الأحد 24/11/1442 هـ الموافق 04/07/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قصة قصيرة "العجوز والعروس"...شوقية عروق منصور

كلما اردت اثارة غضبه وسماع بعض شتائمه المحببة المتوهجة بالعبارات الغريبة التي تثير الخيال وتدفع المرء الى الضحك أقوم بفتح صندوق كنز ذكرياته ، والمفتاح السحري للصندوق اسم زوجته  .

 هو يملك في ذاكرته الصناديق الضخمة من الصور والاغاني التراثية والحكايات عدا عن تجربته الغنية في الحياة ، لكن حكايته مع زوجته كانت القصة التي يلعنها ويثير خلفها غبار الندم ويصرخ بأعلى صوته " آخ " من عمق صدره ، الذي انهكه شرب الدخان وحطمت اضلاعه الامراض التي غزت جسمه ، لكن لم  تجد في جلده مأوى يستحق الغزو، بل وجدت في عظامه خاصة اضلاع صدره ، القلاع التي تتحصن بها ، وكأن تلك الأمراض أقسمت أن تزرع في الأضلاع الأوجاع والآهات الليلية ، ولا تبتعد تلك الاوجاع الا عندما يقص الحكايات التي عاشها أو التي سمعها من والده وجده ، أما قصته مع زوجته فهي القصة التي كلما سأله احدهم عنها يشتم ويلعن بأعلى صوته " يلعن هديك الساعة " .

زوجته العجوز لم تهتم للغمز واللمز وقصتها التي سئمت من سماعها،  وتؤكد للجميع مهما حكى هذا العجوز الخرفان ، يكفيها العائلة اللي اسستها.. يكفيها الشباب المتعلمين اللي جابتهم وربتهم احسن تربية ، هو فاضي وعامل قاضي ، شاطر بالحكي وتفصيل القصص .

الزوج العجوز لا يكف عن الشكوى ويعتقد أن القدر قد قام بخيانته بهذه الزوجة، بل اضاف للخيانة قلة الحظ في الحياة  ،حيث التصق به الفقر حتى اليوم  الذي لم يعد بعيداً عن القبر .

- شو عمل ابو مرتك فيك ؟ سألته وأنا احاول اخفاء ابتسامتي .. !!

كأن فوهة البركان كانت مسدودة بورقة .. ما ان هبت رياح السؤال حتى طارت الورقة وثار البركان ..

قال بغنوا ... قال كانوا يغنوا ...!!

يا ريتك مباركة علينا علينا ..

وتبكري بالصبي ويلعب حوالينا ..

أي صبي .. واي لعب ... آه .. أه ..

كنت واقف وراء الباب ... سمعت النسوان بقولوا ... أجا العريس ... أجا العريس ..!!!

من بين مسامات الطرحة البيضاء شوفت وجهها ... مسكتني امي وجرتني لنص الغرفة ، شفت حالي بارقص مع النسوان قريباتي .. خواتي وعماتي وخالتي والكل فرحان .. جابوا العروس واجبروني على الامساك بإيدها ، العروس بتلف معي والطرحة على وجهها .. اعترف أني ما بعرفها منيح ... لكن شوفتها هي تملي عند العين ، اعجبتني .. حكيت لأمي عنها فوافقت ، فعلاً تمت الخطبة وكنت اراها من بعيد لبعيد ، كنت أخجل احكي معها .

تعبت من الرقص وشعرت بالاختناق، طلبت من النسوان اني بدي اقعد جنب العروس التي جلست قبلي على الكرسي الذي وضع على طاولة .. وقبل ان اجلس جاءت والدتي وطلبت مني كشف الطرحة عن وجه العروس .

 ما أن رفعت الطرحة عن وجهها حتى صعقت .. انها ليست المرأة التي اخترتها وقبل أن  اخرج من ذهولي ودهشتي ، امسكت أمي برأسي وبرأس العروس وخبطتهما ببعض ، شعرت أن رأسي قد اصطدم بصخرة وليس برأس امرأة  . واشار العجوز الى مكان الضربة، ثم أضاف قائلاً : شعرت ان العالم قد ضاق بي والنار قد شبت في شراييني ، عندما حاولت شقيقتي ان تجبرني على الشرب من ابريق الفخار الذي جهزته للعروسين ، لم اجد امام طلبها  الا و يدي  ترمي بالإبريق على الارض ، لقد سمعت صوت تحطيمه ورأيت الماء المسكوب المخلوط بالسكر بين أقدام النساء يتسلل هارباً ، متشعباً نحو انحاء الغرفة .

