الأرز من الشوائب، ألقت بالصينية في فزع، على بعد مترين يرفع رأسه، احتضنتني وهي تشير إليه : " لا تؤذينا ولا نؤذيك ... رووح؛ الله يسهل عليك " كررتها ثلاث، وكأنه متسمر؛ رأسه فم واسع تخرج منها حربة سوداء يدخلها ويخرجها مثل رام يحرك حربته للخلف وللأمام استعدادا لإصابة هدف .

لم يعد وقت للتفاوض، انسحبت وهي تضمني لصدرها، تمترست خلف صومعة القمح رافعة قبقابها، شجعه الانسحاب على التقدم، صارت رأسه محاذية أول الصومعة، عاجلته بضربة قبقاب خاطفة أتبعتها بضربات دجاجة يهاجم فراخها معتد، فتمدد جثة مهشم الرأس .

لم يقف ثوبي المبلل عاما كاملا حأئلا بيني وبين حضن أمي، قال أخي : الثعابين لا تعرف الهزيمة سيعود ليمشي على رقبتك وأنت نائم .

كبرت وكبر معي خوفي، زجاج الشبابيك المحطم حول الفصل لثلاجة، ما إن دق جرس الفسحة حتى هرعت لفناء المدرسة؛ ألتمس دفئا راوغت الشمس الغيوم وألقته؛ فهرعت لأتلقفه وأنا أراقب الطالبات يهرعن لابتياع أكياس البطاطس المحمرة، تتبختر عرابتهن نحوي فتبعها سرب، تحلقن حولي يطلقن عبارات المعاكسة المازحة مدت العرابة يدها بكيسها بإصرار أن ألتقط حبة، مددت يدي فظلت تتراجع بيدها ببطء حتى صار ملاصقا صدرها فلامست يدي جسدها من خلف جدار الكيس، فضحكت وتعالت ضحكات الفتيات الماكرة، رفعت عيني، اصطدمت برأسه الصغير وفمه الكبير، شعرت بلفح الشرر المتطاير من عينيه الضيقتين .

منهمك بالتوقيع أمام اسمي بكشف الرواتب لأتسلم أول راتب، التفت؛ فإذا بالعامل يناولني ورقة استدعاء من الإخصائية الاجتماعية، لم يكن بالغرفة سواها، همست بأذني : "إن ما حدث بالفسحة مع الطالبات أمر يجب ألا يتكرر؛ أنت معلم جيد؛ فلا تسقط في هذه التفاهات " على بعد مترين يقف، ينظر نحوي بعينين ضيقتين وفم واسع وأسنان سوداء ورأس صغيرة، أين لي بقبقاب أمي ؟

خلت غرفة الدرس إلا مني ومنها، لم نكن بحاجة ليكون الشيطان ثالثنا؛ منحتها ما تريد لتمنحني قبقابا أجهز به عليه، كتبت بيدها رسالة ملتهبة، دستها بدفتر تحضير الأستاذ مخلوف في ذلك اليوم الذي سيأتيه الموجه زائرا، على بعد مترين من باب غرفة المعلمين حيث يجري التحقيق وقفت، رمقني بحدقة متسعة وفم صغير ورأس كبيرة . بعد سفري للخليج أصبح بيننا حدود وبحار، فهل حقا الثعابين لا تعرف الهزيمة؟!

منهمك بالتوقيع أمام اسمي بكشف الرواتب لأتسلم أول راتب بالعملة الصعبة، التفت لأجد العامل يناولني ورقة استدعاء من المدير . " أنت معلم جيد؛ أرجو أن تكون هذه المرة الأخيرة؛ فتقصيرك في المناوبة كاد أن يتسبب في كارثة " على بعد مترين من الباب اصطدمت عيني برأسه الصغير وفمه الواسع وعينه الضيقة، أنى لغريب بقبقاب أمه في هذه البلاد البعيدة ؟ اليوم آخر موعد لتسليم الاختبارات النهائية، جهاز حاسوب واحد، ينتهي المعلم من كتابة أسئلته ليبدأ آخر، دوري بعده، يكتب متململا من ضغط البول على مثانته، يتحامل حتى ينتهي، ما إن انتهى حتى هرع للحمام ناسيا " الفلاشة " في الجهاز، تلفت حولي، سحبت نسخة على " فلاشتي " انسللت بعيدا، ليلة اختباره كانت نسخة من الاختبار هدية من مجهول لكل طلاب المدرسة . على بعد مترين أقف أمام غرفة باب المدير، رمقني بعين واسعة وفم ضيق ورأس كبيرة .

هل حقا الثعابين لا تقبل الهزيمة ؟

استعدت توازني ، هدأت نفسي، قدمي دبت فيها الحياة تأملته ممددا أمامي بأرض الغرفة، أخذت أقلبه بطرف المقشة، رفعته عليها قربته مني كثيرا حتى صار على بعد شبرين، تأملت عينيه الشاخصتين وفمه الضيق؛ هل هذا مخلوف تخفى في ثعبان، أم أن الثعبان الذي لا يعرف الهزيمة تخفى في جسد مخلوف ؟

فتحت" كاميرا الجوال لألتقط معه " سيلفي " قبل أن أطوح به خارج غرفتي، رفعت الجوال باليمنى وحملته اليسرى ليصير رأسه محاذيا رأسي ، رسمت ابتسامة على وجهي ضغطت ملتقطا الصورة في نشوة ، فتحت ملف الصور كبرت الصورة تأملتها ..... يا إلهي ........ مستحيل .

2021-01-06