الخميس 6/7/1442 هـ الموافق 18/02/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
وتبقى منطقة الشرق منطقة قلق إستراتيجى للولايات المتحدة.. دكتور ناجى صادق شراب

تبقى منطقة الشرق الأوسط بمفهومها الشامل الذى يصل الباكستان أحد أهم المناطق الإستراتيجية ليس فقط للولايات المتحده بل لكافة القوى الدولية الطامعة للتربع على قمة النظام الدولى، وللدول الإقليمية الصاعدة كإيران وتركيا وقبلها إسرائيل، ولا ننسى فكرة الشرق الأوسط الجديد التي تبناها شمعون بيريز.

والفرضية الأساسية التي تقوم عليها علاقة أمريكا بالشرق الأوسط تستند على أن المنطقة أحد متطلبات العالمية الأمريكية، فالمنطقة تمتلك ما يكفى من عناصر القوة الإستراتيجية الشاملة، وتنفرد بموقع إستراتيجي ثابت كان وما زال مسرحا للتنافس بين كافة القوى الكبرى، فلا يمكن تجاهل كيف ان المنطقة وحتى من قبل مرحلة الباردة بين الولايات والإتحاد السوفيتى والمنطقة منطقة صراع للولايات المتحدة وارتبطت بكل إستراتيجيات الولايات المتحدة وشكلت مصلحة مشتركه لكل الإدارات الأمريكية، وإن تفاوتت في درجة تغلغلها.

والفرضية الثانية التى تقوم على هذه العلاقة وجود إسرائيل في قلب المنطقة، والإلتزام ألأمريكى بأمن وبقاء إسرائيل يفرض ان تبقى المنطقة منطقة أولوية في السياسية والإستراتيجية الأمريكية العليا.

والفرضية الثالثة العلاقات التحالفيه التقليدية مع عدد من الدول ذات الثقل الإستراتيجى والإقتصادى كالمملكة العربية السعودية .

والفرضية الرابعة التغلغل الروسى في المنطقة وقربها وتلاصقها الجغرافى، واليوم تشكل المنطقة أحد المناطق التي تسعى الصين لتثبيت وجودها كما في علاقاتها بإيران والمعاهده الإستراتيجية التى وقعت بينهما.

هذه الفرضيات تؤكد لنا ان منطقة الشرق الأوسط المتغير الثابت في السياسة الأمريكية . ومع ذلك برز في العقدين ألأخيرين ومع إدارة الرئيس اوباما وترامب الرغبة في الانسحاب وتقليص وجودها العسكرى والخروج من منطقة الحروب اللانهائية، وأن الولايات المتحدة تحملت أكثر من تريليون دولار في حروب خاسره في أفغانستان والعراق.

وفى مقالة لمارتن إنديك في الجورنال ستريت، ومارا كارلين وتمارا كوفمان في الشؤون الخارجية أكدوا على أنه لم يتبقَ إلا القليل من المصالح الحيوية، وأن هذه المصالح قد تستحق الذهاب للحرب في المنطقة، وينبغى على واشنطن أن تفعل أقل في الشرق الأوسط، وتخفف من قوتها ـ لأنه وكما أشار إنديك لا تستحق بقاءها، وان الوقت قد إنتهى الذى كان فيه هناك أكثر من 180 ألف جندي أمريكى، او عندما كانت أسعار النفط تتحكم في الاقتصاد ألأمريكى، وأنه حان الوقت أن تقوم الولايات المتحدة على إعادة ترتيب أوراقها وألوياتها في المنطقة.

ويسود الان تيار الحد ألأدنى وإنهاء حروب اللانهائيه.

هذه ألأفكار ما زالت تسود في مراكز البحث الأمريكي ولدى نخب كثيرة، لكنها لم تثبت مصداقيتها بالكامل. فتقليص الوجود العسكرى الأمريكي في المنطقة يتطلب توازنا شائكا وصعبا، فتقليل الوجود العسكرى يخلق حالة جديده من عدم الأمن فيما ان الردع والنفوذ يحتاج للإيفاء بمصالح الولايات المتحده الثابته في المنطقة، بل إن هذه المصالح تفرض الوجود والبقاء اكثر مع صعود ونفوذ القوى الدولية والإقليمية كما اشرنا.

