الخميس 10/3/1444 هـ الموافق 06/10/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الرئيس النمساوي السابق هاينس فيشر حول التصعيد الإسرائيلي الأخير... ترجمة د. حميد لشهب

نترجم هذا النص (لأهميته) الذي نشره الرئيس النمساوي السابق هاينس فيشر اليوم 18 ماي 2021 في أعتد جريدة نمساوية "جريد فيينا Wiener Zeitung". والنص لا يعتبر بالضرورة دفاعا على القضية الفلسطينية، بقدر ما هو عربونا وعلامة واضحة على أن الرأي العام الغربي بصفة عامة لم يعد ساذجا اتجاه الأيديولوجيا الأبرتهايدية الإسرائيلية، بل هناك حركات كثيرة وكبيرة ترفع صوتها أكثر وأكثر لردع الإستعمار الصهيوني والسماح للفلسطينيين بالعيش الكريم في إطار القوانين الدويلة، التي يدوس حكام الصهاينة عليها بأحذتهم. ومما يزيد هذا النص المترجم أهمية هو أن فيشر لم يكن فقط رئيسا للنمسا من 2004 إلى 2016، بل هو يهودي الأصل، ويعي حق الوعي العيش تحت سلطة فاشية طوطاليطيرية، أي النازية. والنص في آخر المطاف هو جواب مباشر على القرار الأخير للمستشار النمساوي الحالي رفع العلم الإسرائيلي على مبنى المستشارية الفيدرالية النمساوية. ويقال أن هذا القرار كان قرار فرديا من هذا المستشار، الغارق في مشاكل داخلية تهدد منصبه مباشرة، بل له مشاكل مع القضاء النمساوي حاليا، في الفضيحة المسمات محليا "فضية "إيبيزاIbiza"، التي "فرقعت" تحالفه الحكومي مع حزب الأحرار المعادي للأجانب، ويقال للسامية أيضا.

النص المترجم

"لقد وُلدت كراهتي لكل نوع من معاداة السامية في المهد حرفياً. كان جدي جاكوب فيشر يهوديًا. وكان لهذا تأثير كبير على حياة والدي والعائلة بأكملها خلال الحقبة النازية. تضمنت دائرة أصدقائي خلال فترة وجودي في المدرسة الثانوية أو في الجامعة أيضًا العديد من الشباب الذين اضطر آباؤهم (وكان بإمكانهم ذلك) للهجرة خلال الحقبة النازية والذين شاركوني كره الاشتراكية القومية ومعاداة السامية. وُلدت زوجتي مارغيت في ستوكهولم في المهجر أثناء الحرب لأن والدها، الذي كان يهوديًا وديمقراطيًا اجتماعيًا، تم ترحيله بعد وقت قصير من "الضم"، محتشد معتقل داخاو Dachau ثم إلى بوخنفالد Buchenwald  في ربيع عام 938 ، ومن تم كان قادرًا على الهجرة إلى السويد بتأشيرة قبل مؤتمر فانسي Wannseekonferenz.

عندما أعطاني صديقي فرديناند لاسينا Ferdinand Lacina نسخة من محاضرة ألقاها أستاذ يدعى تاراس بوروداجكويكزTaras Borodajkewycz  في جامعة التجارة العالمية آنذاك لقراءتها في أوائل الستينيات، كنت غاضبًا بشدة من المحتوى المعادي للسامية. كتبت عدة مقالات بنقد لاذع لهذا الأستاذ الجامعي، وتبع ذلك نقاش ساخن، أظهر خلاله قدر كبير من معاداة السامية. اتصل بي السفير الإسرائيلي في فيينا في ذلك الوقت، ناثان بيليد Nathan Peled، وشكرني على تصرفي. نشأ معه اتصال ودّي، وعندما استُدعي إلى إسرائيل بعد ذلك بقليل (كان يسكن في كيبوتس Kibbuz في شمال إسرائيل)، دعاني لزيارته وعائلته في كيبوتس ساريد والتعرف على إسرائيل بشكل أفضل.

في أواخر صيف عام 1963 سافرت رفقة صديق في المدرسة بالسيارة وخيمة من فيينا إلى أنطاليا على الساحل الجنوبي التركي، ومن هناك على متن سفينة إلى حيفا ثم إلى كيبوتس ساريد Sarid، حيث أمضيت عدة أسابيع.

لم أتعرف على الحياة في الكيبوتس فحسب، بل أصبحت أقدر إسرائيل أيضًا. ولكن من خلال برونو كرايسكي Bruno Kreisky تعرفت أيضًا على جانب إضافي للوضع المعقد في الشرق الأوسط، ألا وهو الوضع الصعب واليائس لكثير من الفلسطينيين في هذا الجزء من العالم. حقيقة أن مأساة الشعب اليهودي تركت أثراً عميقاً في وعي أوروبا. لكن من الحقائق أيضًا أننا لا نعرف سوى القليل جدًا عن محنة ومصير ومشاكل الفلسطينيين.