 كان يعتقد ان شرب الماء المخلوط بالسكر يجعل حياة الزوجين حلوة .. لكن أنا حطمت هذا الاعتقاد بتحطيم الابريق، عندها رأيت العيون الجاحظة أمامي الشاخصة نحوي بطريقة تتهمني بالجنون والفجور .

تلك اللحظة  كنت مجنوناً ، حتى في مرتبة أعلى من الجنون لأن الخديعة كانت أكبر من عقلي واحترامي للموقف ، وبينما  كنت اشتم وصوتي يعلو فوق اصوات الغناء حاولت العروس ان تقوم عن الكرسي الموجود فوق الطاولة بسرعة ، واذ بالطاولة تهتز ثم تميل الى اليمين وتسقط على الارض ، وبسقوط العروس على الارض اكتملت الحكاية حيث اخذت تبكي وقد اكتشفوا بعد ذلك ان يدها قد كسرت بالإضافة الى قدمها التي التوت ، والتفت النسوة  حولها وكشفن عن وجهها ورأيت الكحل مخلوطاً بأحمر الشفاه والبودرة البيضاء مثل الشيد، والحول في عينها اليسرى جعلني اكمل صراخي ،  لقد كانت بشعة .. وتحول العرس الى حالة هدوء وهمهمة وهمس بين المدعوين والمدعوات حتى الصغار كانوا يتحدثون عن العريس الذي جن من فرحته .  

هرع والدي وعندما عرف كيف تصرفت، ضربني لكن عمي الكبير اخذني بعيداً وقد شرح لي لماذا قاموا بتبديل العروس ، والد العروس طلب مهراً كبيراً ، وعندما وجد والد العروس ان والدك لا يستطيع دفع المهر ، قال له يستطيع تزويج ابنته الكبرى بدون مهر ، هي ليست جميلة وتعاني من حول في عينيها ، لكنها " معدلة " تطبخ وتطرز وتملي مي .. ووافق والدك ، انه وفر ثمن المهر لتزويج ابنه الثاني .

اخذ والدي يتوسل واعمامي واخوالي طلبوا مني السكوت خوفاً من الفضيحة وتهكم الناس في القرية علينا .. حاولت البقاء على عنادي لكن كل شيء كان باسم والدي وأنا لا املك شيئاً غير قمبازي .

 شعرت بالضعف امام الاقارب الذين طلبوا مني العودة للعروس وحرام على الرز واللحم  واللبن والمصاريف الأخرى التي دفعها والدي ، هاي المرأة تعيش معها كم سنة ،  وفي المستقبل اتزوج غيرها... أختار المرأة التي اريدها .

عشت العمر معها .. كلما اردت التفكير في الزواج انظر الى اولادي الذين وضعوني في سجن الابوة ، لكن حتى اليوم انا لا اطيقها ولا استطيع العيش معها .

منذ زمن طويل لم ار العجوز واسمع شتائمه الموجهة لحظه السيء ، لكن عندما سمعت ان زوجته قد توفيت ، قررت ان ازوره ..وكنت على يقين أنني سأراه فرحاً مبسوطاً ، فقد تخلص من كابوس عاش فوق صدره سنوات طويلة ، عاش معها رغماً عن أنفه وعلى حساب الخديعة ، فوجئت بحزنه وبكائه .. يتغزل بزوجته وبخدمتها له واخلاصها لبيتها واولادها ، هي سبب نجاحهم واستقرارهم وليس هو .. هو لم ينتبه لها ، كان يندب حظه  ويلعن الاقدار ، دون ان يشاركها في تربية الاولاد .. انه الآن انتبه أن اولاده كبروا واصبحوا هم ايضا آباء .

بعد اسبوع من وفاة زوجته توفي العجوز، لم يتحمل الجلوس لوحده ، لقد كان وجود زوجته يمنحه الشعور بالظلم الدائم ويجد ببث شكواه وبخديعة زواجه التمتع والرضى النفسي والكسل وعدم التفكير ، ولكن الآن بعد غيابها لن يتحمل البقاء صامتاً دون ان يجد ضحية له ، يتحدث عنها  يلقي عليها سبب فشله الدائم وعجزه عن النجاح .

شوقية عروق منصور - فلسطين

 

2021-07-04