الثلاثاء 12/6/1442 هـ الموافق 26/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مآلات اللا اعتياد في أدب د. راوية بربارة .....بقلم: د. لبنى حديد

ها هي الكاتبة، مفتّشة اللغة، نراها في عنوان كتابها الجديد: "لا أريدُ أن أعتادَ عليكَ" تتنازل عن علامة الترقيم "الفاصلة"، لطالما وجّهت وأكّدت ضرورة استخدامها في التعبير الكتابيّ، لكن هنا، وفي هذا السياق، لا مكان لها، هنا تحذف الفاصلة لتقلب المعنى.  فبدل أن تعلن وهي متردّدة متأتئة: لا، أريدُ أن أعتادَ عليك! أعلنتها جريئة واثقة منتزعة الفاصلة إلى غير رجعة: لا أريدُ أن أعتادَ عليك. لتشكّل مجموعتها القصصيّة الحديثة حزمة من الوعي ودعوة لعدم الرضوخ تبدأ بمجرد الاعتياد على استخدام أداة النفي "لا".                                                                                                                                                                                                    اللا ليست مجرّد أداة نفي، إنّها أداة للثورة وأداة للنهوض من تحت ركام الظلم والمعاناة، أداة تحوّل الاعتياد إلى لا اعتياد. وحسب الفلسفة الوجوديّة للفيلسوف الفرنسيّ "ألبير كامو" اللا اعتياد أو تقويض المألوف، هو الرفض المتماهي مع فلسفة التمرّد، والتعارض مع البديهيّات والرؤى التقليديّة التي تتمثّل بممارسات وسلوكيّات بشعة في المجتمع ولا تؤدّي إلّا إلى وهن القوى.

اللا اعتياد مهمّة صعبة تتطلّب نقدًا لممارسات طاغية وقضايا مركزيّة يجب البتّ فيها وحلّها من الجذور، بل التمرّد الوجوديّ عليها كخطوة لصنع عالم يسير في منحى مستقبليّ وحركيّة دائبة نحو الانسجام والتجدّد. هكذا تطلب راوية حياة إنسانيّة أفضل دون أن تفقد هويّتها أو تمحو ماضيها بل أن تختار منه ما يثري حياتها لا ما ينغصها أو يزيدها ضيقًا فتقف "على المفرق" حيث تصهل الأحلام غير منتظرة حصانًا أبيض ولا ليموزينا بيضاء، هناك تأبى الاعتياد على الزمن الأوّل، بل تنتقي بحذق ما يثير استحسانها ورضاها، فالتجانس لم يعد هو المألوف حتى لو أثار الاستهجان والظنون وسيظلّ اللا اعتياد يصمّم لوحاتها الفنّية وسيبقى ذاك الأخضر وحي لوحاتها القادمة يعشّش في داخلها مثل فاكهة الكيوي.

ويصدمنا اللا اعتياد بمفهومه النسويّ في قصّة "كذبة بيضاء" ليكشف عن واقع سياسيّ واجتماعيّ وصراع أليم يستصرخ الحاجة الملحّة لتغيير الواقع؛ فقد اعتادت الابنة بسرعة كلّ شيء إلّا ابن عمّتها لم تعتده ولم تستلطفه أصلًا... لتحرّك وعيًا باضطهاد النساء واستغلالهن من قبل العائلة والمجتمع.

ويُشكّل اللا اعتياد في قصّة "لا عزاء للرجال" مرساة توجّه المجتمع نحو التنازل عن الجاهليّة وعدم التردّد من صدّ الانتهاكات وقول الحقّ، بل قوله بصوت عالٍ لأنّ لا حياء في الحقّ، علّ الحياة تعود لمن تنادي.

لكن هل فقط اليوم تأتي راوية في كتابها الجديد لتقول لا أريد ان أعتاد على ما يعيق تحقيق أحلامي وآمالي؟ هل فقط اليوم جاءت لتؤكّد من خلال جديدها أنّها لا تريد الاعتياد لئلا يذبل الورد؟ أو لئلا يكون الصمت ردّه والانسحاب مهنتها؟ إنّ من يقرأ ما نشرت الكاتبة د. راوية بربارة منذ سنوات يعيش حالة اللا اعتياد هذه، ويشعر وكأنّ راوية كانت تمهّد وتلمّح للا اعتياد هذا، فنرصد موتيف اللا اعتياد في قصص شتّى يصول ويجول ويدعو لرفض واقع لا بدّ أن يكون لنشله من القعر وخلاصه من القهر.

ففي كتاب "من مشيئة جسد" الذي أصدرته عام 2008 استهلّته بقصّة شارع الأنبياء فيها تسخر من عروبة تعتاد أن تبقى في حقيبة الانتظار، وكأنّ ما حدث مع مأمون وسامي في شارع الأنبياء دعوة للصحو من سكرة اعتادت أن تُبقي عروبتها في حقيبة الانتظار، فتحثّها أن تسأم من وجودها هناك...

