الثلاثاء 4/7/1442 هـ الموافق 16/02/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
شهقة الموت السريريّ... د. عايدة نصرالله

شهقة الموت السريريّ

د. عايدة نصرالله

داخل الكأس سكنت عيون كبيرة، صغيرة، لحميّة، زرقاء، خضراء، عقيد وعميد، شاعر وزنديق، اختلطت الصور في مخيّلتي، ولم أكن أرى سواه، ذلك الرجل الذي حمل على رأسه غابة، وعلى جسده امتدّ بحر المدينة العتيقة، وفي عينيه سكن صقر. رجل وفّرته في زوادّة أحلامي، انتظرته قبل ولادتي.

كأس ثمّ كأس أخرى.

تلاحقت الكؤوس.

شيء ما تشوّش في ذلك المكان. ذلك المكان. الضاجّ بالعيون، الشاجي بموسيقى فقدت هويّتها وبالرقص الهمجيّ الذي طغى عليّ، دون أن أدري، تحت جنح "لحن" لم أفقهه.

  • أحتاج قهوة. قلت له.

نزلنا الدرج.

هناك، رأيت امرأة ممدّدة على رخام مطبخ غريب. عرفتها.

 فستاني كان يشبه فستانها،

 نزيفها، لهاثها، كلّ شيء فيها كان يشبهني.

 لكنّها لم تكن أنا.

امرأة أخرى تدلّى فوقها فم مفتوح.

الفم المفتوح، كان كبيرا جدًّا كمغارة، وبدا وكأنّه بلع الغرفة. فم فاغر...كان أشبه بفوّهة بركان يلهث زاعقًا حروفًا وكلمات متلاحقة، بعضها سمعته بوضوح وبعضها الآخر ابتلعه التيه. كلمات لم أكن قد سمعتها من قبل. ولولا تلك الكلمات لكدت أن أصدّق أنّني هي.

أحسّت المرأة أنّ جارزتها ترتفع، وبلا شعور مدّت يديها لتغطّي عرْيها، عندما سمعت خطوات عابرة تمرّ من أمامها.

بعد ذلك، مشت تلك المرأة مع الفم الفاغر إلى غرفة أخرى.

المرأة تحت الفم الفاغر. وهو الفم ما زال مستمرًّا في فحّ كلماته المتلاحقة كالطعنات، تنغرس في روحي.

- عاهرة، فاجرة، خائنة.

تلك الكلمات فقط هي من كانت تلطم أذني من شدّتها. تخيّلتها صورة  سرياليّة لامرأة وفم مفتوح.

 المرأة بدت كجثّة، جلدها يسمع، وعاجزة عن إتيان الأجوبة.

  • ترى بم يتّهمها؟ سألت نفسي.
  • بالكلام. جاء الصوت.

كانت كلماته تعضّني، وشعرت أنّ شيئًا ما قد أخذني إلى عالم من الخدر. ما الذي جرى فجأة؟

هل فقدت الإحساس بي؟

تلك المرأة الممدّدة على الرخام، كانت أشبه بجثّة هامدة معدّة للتشريح.

 وخلته يحمل سكّينًا ويقتطع شرائح لحمها.

حاولت التفوّه بكلمة، لكنّ لساني كان مشنوقًا.

  • من تلك المرأة؟

شعرت بجسدي قد سافر لعالم هيوليّ.

  • هل أخذتُ مشروبًا، أو وصفة سحريّة غريبة؟

القرط يضايقني، نزعته، ثمّ نزعت الجارزة، فحمّالات الصدريّة.. حتّى غادرتني روحي.

هجمت عليه دون حبّ ودون كره.

بحياديّة تامّة.

رأيت دموعه.

لم أحتمل.

- أحبّكِ

كادت الدموع تفرّ من عينيه.

فجأة،

 انسرب داخلي شعور الأمّ التي ودّت أن تمنح طفلها التهليلة الأخيرة.

سقطت عليّ دموع ساخنة،

 واتّكأ عليّ لهاثه الموجوع.

 وغمرني حليب الأرض حتّى الغرق.

 فمي كان مذعورًا،

وثديي حائر، راقه الدخول في الموت الناعم.

 أذني المصدومة كفّت عن الخجل،

وترنّح الفراش أمامي مبلّلًا بسكّين الماء.

*******

هو ذاته الرجل ذو الفم الفاغر.

اختلطت الصورة.

بعد ذلك الطقس الغرائبيّ.

أحسست نبض قلبه يسكنني.

لا، لم أحبّه هو.

كان رجل آخر قد وجد مسربًا داخل روحي.

الرجل الذي صرخت من تحته كان مستورًا وراء شبكة العين،

 برونزيّ الجسد،

مبعثر الشعر،

صقريّ العينين.

هو من أبحث عنه كلّ وقتي وزماني،

هو من يسكن نصوصي،

هناك في صحراء بعيدة

 أو على حافّة بحر هائج،

أو على فوّهة بركان،

المهمّ، أنّ هذا الرجل الذي فحّ فوقي لم يكن رَجلي.

ولهاثي الذي امتدّ إلى السماء كنجدة غريبة لم يكن له.

  • أحبّك. قال الرجل الآخر.

وأنا أسمع صداها من بعيد.

كان حلمًا كوّنته في مخيّلتي

لا. لا. يشبه ذلك الفم الفاغر.

أغمضت عينيّ

 كي لا أتذكّر تلك المرأة المُمدّدة على الرخام،

كي أبتعد عن كلمات الفم الفاغر.

حاولت التركيز في رَجلي الذي شكّلته بريشتي،

ذلك الغجريّ الذي جسّده شاطئ رمليّ.

وهناك حلّقت...

 لم أعد أشعر بكلمات الفم الفاغر.

عمرٌ من الوهج مرّ وأنا أنادي ذلك الحلم،

 وهذا يصيح بدوره متلذّذًا بعد أن نفض لوثات عقله.

  •  إذن، لماذا فعلت ذلك؟ قال قلبي:

ربّما هو تشويش.

ألِأجل ذلك التشويش استمرأت العذاب،

 أم للدفاع عن لحظة الكشف؟

ربّما بسبب وجعه.

  •  أنا مسكون بالحزن. قال.

قلت: سأرتقه.

  •  وهل رتقته؟ قال الصوت.
  •  لا، لم أرتق حزنه، بل فتحت جرحي.

أصابني برد على فجأة ومياهي سكنت.

وهو ارتعش بعينين بلّلتهما الهزيمة.

جرحي تغمّس بالدم تمامًا.

وددت غفوة رحمة.

تلك المرأة على رخام المطبخ كانت سيّدة الظلّ، سيدة الوجع،

 مغلولة اللسان،

 ذات عيون مبلّلة.

وكنت قد بلغت مرتبة الإشراق فأمطرت،

وكانت تلك امرأة أخرى دخلتني،

أو هي أنا التي دخلتني.

حوريّة منفيَّة كنت من الجنّة،

 فدخلتها بإرادتي؛

ولكن قبل أن أشعر بالرذاذ الأخير.

 كانت تلك المرأة.

 "بيجامتها" زرقاء "كبيجامتي".

وجعها كوجعي،

 قد استفاقت.

 فاستفقت لأراني،

 والصوت يملأ أذني.

- زانية.

- عاهرة.

انتهت مدّة إقامتي في ظلّها حيث رأيت في الصوت إشارة إلى ضرورة عودتي إلى موطني، فارتفعت إلى السماء وحلّقت في طريقي إلى المدى،

حيث رجل الصحراء...  البحر والغابات.

 

2021-02-16