الثلاثاء 13/11/1445 هـ الموافق 21/05/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
"قمر وجسد مظلم"... تذكرة دخول القاص علاء عثمان إلى عالم الفن الصعب الجميل...جبر جميل شعث

 قيل إن شاعراً أميركيا معاصرا للشاعر الأميركي والت وايتمان  صاحب (أوراق العشب ) التي أسست مع ( أزهار الشر ) للشاعر الفرنسي شارل بودلير لثورة شعرية اجتاحت العالم وأثرت في مفهوم الشعر منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى أيامنا هذه ... كان قد ألقى بنسخته من ( أوراق العشب ) في النار تعبيرا عن رفضها فكرة وأسلوبا وبناء وصورة .

وكنت ٍسأفعل الفعل ذاته مع المجموعة القصصية ( قمر وجسد مظلم ) وهي باكورة إنتاج القاص علاء عثمان أبو جحجوح والتي صدرت في النصف الأول من هذا العام 2021عن دار تجوال بخانيونس ، بل إني أوشكت أن أعدها كومة تراب كما وصف عباس محمود العقاد شعر أحمد شوقي وكان صادقا في الوصف ،حسب متطلبات ذائقتنا ، لكن وصفه الذي رمى به شعر شوقي ينطبق على ما نظم هو مما اعتبره شعراً أيضاً . حدث ذلك بعد قراءتي للقصص الأربع الأولى من المجموعة ( من سينشد لنا ومن عمواس والزنبق وحلم أم علم ) اللائي بدون لي أقرب إلى الإنشاء المدرسي وأبعد عن أبسط محددات هذا الفن الصعب الجميل . ولكنني عدلت عن ذلك ربما لأسباب نوستالجية أو لمعرفة سابقة لي بالفضاء الأدبي والثقافي الرحب الحيوي الإبداعي الذي أطل علينا منه الشاعر بعمله الأول هذا . فواصلت قراءة المجموعة لأجد ما يرضيني ولما يستجيب لمحددات هذا الفن الصعب الجميل وكأن القاص  قد صحا من غفوته وشرع يكتب قصة قصيرة تستحق هذا التجنيس ؛ فقد لمسنا تطورا سريعا في أسلوب الكتابة وفي توظيف الصورة وفي التركيز على الموقف وفي الإمساك بلحظة الزمن ؛ زمن الموقف وفي الإيحاء بمكان الحدث من خلال السرد دون الغرق في تفاصيله وكذلك الإفادة من لغة السينما ( الجملة اللقطة ) كما في قصص : تذكرة دخول وقمر وجسد مظلم  وأبي ولعبتي وزرقة عينيه ودقيقة فقط ... كذلك لمسنا سعي القاص لشحن جملته بجرعات شعرية – بقدر ما – والإفادة من لغة المسرح في توظيف عنصري الحوار والصراع ، وقد اجتهد القاص أن يجعل من نهايات ( قفلات ) قصصه مساحة لتأويل المتلقي ولتعدد القراءات لكنه لم يوفق كثيراً ؛ فقد جاءت معظم النهايات مغلقة جاهزة وهذا يحرم المتلقي  وربما يريحه من عناء التأويل والنظر السابر ومن متعة تصور ووضع نهايات  من خلقه للقصص آتية من تفاعله مع النص ومن متراكماته القرائية المختلفة .

قد يرمينا البعض بالقسوة ، وبالإمساك بمبضع حاد ونحن نقارب تجربة أولى لكاتب ، وقد يلقي البعض سؤال : هل تحتمل تجربة أولى كل هذه القسوة وقد نتهم بالتعالي وادعاء الأستذة ... وهذا سؤال محق ومشروع ولكن إجابتنا واضحة عالية : لا مجاملة في الفن ولا مديح مجاني يضر بالكاتب ويلقي به في مهاوي الرداءة . وإن كانت هناك قسوة فهي قسوة المؤمن بالموهبة الحريص على متابعتها ونمائها بشكل فني طبيعي سوي وعلى كشف مناطق العتمة في النصوص بغية إضائتها للكاتب المعني بتوهج وانتشار ما ينتج من فن يسعى إلى اكتماله فكرة وبناء ورؤيا .

 

دار جدل كثير حول الوعي واللاوعي حين تخلق النص ، فرأى فريق أن الكاتب حين يكتب النص يكون في حالة وعي تامة وفريق ثان رأى أن اللاوعي هو المنطقة التي يتخلق فيها النص وفريق ثالث مال إلى المنطقة الوسطى بين الوعي واللاوعي . ورأينا أن الشعر قد يأتي من منطقة اللاوعي أو من البرزخ الذي يفصل بين الوعي واللاوعي الذي هو وليد اللغة كما يقول المحلل النفسي المابعد بنيوي ( لاكان ) ولكننا نرى أن الكتابة السردية تصدر وتتخلق في لحظة وعي تامة من السارد ؛ كون النثر ينتمي أكثر من الشعر إلى لغة العقل والاستقرار الانفعالي  . وعليه يبدو من المتعذر علينا أن نقارب عملاً سردياً في ضوء المناهج النسقية التي لا تأبه لشيء خارج النص . من هذا التصور سنحاول قراءة قصتي تذكرة دخول وقمر وجسد مظلم سياقياً ، فالكاتب في هاتين القصتين في حالة تلاحم مع الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحكم وتتحكم في الفضائين المكاني والزماني اللتين تدور في مجالهما القصتين فوسيم الشخصية المحورية في قصة تذكرة دخول الطفل الذي لايتوفر على أبسط احتياجاته كاللعب مع رفاقه ،في ظل أسرة مستورة الحال هذه الأسرة التي تعاني كباقي سكان قطاع غزة من نقص في أساسيات المعيشة ؛ فالماء في الصنبور شحيح ومروحة السقف متوقفة لانقطاع التيار الكهربائي في جو حار حارق رطب والوالد الفقير الذي لا يستطيع أن يوفر لابنه ثمن زهيد ليدخل بها المنتزه مع أترابه ... كل تلك الجمل ساقها الكاتب كإشارات على الأوضاع المزرية التي يعيشها الغزيون في ظل تحديات اجتماعية واقتصادية صعبة مصدرها حالة عدم الاستقرار السياسي والتي من أهم أسبابها الاحتلال والانقسام الداخلي في الوطن المحتل الواحد .

