الأحد 20/9/1442 هـ الموافق 02/05/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
جولة في حضارة الفصح الفلسطينية بين الماضي والحاضر .... د. روزلاند كريم دعيم

تحتفل الكنيسة الغربية بعيد الفصح المبارك وقيامة السيد المسيح له المجد في الأحد الأول بعد اكتمال الاعتدال الربيعي، بينما تحتفل الكنيسة الشرقية في الأحد الأول بعد انتهاء الفصح العبري الذي يقع في العشرين من نيسان العبري، وبطبيعة الحال يكون الاحتفال بعد الفصح في الكنيسة الغربية بأسبوع أو اثنين أو أكثر.

عيد الفصح المبارك هو ذكرى دخول السيّد المسيح له المجد في فترة فصح اليهود لأورشليم القدس، الاحتفال بعشاء الفصح الذي أصبح العشاء السري أو العشاء الأخير مع تلاميذه، إلقاء القبض عليه ومحاكمته وموته على الصّليب وقيامته في اليوم الثالث. لذلك يختلف معنى الفصح اليهودي عن الفصح المسيحي الذي يعني الانتقال من الموت إلى الحياة ومن العبودية والخطيئة إلىالتحرير.

يُعتبر الصّلب رمز الألم والتضحية والمحبة وغفران الخطايا والسيّد المسيح له المجد مات مصلوبًا لتخليص العالم من الخطيئة الأصلية. لذلك تُعتبر القيامة من جوهر الإيمان المسيحيّ، إذ حصل المسيحيّون بها على الخلاص وعلى الحياة الأبدية.

يُعتبر عيد الفصح أهم الأعياد الدينية في المسيحيّة، وفي الشرق يحظى الفصح بأهمية كبيرة على مر العصور، لذلك سُمي "العيد الكبير". تطورت احتفالات الفصح وأساليب الصوم لدى الحضارات المختلفة والكنائس المختلفة دون التنازل عن جوهره الروحاني وطقوسه الدينية وما يرافقها من صوم وصلاة.

تقترن احتفالات الفصح بالمأكولات الحيوانية والدسمة، بالإضافة إلى كعك العيد الخاص.

 

الصوم

تسبق عيد الفصح فترة صوم تصل إلى 47 يومًا بين فترة الصوم الأربعيني وأسبوع الآلام، يختلف نظامها بين الكنائس بحسب طبيعة البلاد وبحسب نظام الحياة فيها، ويكون ذلك بحسب تعاليم وأسرار الكنيسة المقدسة.

الصوم الانقطاعي الذي تتبعه الكنائس الشرقية هو نظام الصوم في الكنيسة الأولى، وهو منسجم مع طبيعة بلادنا.

في الصوم الانقطاعي ينقطع الصائم عن تناول منتجات الحيوان على أنواعها،[1] ومن هنا تطور المصطلح المستعمل في المطبخ الفلسطيني "طعام صيامي".[2]

ينسجم نظام الصوم وطبيعة الحياة الزراعية في فلسطين، فالصوم يقع بين شباط ونيسان، وهذه الفترة يترقب الفلاح موسم الربيع بعد الشتاء وينتظر إزهار الأشجار المثمرة ونبات الزرع من حنطة وغلال أخرى. تكون الضأن والماعز في هذه الفترة حاملًا (معشّرة) فيشح الحليب، وبعد ولادتها يتعيّن عليها إرضاع وُلدِها الصغار. أمّا الدجاج فيستبدل ريشه ويقل بيضه، وتجود الطبيعة على المطبخ الفلسطيني بنباتات الحقول كالسلق والعلت والخبيزة والزعتر والحميض وغيره من النباتات المفيدة.

حرّمت الكنيسة تناول اللحم والبيض والحليب ومشتقاتها دعمًا للدورة الزراعية الحيوية التي يعتمد عليها الفلاح الشرقي، وأجازت أكل البقول والخضار التي تتوفر في هذه الفترة. ويستعد المسيحيون لاستقبال الصوم الفصحي بإخلاء البيت من المنتجات الحيوانية كاللحوم والبيض والألبان، واستبدالها بقدر يسير من الطعام وبأصناف محدودة.[3]

 

استقبال العيد

تمتاز الأعياد التي تأتي بعد صوم وانقطاع بوفرة طعامها ودسمه وأطباق الحلوى على أنواعها.

