الأربعاء 28/10/1442 هـ الموافق 09/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ذكرى الإسراءِ والمعراجِ في حياةِ الطّفل.. د. روزلاند كريم دعيم

    تُطلُّ علينا ذكرى الإسراءِ والمعراجِ هذا العامَ في ظِلِّ أزمةِ الكورونا، وكالسنة الماضية 2020 حجرتِ النّاسَ، وحظرتِ السّفر، وبالتّالي، حظرتِ السّفرَ لزيارةِ المسجدَ الأقصى المبارك، بعدَ أن شغلتْ هذهِ الرّحلةُ المُقدّسةُ أهمّيّةً كبيرةً لدى المسلمينَ الفلسطينيّينَ عامّة، خاصّةً في السّنوات الأخيرة، لثلاثةِ أسبابٍ رئيسة:

     أوّلًا: مكانةُ المسجدِ الأقصى السّياسيّةِ، مِن مُنطلَقِ الحفاظِ على المُقدّسات، مَعَ الأخذِ بعين الاعتبارِ الإغلاقَ الّذي يَطالُ بعضَ المناطقِ الفلسطينيّة، والسّماحَ للّمُصَلّين بوصولِ القدس، معَ قيودٍ عديدةٍ؛ منها ما هو مرتبطٌ بعددِ المُصَلّين، ومنها ما هو مرتبطٌ بالسّنّ، فيُسمحُ لمَن هُم فوقَ الخمسينِ أو السّتّين بالدّخول فقط، فيكونُ الاحتفاءُ بالذّكرى افتراضيًّا، كحالِ هذا العام.

   ثانيًا: سهولةُ السّفرِ ومَنالُهُ، وتنظيمُ حافلاتٍ بشكلٍ دائمٍ لزيارةِ المسجد الأقصى المبارك.

   ثالثًا: التّراجعُ عن زيارةِ المقاماتِ والأماكنِ المُقدّسةِ الشّعبيّة، والتّركيزُ على الجوانبِ الدّينيّةِ للمناسباتِ وأيّام الذّكرى، وقد يرتبطُ السّببان الثّاني والثّالث ارتباطًا وثيقًا، فينعكسان الواحدُ على الآخر.

    نعرضُ فيما يلي لذكرى الإسراءِ والمعراج، وخلفيّتها التّاريخيّة والدّينيّة بشكلٍ مُبسّط، لتيسير عملَ المُربّيةِ في نقلِ المادة للّطفل، ونقترحُ فعاليّاتٍ عمليّة، يمكنُ أن تضيفَها المُربّيةُ إلى مخزونِ فعاليّاتها.

    وتأتي ذكرى الإسراءِ والمعراج أيضًا، حين يتعلّمُ الأطفالُ افتراضيًّا، مِنَ المنزل، ويتواصلونَ مَعَ المُربّياتِ بوسائلَ تكنولوجيّةٍ مختلفة، وبإمكانِ المُربّيةِ إشراكُ الأطفالَ وأُسَرَهُم بكلِّ فعاليّاتِ الإسراءِ والمعراج عبرَ التّطبيقاتِ المتداولةِ بينهم.

    ما هو الإسراء والمعراج؟

    يُقصدُ بالإسراءِ الرّحلةُ الّتي أسرى اللّهُ بها الرّسولَ محمد (صلعم)، مِنَ المسجدِ الحرام بمكّةَ المُكرّمة إلى المسجدِ الأقصى في القدس (ينظر: سورة الإسراء 1).

      والمعراجُ هو ما أعقبَ ذلك مِنَ الصّعودِ بهِ إلى طبقاتِ السّماوات العلا، حتّى الوصولِ إلى "سِدرة المنتهى"، حيثُ انقطعتْ علومُ الخلائقِ مِن ملائكةٍ وإنسٍ وجِنّ "، حتّى رأى ما رأى مِنْ آياتِ ربِّهِ الكبرى"، وكلُّ ذلكَ في ليلةٍ واحدة (ينظر: سورة النّجم 1-18).

    متى يُصادفُ الإسراءُ والمعراجُ؟

    يحتفلُ العالَمُ الإسلاميّ بمناسبةِ الإسراءِ والمعراج في السّابع والعشرينَ مِن شهر رجب مِن كلِّ عام، وتقتصرُ الاحتفالاتُ على الصّلاةِ في المساجد، والخُطَبِ والمَواعِظِ على المنابر. وبالرّغمِ مِن قِلّةِ الاحتفالاتِ الاجتماعيّةِ والأُسَريّةِ بهذهِ المناسبةِ الدّينيّة، إلّا أنَّ الطّفلَ يعرفُ بوجودِها، خاصّةً أنّه يُصادفُ يومَ عطلةٍ في الرّوضةِ والبستان، لذلك؛ فإنّنا نرى أهمّيّةً كبيرةً لتقديمِها، والعملِ عليها في مرحلةِ الطّفولة، من أجلِ تعريفِ الطّفلِ على شخصيّاتٍ مَركزيّةٍ، وأحداثٍ دينيّةٍ هامّةٍ في الحضارةِ الإسلاميّة.