لقد تبنى الكاتب في هذه القصة بقصد أو ربما بغير قصد نظرية الانعكاس أو المحاكاة بالمنطوق الأرسطي وخلاصتها : الفن مرآة المجتمع . وهو في هذه القصة لم يعط شخصياته حقها الكافي من نموها الدرامي فشخصية الأب كان يمكن لها أن تكون أكثر فاعلية وتأثيراً في حدث القصة ، كما أنه غيب دور الأم ولم يشر إليها إلا لمحا ومن المعروف أن الأم في موقف كالذي كان فيه وسيم من المفترض أن تكون شخصية نامية تؤثر في تطوير الحدث وتغيير الموقف ، كما أن الشخصيات الثانوية الأخرى كالأخوة والرفاق وحارس المنتزه لم يكن لهم أي تأثير في خط القصة الدرامي الصاعد . كما أننا نأخذ على الكاتب عدم التفاته إلى الإيجاز والوقوع  في الإسهاب وإطالة الجمل المفسرة والحشو الذي أضعف حبكة القصة . فالإيجاز في القصة القصيرة يجعل منها أكثر نضجاً فكراً وفناً والإيجاز صنو الموهبة كما يقول تشيخوف .

أزعم إن الكاتب كان يدرك أن قصة قمروجسد مظلم هي واسطة عقده ؛ لذا جعلها عنواناً لمجموعتة القصصية، ونحن هنا لن نلوذ (بالسيميولوجيا) لنحلل العنوان(قمر وجسد مظلم) وإن كنا نحب تطبيق هذا المنهج النسقي الأعلى والأمتع والأرقى ، وربما نفعل ذلك في مقاربة أخرى.

تسلط القصة الضوء على قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون ومعتقلات الاحتلال ، وهي قضية إنسانية تؤرق الفلسطينيين على المستويين الرسمي والشعبي ويعد الإفراج عنهم بشتى الطرق ضمن الثوابت الوطنية المقدسة . ونحمد للكاتب في هذه القصة استخدامه للمونولوج من خلال شخصية الزوجة المحورية وتغلغله في دواخل نفسها وما يجول فيها من انفعالات وأمنيات وذكريات وهي تتهيأ لزيارة زوجها في المعتقل . وقد وسع الكاتب المساحة التي دار فيها المونولوج ( الحوار الداخلي ) وضيق مساحة الديالوج ( الحوار الخارجي ) الذي دار بين الأم وابنها وهذا ما جعل القصة تنمو درامياً وسيكولوجياً مما جلى الموقف المعالج وجعل نهاية القصة منطقية وإن شابها بعض تأنيب النفس والندم من الأم التي لم تخبر ابنها ،الذي كان متشوقاً لرؤية أبيه ، بعدم مرافقتها في الزيارة لأن الا حتلال رفض منحه تصريح لذلك .

ولك أن تتخيل الحال النفسية التي سيكون عليها الابن بعد حرمانه من زيارة أبيه الذي أعد له نشيداً ولبس أجمل ما عنده ليبدو جميلا فرحاً حين يراه أبوه . وقد نجح الكاتب من خلال هذه النهاية أن يجلي لنا البعدين الاجتماعي والنفسي فضلاً عن السياسي لاستمرار الأسرى الفلسطينيين وهم طلاب حق وحرية في سجون ومعتقلات الاحتلال .

في هذه القصة ( قمر وجسد مظلم ) إيجاز محمود فلا زوائد جملية ولا حشو مبتذل وقد اقتصد الكاتب فيها في اللغة . ويمكن لنا أن ننسبها إلى الواقعية القذرة والقذارة هنا منسوبة لممارسات الاحتلال الهمجية الوحشية المدجج بإيديولوجيا دينية / سياسية مسنودة على القوة والاستقواء .

والواقعية القذرة مذهب في الشعر والقصة ظهرت في أميركا في ثمانينات القرن الماضي وكان رائدها الشاعر والقاص الأميركي الفذ ( ريموند كارفر 1938-1988) الذي شكل صوتا جديدا في ربط الخيال بالواقع عبر الكتابة بلغة بسيطة تصور الألم والمعاناة عند الطبقات المهمشة والمسحوقة والمستضعفة والذي لقب ب( تشيخوف أميركا ) تجلة له وتكريماً واعترافاً بفنه وإنسانيته . وحتى نربط الكلام بعضه ببعض ؛ فإن جل شخصيات مجموعة قمر وجسد مظلم هم من الطبقات الشعبية المهمشة والجماعات المستضعفة والأشخاص الباحثين عن فردوس مادي أو معنوي لهم مفقود ، وقد تميزت لغة المجموعة بالبساطة القادرة على إيصال الفكرة وتجلية الموقف وعلى الالتزام بمحددات  القصة القصيرة ، إلى حد مرضٍ، سيما وأنها التجربة الأولى للقاص علاء عثمان . وهذا يدفعنا للقول في غير ما تزيد ولا مجاملة : إن هذه المجموعة القصصية منحت كاتبها تذكرة دخول إلى عالم الفن الصعب المراوغ الجميل ... عالم القصة القصيرة .

 

*شاعر وناقد فلسطيني يقيم في غزة 

2021-08-18