يكون استقبال العيد بتنظيف البيت، شراء الملابس الجديدة، شراء المأكولات والبيض وإعداد كعك العيد.

غالبًا ما تكون ملابس الأطفال والأولاد في العيد بيضاء، لترمز إلى الحياة المتجددة مع قيامة السيد المسيح له المجد. وقد تكمن أهميتها الاقتصادية بأنها تأتي في المرحلة الانتقالية بين الشتاء والصيف فتُستعمل لاحقًا طوال الموسم حتى الخريف القادم.

أما أطباق العيد فتتنوع بين لحم الخروف رمز الفداء، حشوة الأرز بالصنوبر واللوز والدجاج، ورق الدوالي والكوسا. وطبعًا كعك العيد المنتشر بأشكاله ونكهاته في حضارة ما بين النهرين وسورية الكبرى.

 

كعك العيد

يتم إعداد كعك ومعمول العيد لدى جميع الفئات في فلسطين بمكونات متشابهة؛ الطحين والسمنة والعجوة والسميد والجوز والسكر الناعم والقرفة وجوز الطيب والمستكة والمحلب وماء الورد والزهر. ويضيف عليه البعض نكهات إضافية. ويتخذ شكله رمزيته من رموز العيد: فيكون "الكعك بعجوة" من الطحين أو السميد دائريا على شكل التاج يرمز إلى إكليل الشوك الذي وضع على رأس السيد المسيح له المجد ساعة صلبه، يكون منقوشًا من أعلى ويسميه البعض "زرد". وقد يُستبدل النقش بختمه بطابع عليه رموز فنية أو رموز دينية. والمعمول بالسميد المحشو بالجوز يُشبه بشكله الصخرة التي وُضعت فوق القبر، أو الإسفنجة المبللة بالخل التي وضعت على شفتي السيّد المسيح له المجد عندما كان على خشبة الصّليب.

وقد تعجن ربة البيت بعض الأقراص بالحليب، وتضيف إليه السمسم أو القزحة أو الكركم – العقدة الصفراء - لفطور العيد.

 

بيض العيد المسلوق الملوّن[4]

يقوم المسيحيون في عيد الفصح بسلق البيض وتلوينه بمواد طبيعية مثل زهر الصفير الذي ينمو بغزارة في بلادنا، أو أوراق البصل والبقدونس والبرقوق وغيرها من المواد الطبيعية. وتطور الأمر إلى استعمال الأصباغ الصناعية أو الطبع أو الرسم على البيض.

ارتبطت البيضة على مر العصور بحضارات ورموز عديدة. وفي المسيحية ترمز إلى القبر، وكسرها يرمز إلى قيامة السيّد المسيح له المجد من القبر، ناهيك عن السماح بتناولها بعد فترة صوم وانقطاع.

من العادات المرتبطة بالفصح المبارك "فقاس البيض"، أي خروج الصوص من البيضة وتجدد الحياة. يقوم الأولاد بمباريات في فقس البيض، حيث ينقر الواحد ببيضته المسلوقة على بيضة زميله وصاحب البيضة التي تكسر البيضة الثانية يربح البيضة المكسورة. وتطورت هذه العادة كغيرها في المناطق المختلفة.

 

أرنب الفصح[5]

كان الأرنب يرمز إلى إله الخصب في أوروبا قبل أن تعرف المسيحية، وكانت شعوب الساكسون تحتفل بعيد الخصب في أول الربيع. جلب المهاجرون الألمان الأرنب معهم إلى أمريكا حيث انتشر بين سائر المهاجرين.

مع وصول المسيحية إلى شمال أوروبا أبقت على بعض التقاليد مع تغيير معانيها، وقد يكون ذلك لسببين: من خلال فصل الربيع يُظهر خلال قدرته على تغيير الأشياء، الربيع قدرته على تغيير الأشياء، بالإضافة إلى خصوبته العالية وتزامن عيد الفصح مع الانقلاب الربيعي.