    الخلفيّة التّاريخيّة:

    مرّ الرّسولُ (صلعم) بفترةٍ عصيبةٍ عُرفتْ بعامِ الحزن، فقدْ فرَضَ الكُفّارُ على الرّسول (صلعم) وأتباعِهِ حصارًا خانقًا، عانى منهُ المسلمونَ الأوائلُ عزلةً وجوعًا، ثمّ وفاةُ زوجتِهِ الأولى خديجة (رضي اللّه عنها)، ووفاةُ عمِّهِ أبي طالب. في تلكَ الظّروفِ حدثَ الإسراءُ والمعراج، ليرفعَ مِن عزيمةِ الرّسول (صلعم) ويُخفّف مِن حزنِهِ، وقد أجمَعَ العلماءُ على أنّه كانَ في العامِ العاشر مِن بِعثتِهِ، أي ثمانية عشر شهرًا قبلَ الهجرة.

     ماذا حدثَ في هذه الرّحلة؟

    تبدأُ الحادثةُ بانتقالِ الرّسولِ (صلعم) على ظهرِ البُراقِ إلى القدس، يُصلّي في المسجدِ الأقصى ركعتيْن، ويُخيّرُهُ الملاكُ جبريلُ بينَ شُربِ اللّبنَ وشُربِ الخمر، فيختارُ اللّبنَ، ومِن ثمّ يُعرّجُ بهِ إلى السّماء... وتستمرُّ الجولةُ بالانتقالِ مِنَ السّماء الأولى إلى السّماءِ السّابعة، وفي كلِّ سماءٍ يستقبلُهُ نبيٌّ آخرُ، ويدعون لهُ بالخير: (آدم، والمسيح عيسى بن مريم له المجد، ويوحنّا يحيى بن زكريّا، والنّبي يوسف، والنّبي إدريس، وهارون بن عمران، والنّبي موسى، والنّبي ابراهيم – عليهم السّلام أجمعين). وبَعدَ السّماءِ السّادسةِ يَصلُ إلى "سِدرة المنتهى". وهي شجرةٌ كبيرةٌ وجميلةٌ، يصعبُ على المرءِ وصْفُها.

     وأوحيتُ للرّسولِ (صلعم) الصّلواتِ المفروضةَ على المسلمين، وعددُها خمسونَ صلاة. وبحسبِ نصيحةٍ مِنَ النّبي موسى (ع)، سألَ اللّهُ أنْ يُخفّفَها، حتّى انخفضَ عددُ الصّلواتِ إلى خمس، وفي هذا نزلتِ الآيةُ الكريمة: "سبحانَ الّذي أسرى بعبدِهِ ليلًا، مِنَ المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى الّذي باركْنا حولَهُ، لنُريهِ مِن آياتِنا أنّه هو السّميعُ البصيرُ" (سورة الإسراء 1).

     أُعيدَ الرّسولُ (صلعم) بَعدَها إلى المسجدِ الأقصى، وبَعدَها إلى فِراشِهِ، فوجدَهُ دافئًا، كأنّه لم يفارقْهُ لحظة.

     وقد رأى في رحلتِهِ مَشاهدَ مُثيرةً عن الجزاءِ والطّاعةِ والثّواب؛ (أكَلَة مال اليتامى، أكَلَة الرّبا، الزّنا...) وسألَ جبريلَ عنها. وحينَ عادَ إلى مكّة، طلبَ منهُ الملاكُ جبريلُ أن يُحدّثَ قومَهُ عمّا حدَثَ معهُ، وفي الصّباحِ حدّثَهم عمّا رآهُ في اللّيلةِ السّابقة، وأتى بالدّليل أنّه رأى قافلةً مِن بني مخزوم في الطّريق لمكّة، فلمّا وصلوا، تأكّدَ قولُهُ، ووصفَ بيتَ المَقدس، ولم يكنْ قد زارَه.

أوّلُ مِن صدّقَ الرّسولَ (صلعم) في حادثةِ الإسراءِ والمعراج زوجتُهُ عائشة وأبو بكر، لذا سُمّيَ الأخيرُ بالصّدّيق.