وفي قصّة "سرير وسريرة" أثبتت راوية أنّ من يعتاد على الرتابة بحسب المفاهيم المخزنة في رطوبة المغاور تعتليه طحالب العفن. فالأبناء في هذه القصّة يعتادون على أب ليس بوالدهم لكنّهم يعتادونه كجسد أبويّ، ويعتادون إخوة قادمين من بطنٍ كانت قد حملتهم مرّة في جوفها... وهي المرأة الأرملة، في حين يصخبون ويضجّون، فإنّها تنطوي كلّما زارها الطيف... إذًا هي تنتفض ولا تألف هذا الاعتياد. إنّها تخاف إن اعتادت عليه أن تبتلي بفراق آخر لا تحتمله... والمفاجأة أنّ ظنّها تحوّل إلى كآبة حقيقيّة وابتلت فعلًا بفراق آخر وتندّمت لأنّها وثقت بالاعتياد واعتادت عليه.

فهل الأمر كذلك في قصة رحلة نضوج؟ فهو لا يكلّ ولا يملّ يجدّف ويجدّف محاولًا الابتعاد عن المنبع مقاومًا الأمواج والصخور والعقبات التي تعترض ترحاله باحثًا عن نفسه، عن كينونته وعن مصبّه الذاتيّ لكن المعركة أرهقته. فهل يسأم الرجل الاعتياد؟ نعم، ففي جيل الشباب أعتق نفسه من محبوبته ولم يعد عبدًا لاندفاعاته وصار يوجّه أشرعته أحيانًا باتّجاه الريح وأحيانًا بعكسها وما يلبث إلّا ويتعب من الموانئ... فبحث عن شريكة تتأقلم مع حجم ماضيه فيفشل، فيوجّه سفينته نحو فتاة تصغره بأعوام، لكنّه مرّة أخرى يرفع شعار اللا اعتياد فيملّ الرسو...

وما نتيجة الاعتياد سوى الألم؟ ففي قصّة "شرخ نازف في الروح" هناك الحبيبة التي اعتادت أن تذهب لملاقاة حبيبها خلف الجدار العازل فتسير بمحاذاته تبحث عن ثقب تطلّ منه بعينيها علّها تراه! وماذا جلب لها هذا الاعتياد؟ جلب لها شرخًا نازفًا في روحها المعزولة...

وبعد، ومن نفس الكتاب "من مشيئة جسد" قصّة "نوبة" نعثر على رجل عوّدته المدينة أن يعشقها وأن يهجرها لتسكنه أخرى وأخريات أمّا هو فلا يسكن إلّا سواها وعندما اعتراه الحنين وعاد إليها لم يجدها، بل وجدها مدينة متبرّجة، مدينة نكرة لا يعرف تضاريسها، فتخبو نوبة حنينه فيغادرها...

أمّا البطل باسل في قصّة "رجولة" فبعد أن حاور من حوله بمشكلته أخبروه باستخفاف أنّها حالة عادية في أيّامنا، ووشى له صاحبه همسًا بأنّ "الخوف محكّ الرجال"... هذا مصير الاعتياد التعامل باستخفاف والاستسلام للخوف، لكن الكاتبة لم تتركه لخوفه، ولا لحالة الاعتياد تلك. فكيف يخاف من الخوف ولا يمزّقه إربًا؟

ونجد في قصّة "أشواق واخزة" زوجة عوّدتها الأيّام حرمان زوجها، فهل عندما تعتاد حرمانها لن تنخزها الأشواق؟ وكيف تعتاد الوخز؟

إذًا صدقت راوية حين ناشدت اللا اعتياد فلا تريد شرخًا أو وخزًا، ولسان حالها يقول: كفى، لا أريد أن أعتاد عليك، سأبحث عن نفسي بمكان لا يسبّب الشروخ أو الوخز أو حتّى الندم.

ويتواصل اللا اعتياد عند راوية في روايتها الرائعة "على شواطئ الترحال" من إصدار عام 2015 ففيها حتّى الفستان الأسود عندما اعتادت بطلتها "سارة" على حياة ظلمَتْها لم ينسَب عليها كما اعتاد بل ضاق بها: ضاق على صدرها وقليلًا عند الورك. فكلّما اعتدنا على الظلم وعلى القهر والكبت ازددنا ضيقا بحياتنا وفقدنا بوصلة الحلّ وبقينا تحت ضربات الغدر.

وإبراهيم لم يعتد أن يقبل دعوة امرأة له على فنجان قهوة بل هو في كلّ مرّة مَن يدعو على المقهى، لم يعتد... لذلك هو الأقوى هو الرجل العربيّ الذي لا يسمح أن تدعوه امرأة إلى مقهى! أمّا هي فكانت نوبة حياتها أنّها اختارت أن تبقى مع إبراهيم وأن تعتاد على شؤونه وشجونه التي تصفعها وتؤلمها ولا حلّ بيديها...