لقد زرت الضفة الغربية ورام الله عدة مرات خلال العقود القليلة الماضية وقمت أيضًا بزيارة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. إن الوضع الحالي مهين للغاية بالنسبة للفلسطينيين، ولا يمكن تحمله، وهو في نفس الوقت وضع يكاد يكون ميئوسا منه. وتبتعد السياسة الإسرائيلية أكثر فأكثر عن الجهود الحقيقية لإيجاد حل مقبول للطرفين على أساس القانون الدولي.

إن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية غير قانوني ويهدف إلى تدمير أساس حل الدولتين. أتسائل أكثر فأكثر: كيف يمكن لشعب كان عليه أن يتحمل ويعاني أكثر مما يمكن للمرء تخيله، الشعب اليهودي، أن يسمح بما تقوم به الحكومة الحالية (وهي حكومة بيدها السلطة منذ سنوات) في عهد بنيامين نتنياهو اتجاه الفلسطينيين؟ أليست السياسة الإسرائيلية في خطر الاقتراب أكثر وأكثر مما حارب نيلسون مانديلا ضده ذات مرة بشكل مقنع؟

لا يمكن إنكار أن قسمًا من الفلسطينيين يلجأ أيضًا إلى العنف والإرهاب في هذا الوضع لمواجهة القوة الساحقة، ولإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات من قطاع غزة وحماية شعبها. ولكن بما أن الأمر يتعلق بمسألة حياة البشر، يجب أن يتم ذلك وفقًا لمبدأ التناسب. لا تقل قيمة حياة الطفل الفلسطيني والأم الفلسطينية عن حياة طفل إسرائيلي أو أم إسرائيلية، والعكس صحيح. يَعْرف القانون الجنائي مضمون الدفاع عن النفس، وإذا تبين أن عدد الأطفال والأمهات الفلسطينيين الذين قتلوا أكبر بعشر مرات من الجانب الإسرائيلي، فلا يمكن للمرء أن يرى ذلك دون تعليق أو حتى الموافقة عليه، وحتى رفع العلم الإسرائيلي في المستشارية الفيدرالية النمساوية Bundeskanzleramt.

نحن نعلم أن نتنياهو يدير السياسة الداخلية من خلال السياسة الخارجية والسياسة الخارجية من خلال السياسة الداخلية. لذلك أجد أنه من المؤلم أن تُظهر النمسا المحايدة الآن موقفًا متحيزًا في هذا الصراع المأساوي. ولتبرير ذلك، يقول المرء أنه لا يمكن أن يكون هناك حياد تجاه الإرهاب. إذا كان المرء يريد حقًا الحد من هذا الصراع الذي يزيد عمره عن 70 عامًا والمتعدد الطبقات بين الثقافتين والجنسيتين، أفلا يؤدي اختزال هذا الصراع الدائم، العسكري مرة وبأسلحة أخرى مرة أخرى - حرب بين أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط والفلسطينين- إلى عمل إرهابي إجبار النمسا على التخلي عن حيادها وعن دورها (الضعيف بالفعل) كمحاور عادل للطرفين؟

كان من الأفضل رفع العلم للبحث عن حلفاء لمبادرة سلام أوروبية قوية والعمل على الأسس السياسية والاقتصادية والأخلاقية لخطوات نحو السلام. كما أنني لا أعرف ما إذا كان رفع علم أحد الطرفين المتنازعين قد تمت مناقشته مسبقًا على أساس سياسي واسع إلى حد ما (المقصود في النمسا: إ.م)، كما هو معمول به منطقيًا بالتأكيد في القضايا الحساسة وقد حدث أيضًا في حالات سابقة (لغرض التنسيق بين المستشارية والرئاسية المستشارية والبرلمان).

قد تكون مساهمتي في المناقشة (أيضًا) تتلقى موافقة من الجانب الخطأ. لا أستطيع أن أدافع عن نفسي ضد ذلك. ولكن يجب قبول ذلك من أجل مواجهة الأسطورة المضللة القائلة بأن الصراع في الشرق الأوسط يدور حول الأعمال والهجمات الأحادية الجانب من قبل المجرمين والإرهابيين، الذين يجب قصفهم خارج غزة من أجل إحلال السلام. بل هي مواجهة طويلة ومؤلمة ومأساوية بين شعبين لهما جذور قديمة وعميقة ومتشعبة على نطاق واسع.

ربما تمتلك أوروبا الآن فرصة جديدة لاتخاذ خطوات بناءة في اتجاه كلا طرفي الصراع، بعد أن انتخبت الولايات المتحدة رئيسًا جديدًا. وهذا يمكن أن يجعل الأمر أسهل قليلاً في نقل مسؤوليتنا التاريخية عن إسرائيل إلى قاسم مشترك مع المسؤولية عن حقوق الإنسان للفلسطينيين، أو على الأقل اتخاذ الخطوات الأولى في هذا الاتجاه. يجب أن يكون هذا هدفًا مشتركًا ويمكن أن يكون كذلك".

ترجمة: د. حميد لشهب، النمسا

2021-05-21