السبت 23/11/1442 هـ الموافق 03/07/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
كيف نقول (Narrative) باللّغة العربيّة؟ ....د. إياس يوسف ناصر

إنّ كثرة المصطلحات الأدبيّة الّتي تُستحدث في الأدب العربيّ في معنى مصطلح من المصطلحات الأجنبيّة أمرٌ لا سبيل إلى القطع بحُسْنه أو الجزم برداءته، إذ يكشف تعدّد المصطلحات عن آراء ونظرات مختلفة من جهة، وهو شيء مفيد ذو غنى، غير أنّه يحيّر القارئ ويُشْكِل عليه من جهة أخرى، وهو شيء عقيم ليس بذي غَنَاء. 

وقد عُني النّقّاد والدّارسون العرب منذ أعوام طوال بدَرْس المصطلح النّقديّ، وكان من الّذين برّزوا في هذا المضمار وبرعوا فيه النّاقد العراقيّ العلّامة عبد الواحد لؤلؤة الذي وَقَف جهودًا بحثيّة عظيمة على دَرْس المصطلحات النّقديّة الحديثة ونقلها من اللّغات الأوربيّة.

أمّا مصطلح (Narrative)، فما أكثر المصطلحات الّتي وُضعت لتأدية معناه. وليس في ذلك بأس لأنّ المصطلح يُستعمل في مجالات وفنون كثيرة فتتعدّد دلالاته. وقد قيل في معناه في فنّ القصّة: القَصّ (مصدر الفعل قَصَّ الخَبَرَ يَقُصُّهُ)، والقَصَص (كذلك مصدر الفعل السّابق)، والحَكْي، والسّرد، والسّرديّة، والرّواية...

وإذا كنت لا أنفي أن تتعدّد ترجمة هذا المصطلح باللّغة العربيّة، فإنّي أطمئنّ كلّ الاطمئنان إلى مصطلح «القصّة» في ترجمته، لأنّني أرى أنّه مصطلح عريق في أدبنا العربيّ تمتدّ جذوره إلى قرون بعيدة، وما أكثر استعمال مشتقّات هذا الأصل (ق.ص.ص) في القرآن: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ)؛ (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ).

وأكاد أقطع بأنّ غلبة مصطلح السّرد ومشتقّاته (السّارد، والسّرديّة، والسّرديّات، والسّردانيّة...) على اللّغة العربيّة الحديثة مردّها إلى التّفريق في اللّغة الإنجليزيّة (واللّغة الفرنسيّة، كما فعل الباحث الفرنسيّ جنيت Genette) بين مصطلح (narrative) ومصطلح (story)، فأصبحنا مضطرّين ملزمين أن نصطنع مصطلحًا آخر ينحو هذا النّحو من التّفريق، ولجأنا إلى الفعل سرد ومشتقّاته، للتّفريق بين القصّة والسّرد، وبين القاصّ والسّارد، وبين القَصَصيّ والسّرديّ، وهي مصطلحات لمعنى واحد.

ومن الجدير بالعناية أنّ كتاب الباحثة ريمون-كينان، وهو من أهمّ المصادر في فنّ القصّة، حين نُقل إلى اللّغة العبريّة، لم تظهر فيه كلمة (نرتيف - נרטיב) في معنى (narrative)، وإنّما حرصت المترجمة على استعمال كلمة النّصّ وكلمة القصّة لنقل هذه الدّلالة. وكذلك الأمر في معجم المصطلحات القصصيّة الّذي كانت ريمون-كينان في هيئة العلماء الّذين وضعوه، فقد تجنّبوا كلّ التّجنّب استعمال كلمة (نرتيـف - נרטיב) العبريّة، ولا ريب أنّ ذلك كان دليلًا على حُسن ضبط اللّغة في إرساء المصطلح.

يطول الحديث في هذا الموضوع، وتتشعّب آفاق التّفكير فيه، ويحتاج المرء إلى البحث والاستقصاء في مراجع علم القصّة (Narratology) حتّى يحيط به من جميع مناحيه وأطرافه. ولا بدّ من القول إنّ ابتداع المصطلحات أمرٌ عظيم في غاية الأهمّيّة، غير أنّنا يجب أن نأخذه بالحرص والتّثبّت والرّويّة قبل أن نمنح اللّغة العربيّة ما عندها من مصطلحات، وأن نعود أوّلًا إلى ما أورده قدماء النّقاد والعلماء في الأدب العربيّ، كالجاحظ، والسّكّاكيّ، والخطيب القزوينيّ وابن الأثير وسواهم، وهم كُثْر، هذا مع الاطمئنان إلى ظهور مصطلحات ونظريّات جديدة، لم يكن لها حظّ من النّظر والعناية عند القدماء.

2021-07-03