تعددت وتنوعت الفعاليات المرتبطة بالأرنب الذي يزين الموائد والبيوت على أشكال مختلفة إلى جانب بيض الفصح. وترتبط شخصيته في أميركا الشمالية وأوروبا بعيد الفصح، حيث يحمل شخص سلة بها بيض ملون ويلبس زي الأرنب ويخبئ البيض في البيوت ليجدها الأطفال صباح الفصح.

 

ديانات عديدة وحضارة واحدة: خميس الأموات والجمعة العظيمة

من عادات المسيحيين زيارة قبور موتاهم في صباح يوم الجمعة العظيمة قبل عيد الفصح، المعروفة أيضًا بالجمعة الحزينة، بسبب دفن السيد المسيح له المجد بهذا اليوم – بحسب الإيمان المسيحي.

وبسبب الوجود المشترك يشارك المسلمون المسيحيين احتفالاتهم الفصحية بانتقائية لا تتعارض مع القيم الدينية، كما هو متبع في بيئات تمتاز وتتمتع بتعددية حضارية، ومن هذه العادات "الزيارة في خميس الأموات"، أو كما ترد على لسان العامة "خُمسان الروم".

وهذه الزيارة أساسها ديني سياسي تحوّل إلى شعبي. وكان بعد أن عقد صلاح الدين الأيوبي صلحًا مع الصليبيين بعد تحرير القدس عام 1187 م سمح للمسيحيين زيارة قبور موتاهم وشجع جنود الجيش الإسلامي لزيارة موتاهم أيضًا بينما كان هدفه الحفاظ على النظام وعلى عدد المسلمين في القدس ليضمن عدم تسلّل بقايا الصليبيين إلى المدينة. وتحوّلت العادة إلى شعبية حيث بدأ المسلمون بتكريم موتاهم وزيارتهم يوم الخميس قبل الجمعة العظيمة لدى المسيحيين الأرثوذكسيين.[6] وكانوا يأخذون معهم البيض الملون وكعك العجوة وخبز الحليب وهي المأكولات التي يأكلها المسيحيون في عيد الفصح (سرحان 1، 1989: 180-181؛ عمرو، 1986: 106-107). وعلى ما يبدو فإن قرب الموعد من عيد الفصح لدي اليهود والمسيحيين ساهم في تطور هذه العادة التي بقيت منتشرة في الجليل حتى أواخر القرن العشرين، إلا انها اختفت تقريبًا بسبب الوعي الديني وابتعاد المؤمنين عن العادات الغريبة، وبسبب انفتاح الناس على أماكن ترفيه معاصرة (دعيم، 2015).

المعايدة

في عيد الفصح المبارك يزور المسيحيّون بعضهم زيارات قصيرة ويلقون التحية بكلمة "المسيح قام" ويكون الجواب "حقًا قام". في الماضي كانت الضيافة الأساسية في هذه المناسبة البيض المصبوغ وكعك العيد، واليوم تمت إضافة الشوكولاتة على شكل بيض العيد أو أرنب الفصح.

ومن العادات أيضًا تخصيص زيارة للعائلات التي فقدت عزيزًا.

 

كل عام وأنتم بخير

[1] يُسمح بتناول السمك في عيد البشارة وأحد الشعانين، وينقطع الصائمون عن تناول زيت الزيتون أيضًا منذ خميس الأسرار وحتى يوم الفصح.

[2] يتلاءم مع المصطلح "خضري" المستعمل اليوم لدى بعض متبعي هذا النظام الغذائي كنهج حياة.

[3]ما يُعرف بـ "مرفع اللحم" و"مرفع الجبن".

[4]سنفرد للبيض الملون وأساسه الحضاري حوارًا مستقلا.

[5]سنفرد لأرنب الفصح وأساسه الحضاري حوارًا مستقلا.

[6] تعود أحداث القصة إلى فترة تسبق اتباع تقويمين، لذلك يلازم الموعد التقويم اليولياني المعمول به في الكنيسة الأرثوذكسية.

د. روزلاند كريم دعيم/ حيفا

2021-05-02