الثلاثاء 27/10/1442 هـ الموافق 08/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قصة تقض مضجعي... بقلم هديل قشوع شريقي

أعلم أن عتاب النفس هو أقصى درجات الندم..لكن تُصر تلك الحادثة أن تقض مضجعي ... أتذكرها بين كل حين وآخر... تؤرقني بعض أحداثها.. هل لا زالت تذكر تفاصيلها.. أين هي الآن ؟ هل سامحتني؟ لا شك أنني تركت بقع سوداء تراها في مجهر مذكراتها...

 

نعم .. تلك الطفلة نحيلة الجسد .. ربطت  شعرها الناعم بربطة وردية لا تكاد تسيطر على خصلاتها الناعمة والتي انزلقت من أطراف رأسها بهدوء منساب..

 

صوتها القوي لا زال يطرق أبواب أذني كالصواعق.. واحدة تلو الأخرى..

 

هي تلميذة رقيقة في قلبها الصغير اجتمعت براكين الغضب على واقع سلب طفولتها ونسب إليها مرارة الأيام .. كانت خليطا من الركام اجتمع في قالب واحد.. واستطاعت عيناي أن تخذلاني ..ولم أرَ بها إلا طفلة مدللةً تحاول التمرد وعدم الإنصياع..

 

كنت في سنتي الأولى في المدرسة (ستاج) ودخلت غرفة الصف بعد أن تأخرت بعض الدقائق عن الدوام كنت حامل في الشهر السابع وأحاول كعادتي أن أسابق الوقت ولكن تأخرت .. وكانت مديرة المدرسة تزمجر وتعلو أصواتها التي تلاطم جدران المدرسة .. وغير مهم ما سبب التأخير.. حاولت ابتلاع تلك" البهدلة" والدخول الى الصف ، ولكن لا أنكر أنني دخلت  غاضبة وخانتني نبرات صوتي على تلاميذ لا ذنب لهم .. علمت حصة اللغة وكانت التلميذة الجالسة على يساري في السطر الثاني تلعب بأقلام ملونة وقد طلبتها مرات عديدة أن تترك ما بيدها من ألوان وتنتبه الى الدرس.. لكنها بقيت مصرة على أن تتظاهر بالانتباه .. وما إن ألتفت لغيرها حتى تخرجهم تارة وتارة أخرى وضحكاتها لا تفارق محياها.. غضبت منها في المرة الثالثة .. أخذت أقلامها والقيتها في سلة المهملات فقد حذرتها قبل ذلك وتمردت.. وضعت رأسها بين يديها وظلت تبكي على الطاولة.. لم أعرها اهتمام وأكملت الدرس الثاني والثالث الى أن جاء وقت الفسحة.

 

وإذا بامرأة شقراء قصيرة القامة .. يهودية  تناديني أنت هديل ؟

 

نعم تفضلي..

 

أريد الحديث معك..

 

نعم تفضلي..

 

يجدر بنا الجلوس جانبا..

 

.. لا بأس هيا نجلس

 

كنت أعرف أنها تعمل بالمدرسة بالعلاج عن طريق الفن .

 

طلبت مني تفسير ما حدث بيني وبين التلميذة وشرحت لها الموقف.

 

ردت بصوتها الخافت.. هديل هل تعلمين قصة هذة الطفلة؟

 

لا.. ولكن أعرفها  كطفلة مدللة وغير مبالية..

 

وهل تعلمين ما قصة الألوان التي القيتها بسلة المهملات..

 

بدأ قلبي يرتجف.. لم أعرف السبب لكنه كان. إحساسا بالخطأ وأنني قمت ب"كارثة" وسأدفع ثمنها..

 

أنا لست هنا لأعاتبك بل لأخبرك الحقيقة..

 

تمحصت بها وعيناي تتعطشان لمعرفة حقيقة الألوان التي كدت أنساها فقصص مثلها تحدث دائما ومع الجميع.. ثم إنني لست الأولى ممن يفعلها..

 

بدأت أستمع لكلماتها بشغف ولمعرفة الحقيقة فكم من جرح تركه الغير فينا ولا يكاد يدرك.. بدأ صوتها الخافت ينساب ولست أعرف كيف توغلت حاسة السمع في القلب لا في الرأس.

 

_  هذه الطفلة انفصل أبواها منذ سنوات وقد تعلقت بوالدها الذي دخل  عالم المخدرات في ساعة غفلة.. ولم تره منذ سنتين والبارحة خرج من المصحة بعد العلاج وفور خروجه اشترى لها علبة الألوان هذه وهي جدا فرحه بها ولم تتمالك نفسها .. إنها تريد أن يرى العالم كله أن أباها معها وبجانبها وها هي علبة الألوان وكأن تحكي ألوان سعادتها التي تملأ قلبها وعالمها الذي لطالكا شح السواد ..

 

طلبت منها أن تتوقف .. بكيت وبكيت بحرقة وصوت بكائي كان يشبه النحيب على سعادة طفلة سلبتها بغضبي على درس كانت تستطيع إعادة تعلمه مرة أخرى... وبتفريغ ذلك الغضب المثقل من ضغط صباحي مزمن.. ولكن تلك اللحظات حتما لا تتكرر . . كانت تخبر رفيقاتها بجودة الأقلام ورائحتهن التي تحكي قصص والدها المنسية على جدران طفولتها ..

 

طال الحديث بيني وبين المرأة المختصة. . ونصحتني ..  ألا  أصدق كل ما علمونا بالمحاضرات وأقاويل المفكرين، ولا تقلدي هذا وذاك بالتعامل. . فالانسان لا يمشي على قاعدة يتعامل بها مع الجميع.. هناك وخلف كل شخصية موسوعات كتبت ولحظات تركت أثرا كبيرا ..علينا أن نحبهم أولا وثم نعلمهم ..لأننا إن لن نحب لن نعط ولن نحسن الزرع ولن نحصد..

 

شكرتها جدا على صراحتها وعلى احتوائها..  لقد علمتني رمزا سريا أضيء به شمعة الدرب لا ألعن ظلاما ولا أصرخ بسذاجة..

 

لست أعرف شيئا عن تلك الطفلة .. وهل تتذكرني .. لعلها نسيت..لكني لم أنس ولن أنس تلك الصفعة الأولى التي تلقيتها علمتني الكثير فصرت لا أمشي على قاعدة ولا ألجم عيناي .. فعلى اليمين وعلى اليسار حدائق قد لا تراها إلا إذا تلقيت الصفعة لتدير رأسك يمنة وربما تحتاج لصفعة أخرى لترى يسرة إن لم تحكم النظر.

 

مرّ على الحادثة أكثر من عشرة أعوام لكنها لا تزال تقض مضجعي في كل فترة لربما حتى لا أكرر خطأ ذات يوم بحق الأمانة التي اختارني الله حتى أؤديها و حملتها على كتفي منذ عاهدت خالقي أن أحمل الرسالة وعلى أمل أن أكون قد أديتها بما يرضي الله ..

2021-03-19