الجمعة 22/11/1442 هـ الموافق 02/07/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فراغ القوة في المنطقة: التداعيات والسيناريوهات....دكتور ناجى صادق شراب

 قرار الولايات المتحده بسحب قواتها من أفغانستان ومن دول المنطقة يعيدنا للتذكير بنظرية فراغ وملء القوة ، هذا الفراغ الذى سيترتب على إنسحاب القوات العسكرية الأمريكية يثير تساؤلا رئيسا من  هي القوة التي ستملأ هذا الفراغ؟.

فالقرار يأتي في سياقات سياسيه تحتلف تماما عن السياقات السياسية التي سادات فترة الحرب البارده بين الولايات المتحده والإتحاد السوفيتى من الخمسينات حتى التسعينات من القرن الماضى ، اليوم هناك تحولات بارزه في بنية القوة الإقليمية والدولية ، صعود قوى إقليميه طامحه كإيران وتركيا ، وتطلعات قوى دوليه لتقاسم قمة النظام الدولى الصين وروسيا، ويأتي أيضا في سياق دور يتجاوز حدود دور الدول ذاتها كدور الفواعل من غير ذات الدول وخصوصا الجماعات والحركات المتشدده كحركة طالبان وداعش والقاعده والحوثيين وحزب الله وغيرها.

وليس معنى ذلك أن التواجد العسكرى الأمريكي في المنطقة سيضمن إستقرار المنطقه وعدم تدخل هذه الفواعل من الدول وغيرها ، فافلرضية الأساسية ان هذه الدول الإقليمية مثل تركيا وإيران والدولية كروسيا والصين أصبح لها وجود وحضور كبير في المنطقه، ولن تجد صعوبة في محاولة ملء فراغ القوة حيث توجد.وتاريخيا فإن نظرية فراغ القوة برزت بشكل واضح ومسيطر في فترة الحرب البارده الطويله والتنافس والصراع بين القوتين العظمتين آنذاك الولايات المتحده والإتحاد السوفيتى وأرتبطت بالمصالح العليا والأهداف القومية لكل منهما في المنطقة ، وأصبحت نظرية فراغ القوة أحد أهم الإستراتيجيات الأمريكية في المنطقة وتزامنت مع القررا البريطاني بالإنسحاب من المنطقة في السبعينات من القرن الماضى ، فسارعت الولايات المتحده لملء هذا الفراغ، وحاول الإتحاد السوفيتى الوصول للمياه الدافئة في الخليج وسارعت إيران لإحتلال الجزر الثلاث التابعه لدولة الإمارات، وسعت إسرائيل لفرض وجودها كقوة احاديه في المنطقه ، وكل ذلك في غياب الدور العربى وغياب دور الدولة المحورية القياديه في المنطقة وذلك في أعقاب نكسة وحرب 1967 والتي شكلت تحولا كبيرا في موازين القوى في المنطقة لصالح القوى الإقليمية والدولية.

وقد أرتبطت السياسية ألأمريكية وتمسكت بسياسة نظرية فراغ القوة وملئه توافقا مع الأهداف العليا للولايات المتحده التي سيطرت على السياسة ألأمريكية وصولا لإدارة الرئيس ترامب ومن قبله إدارة الرئيس أوباما. وهذه الأهداف تمثلت أولا :الحفاظ على أمن وبقاء إسرائيل وضمان تفوقها العسكرى ، وهذا الهدف احد الثوابت في السياسة الأمريكية وهو الذى يفسر لنا أحد أسباب التواجد العسكري ، ومن ناحيه يمكن تحقيق هذا الهدف اليوم بضمان التفوق العسكرى لإسرائيل ، والحيلولة دون إمتلاك إيران للقوة النووية ، وثانيا ضمان تدفق النفط وبأسعار معقوله ولم يعد هذا الهدف أحد الثوابت في السياسة ألأمريكية ،وثالثا ضمان أنظمة الحكم الحليفه ، ولم يعد هذا الهدف أيضا كما كان سابقا، والخلاصة ان الاهتمام الأمريكي لم يعد يتركز على منطقة الشرق الأوسط ، وتتطلع إلى منطقة شرق آسيا وهى منطقة الصراع الجديده بين الصين والولايات المتحده ,هذا التحول هو الذى يقف وراء قرار الانسحاب الأمريكي ناهيك عن الإنفاق المالى الكبير الذى تجاوز التريليون دولار في أفغانستان والحرب البارده الجديده لا تسوتجب ان تتبنى نظرية ملء القوة بالقوة العسكرية وألألمنية وهذا هو مفهوم نظرية فراغ القوة.إلا أن القرار الأمريكي يأتي في ظل مدركات قد تكون غير مواتيه لا للولايات المتحده ولا لدول المنطقه أولها عدم قدرتها على إستيعاب وفهم عناصر القوة الخاصة السائده اليوم، وثانيا التحولات المصاحبه لبنية القوة وصعود القوى الإقليمية على حساب دول المنطقة ، وثالثا صعود القوة الصينية والروسيه وما تشكلانه من تحدى للقوة ألأمريكية ,وهذا قد يتعارض مع مبدأ الرئيس بايدن عودة أمريكا لقيادة العالم وإستعادة دور التلحالف الديموقراطى الذى تمثله أوروبا ،وهذا لمسناه في زيارته الأخيره لأوروبا. ورابعا وهذا ألأهم أن المنطقة تعانى من مشاكل إعادة بناء القوة ، وحالة من الفوضى والتدخلات العسكرية ، وضعف لبنية القوة ألإقليمية مما يشجع القوى الأخرى على التدخل كما إيران في سوريا ولبنان واليمن وتركيا في ليبيا والعراق وسوريا. وإمتداد النفوذ القوى لروسيا في المنطقة  السؤال هنا ما هي السيناريوهات التي يمكن تصورها للقرار الأمريكي أولا سيناريو تسارع القوى الإقليمية لملء هذا الفراغ وهى الأكثر إحتمالا والسيناريو الثانى تسارع الفواعل من غير ذات الدول مثل طالبان في أفغانستان وهو سيناريو قوى .

والسيناريو الثالث تثبيت الوجود الروسى وتحول روسيا لفاعل رئيس وإستعادة حلم الإنبراطواية السوفيتية في المنطقة وهو سيناريو قائم على الأرض ، بالمقابل السيناريوهات العربيه تتمثل اليوم وأهمها سيناريو بناء قوة عربيه مشتركه قوامها مصر والسعوديه والأمارات والأردن والعراق، وسيناريو بناء القوة الذاتية والقدرات العسكرية لدول المنطقه ، والسيناريو الثالث الذى تسعى إليه إسرائيل والولايات المتحده بناء تحالف عسكرى إقليمى تقوده إسرائيل في مواجهة الخطر الإيراني .

يبقى السيناريو العربى هو الأكثر واقعية وتحقيقا لإستقرار المنطقه ، فكل السيناريوهات الأخرى ستعنى مزيد من الصراع وتزايد إحتمالات الحرب الإقليمية . هذه التداعيات السياسية والعسكرية لقرار الانسحاب الأمريكي في زمن تحولات القوة الإقليمية والدولية المتسارعه.والتى تسوتجب حراكا عربيا سريعا .
دكتور ناجى صادق شراب 
drn[email protected]

 

2021-07-01