الأحد 15/12/1442 هـ الموافق 25/07/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في وداع الصديق خليل رزق....المتوكل طه

خرج اليوم محمولاً على كلماتٍ وصلت حدّ القشعريرة وكنّا ننصت لقلبه الحيّ الطيّب ، فكان يغمغمُ بأغنياتٍ حفظناها معاً في المعتقل ، عن الحصن المنيع والبلاد وفتح والانتفاضة العبقرية .. لكنه أعلى صوتَه وهو يقول "لا يوجد ثغرة صغيرة في القلعة .. أخشى عليها من الانهيار" ، وربما ، هذا الذي أوجعه أو أماته ! فماذا عسانا نقول لأُهله الذين ربطوا نَوْمَهم بأحلامه المقتولة ، ولم تُحقّق العناق الواجب بين فؤاده المحتشد وقرية أبيه المنهوبة ؟
كان حمامة السماء الأنقى ، واسماً من أسماء السماحة والانشراح والطاقة الإيجابية ، وكانت الأجراس ترنّ بين ضلوعه للحياة والأمل والإشراق، مثلما كان معجوناً من طين هذي الأرض .. ومَن يحبّ بلاده يرى الله !
كنتُ أراه هادئاً مثل غابة ، وعند ذكر فلسطين ، بمفرداتها الصعبة الذابحة ، يعرق مثل حصان برّيّ ، فأدرك أنه يتحفّز لمواجهة الشيطان الذي بدا عارياً من كل تنكّراته .
اليوم ، كان الصمت حارقاً يدبّغ وجوه الذاهلين ، وكانوا يستذكرونه معتقلاً طَلِق الوجه ينبوعا عذبا طازجاً مثل الفردوس المأخوذ إليه . لكنّ مشهد التلّة المقابلة المسروقة لا زالت على خوفها ودمها وفجائعها .. وهذا الذي سيعكّر على أهل الجنّة جنَّتَهم .
سينبت خليل مع الربيع الآتي حنّونا وشقائقَ وفرفحينا ، وسينهض في نسغ الزيتون عَرشَا أبدياً لسلام هذه الأرض البهيّة . 
واليوم ، يحقّ لنا أن نحزن ، فعلى مثله تبكي البواكي ، ويحق للبلاد أن تتنهنه وتذرف الحنظل المخضلّ بالفجيعة، ولا بأس إنْ  جاح وناح  الطير وارتعش الشجر ! فقد مات واحد من أجمل الرجال وأصفاهم .. وفلسطين اليوم ناقصة .و لعلنا نحمل خليطا من المشاعر للكثير ممَّن نعرفهم ، من المحبة والانتقاد وبعض الضيق أو الكراهية أو التفادي أو الابتعاد .. لكن خليل رزق يفرض عليك أن تعشقه وتفتح ذراعيك لتعانقه ، لأنه ببساطة يحمل الحدائق في صدره ويوزّع العطر الأكثر أناقةً ويشيعه في كل ما يحلّ به أو يلتقيه .. لقد كان جنّة تمشي على قدمين .
ولفتح الحركة العملاقة ، ولأصدقائك المحبّين .. كل العزاء ، ولفلسطين الثاكل العظيمة كل العزاء على غيابك الثقيل يا شقيقي الأجمل . 
ولفلسطين أن تجد نبعاً جديداً في جسدها يمدّها بما يليق من ماء يصلح للبكاء، وَلَهاً أن تجوح على ابنها الذاهب إلى الأبدية الغائمة.
كان طبيعيا أن يحملك اليوم أخوتك وأصدقاؤك ، بهذا الحضور الطاغي ، كأنهم يودّعونك وقد خسر كلٌ منهم شيئا من البهجة والطلاقة والمحبة التي كنت َ تمثّلها . وسنفتقد جميعنا واحداً كان يخبّ مثل الغزال ، وتفيض منه الأنهار ، ويتوزّع مثل الغيمة الخفيفة على كل القلوب . 
اليوم، سنملأ صحنَ الدمع ونرنّق وشاح الشمس والتراب بالماء الكاوي ،على فجيعة تدوّي فينا لأننا ودّعنا واحداً من أشرف الرجال وأصدقهم .
يا أبا أشرف ! يا خليل الجميع دون استثناء !لقد كنتَ اسماً يليق بالحرّية والصداقة والعطاء والوفاء، وصرتَ حلماً ينبغي أن يبقى واجب الوجود، بكل ضحكاته ولمساته ومناديل لغة جسده الراعفة بالعطر ، الذي ما زال يعبق في الأمكنة.

 

2021-07-25