الثلاثاء 24/4/1443 هـ الموافق 30/11/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
وداعا سعيد عياد .....بقلم جودت مناع

 على مدى عمر من الكتابة كم استودعنا عظماء الانتفاضة الأولى وما بعدها أسرار الكفاح الوطني. وكم تجمعت لدينا قصص عن الابطال وكم امتلأت اوراقنا بمقالات وتحقيقات صحفية يصعب حشرها جميعها في يوم واحد فوصلنا الليل بالنهار مها لتفريغ حمولة من المعلومات.

كان لذلك ثمنا مؤلما لكنه حلو. تذوقته على مراحل في الاسر وفي فترة المطاردة وتقييد حرية التنقل والسفر لسنوات طويلة، وقطع الاتصال الهاتفي وإحراق وتدمير وإغلاق مؤسستي الصحفية عدة مرات والنجاة من موت محقق عندما أصبت بعيار معدني إسرائيلي، وبين كل هذه المعاناة تفاصيل ألقيتها خلف الأفق.

ولا أنسى تخريب بعض المارقين الفاسدين ووضعهم عراقيل في عجلة العمل الصحفي والأداء اللامهني، وبرغم ذلك مضينا نحو المستقبل وإن لم نصل إلى نهاية الطريق. ولتجاوز تلك الإجراءات الإسرائيلية كان لبعض الزملاء الصحافيين الوطنيين أن تحملوا المسؤولية البديلة في غير مرة من بينهم أنت الذي تعامل طبقا للمثل القائل: " شيلني بشيلك" بمفهوم وطني. وهكذا تبادلنا تلك المسؤولية برضاء تام ينبع من الالتزام الوطني المشترك ومنها الإحلال الوظيفي بتوزيع الموضوعات الإخبارية لوسائل إعلام كنت تعمل مراسلا لها في ظروف صعبة، ومن جانبك تحملت استخدامي لمكتبك بعد تخريب جهاز الفاكس خلال اقتحام جيش الاحتلال لمكتبي وفي فترة إغلاق مؤسستي الصحفية في بيت لحم وقطع الاتصالات الهاتفية عنها وفي منزلي أيضا بأمر عسكري.

وعندما أصابك وباء كورونا، اتصلت بك لأطمئن على صحتك، لم اثقل عليك كثيرا لمعرفتي بمعاناة المصابين بهذا الوباء وقدرتهم الضعيفة على التنفس. تمنيت لك الشفاء فابتهلت بالدعاء إلى الله أن يبعد هذا الوباء عني وعن كل الأصدقاء. وفي صباح الجمعة الحزينة وصلتني رسالة نصية في زحمة العمر مفادها أن كورنا نالت منك بعد أقل من أسبوعين على إصابتك، لم أثق بالرسالة، تصفحت وسائل التواصل الإعلامي وصفحتك، حينئذ تأكدت من صحة هذا الخبر السيئ. لبسني الصمت بضع دقائق وأنا أكاد لا أصدق. لم أتمكن من إخفاء حزني وألمي في تلك اللحظة على رحيل صديق عزيز يستحق الدموع. رحلت يا سعيد.. أيها الإنسان الصحفي المهني الوطني الجريئ بعد عدة عقود كنا خلالها شركاء في تبادل المعلمات والتغطية الصحفية المشتركة للأحداث. ولا أنسى بعض المواقف المشرفة. رغم التحامي بالغربة الجبرية يا صديقي كان رحيلك مفاجأة داهمت وقتي دون استئذان، لبيت لحم وحدها أقول كم نتوق لتغطية أخبار المظاهرات في المدينة وقراها ومخيماتها.

شاق هو الفراق الأبدي يا سعيد ومع ذلك علينا أن ندرك مفهوم الموت، طبيعي أن نفرح في ساعة الميلاد لنتمكن من العيش فكان البكاء في لحظة الموت ولولا ذلك الفرح ما كانت فاجعة الفراق. فراقك انتزع قطعة من وجودنا، وهكذا نرجع باكين ونجلس في كل مكان محزونين الموت لأن الموت أصعبُ أنواع الفراق، لذلك يغرقنا بالحزن حتى نعتاد عليه. يا صديقي لا أحد فينا آمن من أن يسرقه الموت قبل الأوان... وهو الأقسى، أعرف أن غيابك سيطول بعد أن انسحبت حياتك من حولنا.. فإن غيابك الأبدي أضعف طاقتنا بعد أن تجاوزت حدود تحملها كلما رحل عنا أعزاء على قلوبنا. رحيلك يا صديقي في خريف الموت أيقظ فينا الذكريات القديمة، كلماتك لا تموت، ابتسامتك الهادئة كانت تبعث فينا الأمل.

وعندما يسكن الغضب عينيك بعد كل ما تشاهده في الميدان من اضطهاد وظلم اسرائيلي غير مسبوق لأبنائنا وبناتنا ورجالنا ونساءنا. في فلسطين شئ من العجائب لا يعرفهما إلا الصحافيين والكتاب والغاوون. من بعد رحيلك وغيرك من الأصدقاء صرت متعب الروح، متلاش في سحابة عابرة في سماء مدينتنا. الآن اعترف.. مشكلة الصداقة أنها تبدأ بلحظات جميلة وتنتهي بفجيعة الموت.

وأنا المنفي في الغربة كالمرض المعدى يا صديقي ، ورثته أمتنا، مرض لا يمكن تفاديه أبدا إبان النكبة. يا صديقي ثمة أعزاء نفقدهم بالمرض وفي الميدان بسرعة مدهشة... ثمة ألم يصعب علينا أن نتآلف معه ثمة حُزن لا يفارقنا.. دعني أقول لك يا صديقي .. وأنت غائب عنا في مكان لا أعرفه، تألمت على رحيلك حد السماء.

جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني

 

2021-10-09