الأحد 22/12/1442 هـ الموافق 01/08/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في المياه المالحة لرفيقة البحوري/ بقلم :فوزي الديماسي

البحر عالم ظاهر باطن ، غاضب هادئ ، متقلب ثابت  ، كريم غادر ، متقدم متأخر ، هو الحياة في اضطرابها وسكونها ، في أفراحها وأشجانها , يختزل في زرقته صفاء الحياة وبهجتها ، وفي ظلمته ظلمها وقهرها وتنوع تجاربها واختلافها ، كالنفس الأمارة بالسوء تارة يبدو  ،  وكالطوية النقية أطوارا يبزغ  ، تلك هي مناخات كتاب أستاذتي في مدارج كلية الآداب بسوسة ذات يوم السيدة رفيقة البحوري الموسوم بعنوان  " في المياه المالحة " .

مناخاته من فصل إلى أخر تراوح مكانها بين رصد الذاتي واقتفاء آثار الموضوعي ، كأنها البحر صفحات متنها ،  محكومة بقانون المد والجزر الحبري مرة ، وبقوانين العواصف الهوجاء , أوالنسيم العليل  مرات، لعبة الوجه والقفا على حد تعبير سيدي توفيق بكار كتابتها وطبيعة سردها ، تلاعب الماء ماء الذكريات حينا ، وتصارع أمواج الحياة المتلاطمة أحيانا أخرى ،  وتعانق زرقة الأفق ونور شمس الصباح المستلقية على صفحة الماء زمنا  ، وتعاند مخالب القدر العنيد أزمانا ، وبين محطة وأخرى ترسم بريشة من ألم وأمل نضال امرأة في العالمين عاشت على ضفة البحر حتى استبطنت قيمه وتمثلتها ، وحفظت تراتيله وقداسه عن ظهر قلب وحملتها ، فحلت فيه حلول المجذوبين في حلقات الوجد ، فألقى عليها "بردته"  وبارك سعيها بهديره وكلماته التامات في هيكل الحب ، فاستحالت بين يدي موجه " رابعة"  الوجد والحلم ، حتى اختزلته في حياتها في الناس قيما وسلوكا وديوان حياة وطريقة إقامة في العالم  ، تتحدث به، وعنه، ومن تحته، ومن فوقه، ومن خلفه، وبين يديه، گأنه في علاقته بها  "أنا أعلى " سكن فؤادها وعقلها البراني والجواني معا  ، فسكنت  إليه ، وامتدت بينهما جسور المحبة والمودة.  هو كتاب رحلة في كثير من أبوابه ،  رحلة كاتبة في مناكب الوجع والحلم ، متلبس بأدب السيرة الذاتية يبدو  ، أو هكذا نظن للوهلة الأولى ، إنما هو دفاتر ترصد لحظات ذاتية مفصلية (الطفولة، الحب، الحياة الطلابية ، المشاركة في الاستحقاقات السياسية .... ) وأخرى موضوعية خطير وقعها على مسارات البلاد ومآلاتها ( أحداث الحوض المنجمي، إضراب طلبة  كلية الاداب بسوسة ، والمحاكمات الجائرة ، الثورة التونسية وانتصاراتها وتقهقرها ، إتحاد المرأة ، الانتخابات التشريعية بعد الثورة ...)...  أثر متقلب مضطرب عملها ، للتداعيات أقرب، وبها ألصق  ، شبيه بفن البوح في كثير من منعطفاته  ، لا يخضع لأفقية الزمن ، وغير ملتزم بخطيته ، بل حاله كحال الأمواج في البحر الزاخر بأسراره ، ٱمواچ مختلفة متنوعة متلاطمة ساكنة هادرة غائبة متدافعة هامدة . يختلط فيه الزمن النفسي بالزمن الفيزيائي  ، ويتقاطع على ٱديمه الذاتي والموضوعي  ، فلا نكاد نقف مع بوح الكاتبة في صحيفتها تلك على أرض صلبة، بل هي رمال مائية متحركة تسوق اللحظة السردية كما اتفق ، مثلها كمثل بشر مكلوم يجلس في وحدته على صخرة يتيمة على شاطئ قفر تتقاذفه أمواج الأوجاع والأفكار ، تلك هي فصول الكتاب وتلك هي ملامحه ، تذرع الكلمات بين دفتيه الذاكرة القريبة والبعيدة  جيئة وذهابا لتقتنص اللحظات الهاربة فترسمها بلغة جريئة صادقة لا تورية فيها ،ولا تقية ,ولا تكلف .. لغة بسيطة عميقة لغة الكتاب ، يلفها الوجدان من كل أقطارها ، وتحاول أن تخرج على الناس بكلمات قريبة من الناس جميعا ليكون الحديث فيها من القلب إلى القلب ، وكذا كان ، فتقلبنا في مياهها المالحة والراكدة معا ، وعرفنا معها دروبا عديدة ووجوها متنوعة بين حصون الجامعة ,ومقرات الإتحاد العام التونسي للشغل ,والمدرسة زمن الطفولة ، ومقرات القطب ، 
وعديد أماكن أخرى ساهمت في نحت كيان رفيقة البحوري وساعدت  على بناء شخصيتها ، فهي الجامعية والنقابية والمناضلة السياسية ، وهي المرأة التونسية المؤمنة بأن الحياة كدح وسعي ونجاح وسقوط ومحاولة لنحت الكيان كيان الأمة الموغلة في تخلفها الحضاري والمعرفي والسياسي

2021-07-23