    البُراق:

البُراقُ دابّة، يُعتقَدُ أنّها كانتْ مخصّصةً لكي يُحمَلَ عليها الأنبياءُ، وقد وصفَهُ البخاري بأنّه أبيضُ دونَ البغلِ وفوقَ الحمار، وقد نقلَ الرّسولَ (صلعم) مِنَ الحجاز إلى القدس، ومِن هنا يُسمّى الحائط الغربيّ للمسجد الأقصى المبارك حائط البراق.

    ومِن وصْفِ البُراقِ أنّه دابّةٌ سريعة، والدّليلُ على ذلكَ الوصولُ إلى القدس، والتّعريجُ إلى السّماء، والعودةُ إلى مكّة بنفسِ اللّيلة.

    وفي الميثولوجيا اليونانيّة، وبعيدًا عن الدّياناتِ السّماويّة، يَظهرُ الحصانُ المُجنّحُ الأوّلُ في الحضارةِ تحتَ الاسم "Pegasus"، وهو ابنُ ميدوزا وإلهُ البحر بوسيدون. عاشَ في الأولمبوس في حظيرةِ زيوس كبيرِ الآلهة وإلهِ الرّعدِ والبرق، ومنهُ وُلدتِ الأحصنةُ المُجنّحةُ في ثقافاتِ الشّعوب.

وفي الحضارات الشّرقيّة والعربيّة ظهر الحصان الطّائر في حكايات "ألف ليلة وليلة".

       الإسراءُ والمعراجُ في الرّوضةِ والبستان:

عندَ القيامِ بفعاليّاتِ الإسراءِ والمعراج في الرّوضةِ والبستان، يُؤخَذُ بعينِ الاعتبارِ قدرةُ الطّفلِ على فهم رحلةِ الرّسول (صلعم) على البُراق، وقدرتُهُ على تخيُّلِ "سِدرة المنتهى"، بالرّغم مِن قدرةِ الطّفلِ العاليةِ على التّخيُّلِ والفهمِ والاستمتاع.

    القصّة:

 قصّةُ الإسراءِ والمعراج هي قصّةُ إطارٍ وخيالٍ علميّ جميلة، تبدأُ بانتقالِ الرّسولِ (صلعم) على البُراق إلى مواقعَ مختلفةٍ بعيدةٍ عن بعضِها، بعضُها واقعيّ، والآخرُ فوقَ- واقعيّ، وعودتُهُ إلى فِراشِهِ بَعدَ الرّجوع مِن رحلةٍ مُشوِّقةٍ مُفعمةٍ بالتّجارب.

    حينَ تَروي المُربّيةُ قصّةَ الإسراء والمعراج للأطفال، تستطيعُ أن تختارَ منها التّفاصيلَ الّتي تراها مناسبة، ولكنْ عليها أن تأخذَ بعين الاعتبارِ ما يلي:

1. الظّروفُ التّاريخيّةُ الّتي خَلقتْ "عامَ الحزن" لا تهمُّ الأطفالَ في هذه المرحلةِ مِن حياتِهم.

2. كلُّ المَشاهدِ المخيفة حولَ العقوبات تقضُّ مضجعَ الكبير، فكيفَ الصّغير؟ لذلك، مِنَ المستحسنِ الابتعادُ عن روايتِها.

3. محادثةُ الرّسول (صلعم) مَعَ الأنبياءِ المختلفينَ في السّماوات لا تعني للأطفالِ الكثيرَ، بالأخصّ أنّ الطّفلَ لا يعرفُ كلَّ الأنبياءِ المذكورين، ومِنَ المُبكّر تعريفُه بهم.

    اقتراحاتٌ عمليّة:

1- تروي المُربّيةُ للأطفالِ قصّةَ انتقالِ الرّسول (صلعم) على البُراق، ووصولِهِ إلى القدس والصّلاةِ فيها، وعروجِهِ إلى السّماء، وحصولِهِ على فرضِ الصّلوات، ثمّ العودة إلى فراشه. في القصّةِ كثيرٌ مِنَ المقوّماتِ الدّاعمةِ لخيالِ الطّفل العلميّ، فلا يصعبُ عليه أن يُدركَ انتقالَ الأجسام بينَ الأماكن الجغرافيّة، مُخترقةً كلَّ مفاهيمِ الزّمنِ وقوانينِ المسافة، وغالبًا ما لا تُثيرُ التّساؤلاتِ لديه. ويُصادفُ الطّفلُ هذه الظّاهرةَ في الكثيرِ مِنَ القصص الخياليّةِ ويَقبلُها. ولو حدثَ أن أبدى أحدُ الأطفالِ تساؤلاتٍ عن هذه الظّاهرة، يكونُ على المُربّية أنْ تتحادثَ معهُ، موضّحةً أنّها قصّةٌ حدثتْ مَعَ الرّسولِ (ص)، ولذا تندرجُ في إطار "المعجزة". في الغالب تفي هذه الإجابةُ بالغرض. يجدرُ التّنويهُ إلى أنّ الأطفالَ يُشاهدونَ البرامجَ الخياليّةَ في التّلفاز، وأنّهم يعرفونَ الطّائرة، وهم يَسمعونَ عن السّفنِ الفضائيّةِ في وسائلِ الإعلام، إضافةً إلى قدرتِهم الإدراكيّةِ الّتي تتقبّلُ الانتقالَ الجغرافيَّ السّريعَ كما ذكرنا.

