الأحد 4/2/1443 هـ الموافق 12/09/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
نفق الحرية بين التضليل المعادي والإسناد المتصاعد.....بقلم: جودت مناع


مارست سلطة الاحتلال الإسرائيلية حملة تضليل إعلامي غير مسبوقة منذ اليوم الأول لانفضاح انهيار منظومتها العسكرية داخل وحول معتقل جلعود بين أن تحرر 6 أسرى فلسطينيين من "الخزنة الحديدية" كما تسميها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حيث نجحوا بتجاوز أسوار المعتقل عبر نفق أسف المعتقل. لقد تجاوزت حملة التضليل نطاق أهدافها بهدف النيل من صلابة الجبهة الداخلية الفلسطينية بنشر معلومات كاذبة حول مصدر وشى بمكان وجود الأسرى الذين أعيد اعتقالهم في منطقة الناصرة بهدف تمزيق النسيج الوطني الفلسطيني في منطقتين فلسطينيتين احتلتا في فارق زمني بينهما 20 عاما. خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة عدة أيام بحثا عن الأسرى كانت الدائرة العسكرية المصدر الوحيد للمعلومات التي تصدرت وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة.

وبرغم المعرفة الأكيدة لسياسة الكذب المفرط لذلك المصدر إلا أن بعض النشطاء الفلسطينيين والعرب على مواقع التواصل الاجتماعي تبادلوا تلك المعلومات دون التأكد من صحتها ما أثار حفيظة نصراويون مستهم عبارات القدح والذم وكيل الاتهامات الباطلة من جهات أغدقت في حماسة غير محسوبة. ولوحظ غياب الإعلام الرسمي الفلسطيني عن التراشق بالكلمات في الوقت الذي برز فيه نشاط المدونين على صفحاتهم الخاصة على شبكات فيس بوك وتوتر وغيرها من المواقع. المعلومات الإسرائيلية الكاذبة لم تنحصر في مزاعم حول الجهة التي دلت على مكان الأسرى الذين أعيد اعتقالهم بل حاولت كسر القيم العربية بالقول إنهم طلبوا الغذاء من مواطنيين فلسطينيين ورفضوا تقديمه لهم. وفي الوقت الذي ذكر مصدر الإعلام المعادي أن القبض على الأسرى الأربعة تم في هذا المكان وذاك فإن مواطنين فلسطينيين دحضوا تلك الرواية وشككوا في مصداقية المصادر العسكرية الإسرائيلية.

التضليل الإعلامي في هذه العملية التي هزت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في معتقلاتها أفضى بتلك المعلومات لاستهداف فئتين: الأولى هي الشعب الفلسطيني الذي هب لمساندة الأسرى وثانيا الاسرى المتوارين في مناطق متباعدة للتحكم في الحالة النفسية وإحداث اضطراب في خطة النفاذ من خطر الوقوع الأسر مرة أخرى. ومما يلاحظ أن القيادة العسكرية الإسرائيلية دفعت بقوات برية وجوية كبيرة في مساحة جغرافية ضيقة قللت من حجم وقيمة رد الاعتبار بعد إصابتها بهزيمة ساحقة إثر تفوق العقل الفلسطيني على العقل الإسرائيلي المستند إلى تكنولوجيا متقدمة وعتاد عسكري متفوق في مواجهة أسرى عزل.

واشتملت التسريبات الإعلامية المعادية على صور بأسماء وهمية وأحداث قديمة لإرباك الحراك الفلسطيني المساند للأسرى بعد تحررهم الذاتي من معتقل جلعود كالحريق الذي تناقله نشطاء فيسبوكيون على صفحاتهم أو صورة جندي إسرائيلي لا يتطابق مع إسم نعت به خلال النشر. ويبدو أن القيادة العسكرية الإسرائيلية أعدت استراتيجيتها الإعلامية هذه على وجه السرعة بالتزامن مع حملتها العسكرية واسعة النطاق لتحقيق الأهداف المرسومة لها.

تلك الاستراتيجية كانت ولا تزال محكمة على نحو يشبه تلك المعدة لحرب كبيرة تبرر حملتها العسكرية من أجل إعادة اعتقال الأسرى الفلسطينيين الستة. لقد أظهرت استراتيجيات الحملات الإعلامية كتلك التي استخدمت في الحرب على العراق وأخرى خلال ما سمي بحملة "السور الواقي" العسكرية عند اجتياح الضفة الغربية عام 2002 حجم الدعاية الكاذبة لتبرير العمليات العسكرية على الأرض وبإقناع واستمالة للرأي العام إبان الحرب.

غير أن الجانب الفلسطيني أخفق هذه المرة في التعامل مع الإعلام المعادي مما أظهر تفوقا دعائيا لدى جانب سلطة الاحتلال الإسرائيلية نظرا لتعدد مصادر الأخبار في الجانب الفلسطيني الناقلة للمعلومات الإسرائيلية مقابل مصدر إسرائيلي واحد هو القيادة العسكرية وأذرعها الإعلامية في وسائل الإعلام الإسرايلية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك تحليل فضائية فلسطينية الذي اعتمد على معلومات نشرها الجانب الإسرائيلي بحماسة سهلت تناقلها على وسائل التواصل الاجتماعي في حين غابت أي معلومات مصدرها الجانب الفلسطيني. ومع استمرار البحث عن أسيرين اثنين نجحا في النفاذ من نطاق عملية البحث العسكرية الواسعة حتى الآن، تحاول المؤسسة الإعلامية العسكرية الإسرايلية الإيحاء بأن الاثنين تفرقا وأن أحدهما استطاع الوصول إلى جنين والآخر لا زال في منطقة تسيطر علسها إسرائيل منذ عام 1948.

وفي أوج عملية البحث عن آخر اثنين من مجموعة الأسرى، لا يمكن استبعاد توغل عسكري إسرائيلي في مدينة جنين ومخيمها في ضوء المعلومات عن تشكيل قوة دفاعية مشتركة بين منظمات فلسطينية تتأهب لاحتضان أحد أبرز قادتها من جهة ولصد أي عدوان محتمل وهو ما يستدعي تعاظم الدعم للأسرى. بقي شيء أخير... الحراك المتصاعد في مدينة الناصرة قد يتسع ليشمل مدن ذات أغلبية فلسطينية في المناطق المحتلة عام 1948 ليتطور ويلتحم بحراك الضفة الغربية وقطاع غزة وهو ما ينذر بانفجار أمني قد يعقب عملية نفق الحرية بما يتماهى مع المواجهة الأخيرة الدامية في القدس بين المواطنين الفلسطينيين وجماعات استيطانية إرهابية هاجمت مدينة القدس. بين ضراوة الحملة العسكرية الإسرائيلية وماكينتها الإعلامية المضللة من جهة وحراك الإسناد الوطني لأسرى عملية نفق الحرية تحت قاعدة معتقل جلعود ينبغي مراجعة منظومة النشر على وسائل التواصل الاجتماعي بعدم ترويج الاخبار المعادية، توخي الدقة، تحمل المسؤولية والاعتماد على المصادر الوطنية بحذر يراعي الأمن الوطني الفلسطيني ومتانة جبهته الداخلية. . .

انتهى 

2021-09-12