الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'حلم على ناصية الحنين'...نجوى كنانة وهيب

  مهنة الكاتب ليست سواراً من ذَهب " ..

وقد لا يكون قلمُه  ..قلادةً من فضّة .

لكنه  يملك قلباً يسافرُ على قدمين إلى غير وُجهةٍ ..

يهيمُ على وَجهِهِ ...ملقياً بروحه في عرضِ البحر ،

غير آبهٍ ببوصلة او حتى شهادة تأمين ...أو حتى  تذكرة رجوع . فيسلكُ أقصرَ الطرقِ نحو الشّقاءِ الكامل ..

وبكامل سعادةٍ ،  خالعاً عن صدرهِ  طوقَ النجاة .

رغم خوفي الشديد منه ومن الظلام الذي يسكنهُ وحكايا الوحوشِ المتعطّشةِ  للدّماء .. المتربّصةِ والرابضةِ في قعره ،

إلا أنه طالما كان كأسُ إلهامي والقاعُ الذي أهوى إنتشال المحارَ من عتمةِ كهوفه  . فَكلّي قناعةٌ وإيمان  بأن الأدبَ الخالي  من الأدب الجاهلي .. هو بحرٌ ميّت .

.. لستُ أدعي البطولةَ والفروسية  ..فأنا أعترف وبكلّ شجاعةٍ ،  بأنّني أرتعدُ خوفاً  حين يداهمُني بأمواجه العاتية وبراثنه المزمجرة ، لكنّي وفي كل مرّة ..أزداد رغبةً بأن أكون بحّارةً  ، ( لكن على طريقتي )  ..فأشتهي  وبشدّة معاينةَ الموتِ في خِضّمِ موجهِ الصّاخب ..وطالما عدتُ مُشتّتةَ الرّوحِ  ، وطالما عادت الأوراق جافّةَ الملامح ،  والحروف مُتكسّرة ،  ولا تزال الأحلام  على قيدِ بَلل .

...لم يكن جدّي  بحّارا منذ زمنٍ مضى ولا أذكر  أبي كذلك . لكني إبنةُ البحرِ  ، وحِبري  ماؤُه المالح ..وملامِحي  الحنطيّة

أصدافُه ،  وَقلمي ..  صخورُه الصامدة والعنيدة

تعلّم أن يعشقَ العواصفَ ،  وأن يتقنَ  مهارةَ الصراعِ مع الوحوش  ..وأن يجولَ ويصولَ في ميادينِ الحياة ،

وأن يكون بحّارا  .. لا مجرد زائرٍ في ميناء .

فأن تكون بحّارا ..

لا تعني بأن تملكَ شِباكَ صيدٍ متينة  ..تُلقيها مُتعمِّدا ...

 طامعاً  في شريحةٍ  كبيرة ، ولا أن تكون هاوياً يجلس القرفصاء  فوق صخرةٍ ،   يَعدُّ ساعات المَلل ..

 ممسكاً بكسلٍ  صنارةً  ،  تنتظرُ قدومَ سمكةً صغيرة شقيّة ربّما كانت عابرةُ سبيلٍ ، وربما يتيمةٌ  تُركت  على قارعةِ الطريق .. قد نال منها التعب ، وأضاعتها خطى المسار .

بل قلباً يدوسُ  بقدميه فوق رمالٍ حارقة  ، تمتدُّ على طولِ شاطيء ..قد إجتمعت ذرّاتُها  ..آتيةً  من كلّ أفق عربي .

فتعانقتْ مُبتهلةً إلى خالِقها  ، تتلو صلاةَ الوِحدةِ ،

وتردّدُ ترانيمَ  الأمل ..  وتُقبّل جبينَ الوطن .

ثم يغمسُها في مياهِ البحر المالحة ..فتلمسُ جراحَه الماضية  ،  وندباتِه  المتراكمة ، والتي لم تلتئم بعد  .

فيشعر برعشةٍ ، ينشقُ  فيها رائحةَ الأَرزِ ،  والبُنِّ ،

 والقمح والنخيل ،  والَصفصاف .

فتخشعُ الشمس خجلاً ،   وقد تذرفُ دمعةً أخيرةً  من عيونِها الناعسةِ ..ثم تلقي بوشاحِها فوق معبدِهِ  .

...طالما وقفتُ أنا على  اليابسةِ ،  وطالما أقامَ البحرُ هناك .

فأدركتُ بعد طولِ  إنتظارٍ   ،  لم تُحدّد  نقطةُ  البدايةِ فيه  .. ولم يرسم  خطوطَ  النهايةِ بعد  ، بأن المفرداتِ

لم يعد بوسعِها أن تحملَ أعباءَ تلك الأحلامِ المبلّلة ،

المحملّةِ بالمعاني ،  والغارقةِ بالأماني ..

فإخترتُ التوضّأَ  في بحرِ الجنونِ ..

وآثرتُ الصلاةَ ..  في هيكلِ الصمت .

فإمّا أن يأتيني هو ..

وإمّا ...أن أرحلَ أنا إليه !

 

" صلاة على شاطيء الحلم "

" حلم على ناصية الحنين "  

   نجوى

 

2021-01-11