      2. لا يجدُ الطّفلُ صعوبةً في تخيُّلِ البُراق كما يراهُ هو، ولا يَستغربُ مِن وجودِ كائناتٍ غير معروفة في عالمنا الواقعيّ. وهو قادرٌ على أن يتخيّلَها أو يرسمَها. تتحادثُ المُربّية مَعَ الأطفال عن معنى الاسم "بُراق"، وأصلُه مِنَ البرق والسّرعة الّتي ينتقلُ بها.

     3. لا يستصعبُ الطّفلُ أيضًا أن يتخيّلَ الشّجرة (سِدرة المنتهى)، حسبَ الوصفِ الّذي تصفُهُ المُربّية. وبمقدورِ كلِّ طفلٍ أن يَرسمَ الشّجرةَ كما يراها. تستطيعُ المُربّيةُ أن تُطوّرَ الحديثَ مَعَ الأطفالِ حولَ السّدر، أو ما يُسمّى في بعضِ مناطق بلادنا "الدّوم". يمكنُ إحضارُ بعضَ الأغصانِ إلى الرّوضة، أو استكشافُ شجرةً إذا كانتْ في محيطِ الرّوضة القريب، أو إحضارُ صورًا لأشجارِ السّدر أو الدّوم، لتعريفِ الأطفال عليها. يُستحسنُ أن تقومَ المُربّيةُ بذلك، بعد أن ينتهيَ الأطفالُ مِن تخيُّلِ الشّجرة ورسمِها، حتّى لا تَحدَّ المعلومةُ العلميّة أو الصّورةُ المحسوسةُ مِن خيالِهم.

    4. تتحادث المُربّية مَعَ الأطفال، عن المسجدِ الأقصى الّذي اتّخذَ مكانتَهُ في الإسلام بعدَ هذهِ الحادثة. تسألُ الأطفالَ عنه، وتستكشفُ تجاربَهم في زيارتِهِ، وتُحدّثُهم عن أقسامِهِ المختلفةِ مُستعينةً بصورٍ توضيحيّة، أو بمُجسّمٍ صغيرٍ للمسجد. يستطيعُ الأطفالُ أن يبحثوا عن صورٍ للمسجدِ في الصّحفِ أو في المواقعِ الإلكترونيّة، تستخدمُها المُربّيةُ في تخطيطِ فعاليّاتٍ تربويّة، أو في بناءِ ألعابِ طاولة (مثل البازل، وألعاب المطابقة، وما شابه)، أو في تنفيذِ فعاليّاتٍ فنيّة، مثل تصميمِ بطاقةِ معايدةٍ تحملُ هذا الرّمز.

5. تستطيعُ المُربّيةُ التّطرُّقَ إلى مكّةَ المُكرّمة والمسجدَ الحرام كموقع بداية الرّحلة، مع أنّه لديها المجالُ الكافي للحديث عن المسجد الحرام عند حديثها عن الحجّ، وعيد الأضحى المبارك.

    6. الجانبُ الدّينيّ: عقبَ هذهِ الحادثةِ التّاريخيّة، تمَّ فرضُ الصّلواتِ الخمس على المسلمين. مِنَ الرّائعِ أن يتعرّفَ الطّفلُ على أحدِ أركان الإسلام الخمسة، مِن خلالِ قصّةٍ جميلةٍ يستمتعُ بها، ويتعرّفَ على قِيمٍ دينيّةٍ وتربويّةٍ هامّة. يجدرُ التّنويهُ إلى أنّه ليسَ مِنَ الضّروري تحويلُ الرّوضةِ إلى مكان للعبادة، فالعبادةُ لها شروطُها الّتي يجبُ أن تُحترم.

ونهايةً، كلُّ الفعاليّاتِ الواردة أعلاه، يمكنُها أن تتمَّ أيضًا بشكلٍ افتراضيٍّ بالوسائلِ التّكنولوجيّة والتّطبيقاتِ المختلفة

2021-03-10