تُرى هل اللا اعتياد رفيق الكاتبة د. راوية في كلّ شيء؟ هل تتشبّث به كيفما اتّفق؟ يخطئ من يظنّ ذلك فهي مغرمة بمهنة التدريس لا تستغني عن الاعتياد عليها، ويؤرقها دائمًا تحليل ما بين السطور وما وراءها أينما حلّت وكلّما كتبت. فنلمس تأثّرها بمهنة التدريس بشكل جليّ في كتابها الجديد 2020 لطالما عملت فيها بكلّ شغف ووفاء قبل توليها منصب التفتيش في وزارة التربية والتعليم، عدا عن أنّها مصابة بمتلازمة عشق اللغة العربيّة فتختار ألفاظ قصصها بسلاسة وأناقة لتشرح كلّ ظاهرة وتبحث عن معاني مفردات وأصول أسماء وأماكن في قصّة "ألملم ذكرياتي معك" لدرجة أنّها لا تترك طائر الفسفس إلّا وتنقّب عن جذوره وفصوله! كما يعجبها مَن يُثري معلوماتها ولو بقيراط واحد! كما أذهلها ذكاء المرشد في قصّة "يا يبوس".

كذلك يلازمها تفكيرها اللغويّ: فتحكم على سائق التاكسي في قصّة "سؤال في العاصمة" بأنّ قاموسه اللغويّ ضئيل في الإنجليزيّة لذلك يستصعب التعبير، ولا تساعده مفرداته القليلة على إرواء غليلها وتزويدها بالمعلومات. وتتخيّل كيف ستسامح المعلّمات إن اعتبرن "مِن" اسمًا موصولًا و"مَن" اسمًا مجرورًا في قصّة "بيت القصيد"! ولا تغيب عن ذاكرتها دفاتر التعبير الكتابيّ التي خُطّت في قصّة "أحلام الفقراء". وفي "اتركوه نائمًا" كانت تتحايل على الجذر (ح.ر.ب) لتمحوه من قاموس البشر! بينما في "المجتاح" تسافر مع القواميس في رحلة بحث عن جذر كلمتي يجوح واجتاح لتدخل في شبكة قل ولا تقل، وتنتقد ساخرة أسلوب المعلّمة في حصّة الدين وهي تعلّم المحفوظات. 

ومن جماليّات اللا اعتياد الأدبيّ أن تترك الكاتبة لقرّائها، قبيل قراءة كتابها وأثناء تأمّل الغلاف، حرّيّة قراءة عنوانه إذ يحتمل صيغة التأنيث: عليكِ أو صيغة التذكير عليكَ، وبناءً على الحركة التي يتّخذها يرسم القارئ سيناريو للفتاة الجميلة التي تتصدّر غلاف الكتاب: فهل هو من يقول لها: لا أريدُ أن أعتاد عليكِ! فتذهَل من مباغتته وتولي وجهها نحو الأفق وتدير ظهرها؟ أم تُرى هي من تقول له: لا أريد أن أعتاد عليكَ! وتسحب يدها من يده وتغادره دون تردّد؟ وبهذا تزيد الكاتبة من مشاركة القرّاء كمتدخّلين ومحلّلين ومعجبين بعنوان يتطلّب تأويلًا ويلعب دورًا هامًّا كنصّ مصغّر (micro- text) ، إلى جانب النصّ الأكبر، في عمليّة القراءة وتأويل دلالاتها.

تنتهي صفحات لا أريد أن أعتاد عليك! لكن لن تنتهي متاهة الاختيار؛ لا أريدُ أم أريد؟ أعتاد النفق أم أخرج منه لأرى النور؟ أغادر أم أبقى؟ لتختمها راوية بخاطرة عميقة بلغة محكيّة: "شو خايفة أخسرك وشو خايفة أبقى..." لتبحر بنا على شواطئ آخذة إيّانا نحو منارة الغناء الساحر"فيروز" وهي تشدو بإحساس خارق: إذا رجعت بجنْ... وإنْ تركتكْ بشقى... لا قدرانة فِل ولا قدرانة إبقى...".

ومن يعرف د. راوية ويتقرّب أكثر إليها يدرك أنّها تحبّ الاعتياد...لكن ليس أيّ اعتياد؛ اعتياد ما يشرح القلب والصدر والروح. فهي تعتاد نكهة قهوة الصباح ورائحة الهال ومعهما تعتاد الأمل وحبّ الحياة، لتثق أكثر بأنّ الأمنيات الحزينة لا بدّ أن تخضرّ على أبواب المدينة.

د. لبنى حديد- كفرياسيف

2021-01-26