فإدارة الرئيس ترامب السابقه لم تبدِ توازنا وإتساقا في نظرتها للمنطقة، ففي الوقت الذى كانت تعمل فيه على تقليص وجودها العسكرى في العراق وسوريا والعمل على سحب كل القوات الأمريكية من أفغانستان، كانت تمارس سياسات صارمة مع إيران وبفرض العقوبات، بل ووصول العلاقات بينمها إلى درجة المواجهات العسكرية المباشرة كما فى إغتيال سليمانى، والتعرض للسفن ألأمريكية في مياه الخليج.

وراينا مزيج من النشاط العسكرى وزيادة القوات. وهذه السياسات المتأرجحة منح القوى ألأخرى الفرصة لمزيد التغلغل، وجعل المنطقة دائما على حافة نزاعات وحرب أوسع.

وهنا كان السؤال أمريكيا إذا كانت هذه السياسات غير سليمه فما هي المقاربات والسياسات الصحيحه؟

والسؤال أيضا ما إذا كانت أمريكا خارج أو داخل المنطقة، فوجوده يفرض عليها إتزامات مباشره لا يمكن التخلي عنا، عكس ما إذا كانت خارجها تماما.

والإجابة تتوقف على تحديد المصالح ألأمريكية في المنطقة وثوابتها. ومكانة المنطقة في الإستراتيجية الأمريكية العليا. ومن منظور المصلحة الأمريكية العليا لا يمكن تجاهل ان للولايات المتحدة مصالح عليا تحتاج أن تدافع عنها أبرزها بقاء أمن إسرائيل.

وثانيا إيران وطموحاتها النووية والتي تشكل تهديدا لمصالح أمريكا حتى خارج المنطقة.

واليوم الجدل يتجدد حتى مع إدارة الرئيس الجديد بايدن عن كيفية التعامل مع الملف النووي، فهذا الملف سيفرض ولسنوات طويله تواجدا أمريكيا في المنطقة، وهل يمكن التوصل لصفقة نوويه جديده بشروط جديده يراعى فيها إحتياجات الدول الأخرى، وما أستجد على هذا الملف؟وهل سيقتصر على الجانب النووي فقط أم يشمل عناصر القوة والدور الإيراني في المنطقة ؟

وليس هذا الملف الوحيد الذى سيفرض على الإدارة الجديدة مراجعة الموقف الأمريكي، عليها إجراء حوار واسع مع دول مجلس الأمن وبين دول المنطقة لتقليل درجة التوتر وإدارة عدم الثقة، وأبرز هذه المظاهر التوتر القائم بين إيران والسعودية والدول العربية ألأخرى.

وبناء الثقة يحتاج لدور خارجى مؤثر  في سياق البحث في قضايا الحرب في اليمن وسوريا والبحرين وقضايا تتعلق بالأمن البحرى في الخليج والبحر الأحمر، والعمل على إنهاء الحروب بالوكاله التي أضعفت من الدول .وألإتفاق على تقليص ترسانة الصواريخ البالستيه، وهى القضايا التي فرضت تواجدا أمريكيا في المنطقة والقيام بدور مباشر، هذه المعادلة الصعبة التي تواجه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في عهد إدارة بايدن ولعقود قادمة، وهذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجه السياسة ألأمريكية القدرة والتوفيق ما بين تقليص وجود قواتها العسكرية وبين الحفاظ على مصالحها الحيوية، والحفاظ على قوة ردع مع الدول الأخرى في منطقة لا يمكن للولايات المتحده التخلي عنها والذهاب لمناطق إستراتيجية أخرى كشرق آسيا، او القارة ألأوروبية.

وتبقى منطقة الشرق منطقة قلق إستراتيجى للولايات المتحدة.
دكتور ناجى صادق شراب
drnagish

2021-02-18