الإثنين 12/11/1445 هـ الموافق 20/05/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
إسرائيل وحماس يقودان الصراع إلى شفا الهاوية/بقلم: : أ.د. ألون بن مئيـــــــــــــــــــر

يستنتج المرء عند إصغائه لأقوال المسئولين الإسرائيليين وقادة حماس حول طبيعة الصراع بينهما وأسباب اندلاع الحرب الأخيرة بأن كلاهما على حق. ولكن عند إنعام النظر عن قرب يجد المرء على أية حال بأن كلاهما، ولو كانا على حق، فإنهما أيضاً على خطأٍ تام. لقد تمكّن الطرفان بنجاح عبر السنوات الماضية من تعزيز مفاهيم عامة تدعم قصص ومزاعم كل منهما تجاه الآخر بما في ذلك فكرة أن الطرف الآخر هو المخطىء. هذا الاقتناع والإفتقار إلى أصوات جديرة بالثقة وغير متحيزة تقول عكس ذلك من داخل وخارج المنطقة تمنع هذا الصراع المزمن والعنيف من التقيّح ستدفع كلا الجانبين إلى شفا الهاوية.

          من الصعب، لا بل من غير الجدوى أن نبيّن الآن من هو الملام في انفجار الوضع مؤخراً، أكانت الشرارة بالفعل من إطلاق النار المتعمد على سيارة عسكرية إسرائيلية من قبل أحد مقاتلي الجهاد الإسلامي من غزة حيث جُرح أربعة جنود إسرائيليين، أو من الهجوم الجوي الذي أدّى إلى اغتيال القائد العم لكتائب القسّام, أحمد الجعبري. ولكن ما تبع ذلك من ضربة بضربة للأخذ بالثأر لم يكن بكل بساطة نتيجة هذه الهجمات الأولية والهجمات المضادة، فلقد أشعلت هذه الأحداث بكل بساطة توتر يغلي منذ فترة طويلة كان سينفجر على أية حال بأي وقت وبأية طريقة لأن إسرائيل وحماس كانتا مصممتين على تغيير المعادلة على الأرض لصالحهما في هذه المرحلة بالذات.

          لقد كانت إسرائيل مصممة على إنهاء الهجمات الصاروخية التي كانت تقوم بها حماس وغيرها من الجماعات الإسلامية إلى حدّ بعيد بدون استفزاز (حيث أطلق على إسرائيل خلال الإثني عشر شهراً الماضية حوالي 750 صاروخاً أو قذيفة صاروخية) وإضعاف البنية التحتية لحماس، إن لم يكن تدميرها. ولقد اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو المعروف بمواقفه الصلبة تجاه قضايا الأمن القومي – أن يرد بعنف الآن ليس فقط لكي يرسل رسالة إلى حزب الله وإيران والجماعات المسلحة في سوريا بأن إسرائيل مستعدة للتعامل مع جميع الاحتمالات وحالات الطوارىء، بل أيضاً بسبب الانتخابات الإسرائيلية العامة في شهر يناير (كانون الثاني) العام المقبل 2013 وتصميم نتنياهو على تقوية قاعدته السياسية.

          ولدى حماس، من الناحية الأخرى، عدة أهداف. أولاً، إنها تهدف لإظهار تصميمها وقوتها تجاه السلطة الفلسطينية ذات الحلقة الأضعف التي لم تحقق الشيء الكثير من موقفها السلمي تجاه إسرائيل وتقويض جهود السلطة في السعي وراء مقعد دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة بصفتها ممثلة جميع الفلسطينيين. وتريد حماس أيضاً اختبار قوة الربط أو الصلة بينها وبين الحكومة المصرية الإسلامية الجديدة ومدى التزامها بالوقوف وراء قضيتها. أضف إلى ذلك، ترغب حماس في حشد دعم وتأييد الدول العربية والإسلامية الأخرى في صحوة الربيع العربي. وأخيراً، تتوق حماس إلى تخفيف معاناة الفلسطينيين في القطاع بإعادة تركيز انتباه العالم على الحصار الإسرائيلي.

          ومن وجهة النظر الإسرائيلية، حماس منظمة إرهابية ويتفق معها على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي. هي عدوّ تحرّري وحدوي ملتزم بشكل مطلق بتدمير إسرائيل وتنادي جهاراً بذلك وتدعم بشكل لا يلين منظمات جهادية إسلامية أخرى تهاجم أهداف إسرائيلية. وينظر لحماس أيضاً على أنها قناة التوصيل لمغامرة إيران الإقليمية. هي غير معنيّة بالسلام، لا بل عكس ذلك، فحماس تكرّس الكثير من مواردها لشراء الأسلحة، وبالأخص صواريخ (بدلاً من إشباع شعبها) وتتآمر على تقويض أمن إسرائيل في الوقت الذي تقوم فيه بتعزيز واستغلال حالة عدم الاستقرار الإقليمي.

          حماس ترى إسرائيل كقوة محتلّة قاسية لا ترحم وهي وراء معاناة وشقاء اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون على هامش الحياة في المخيمات لمدة تزيد عن ستّة عقود. حماس تنظر إلى مشاريع إسرائيل الاستيطانية على أنها برهان واضح لنوايا إسرائيل في الإستمرار باغتصاب الأرض الفلسطينية ومنع الفلسطينيينمن من إقامة دولتهم. وحماس تتهم إسرائيل بتقييد حرية حركة الفلسطينيين عمداً في حين تطبق سياسات عنصرية تعيق نمو وازدهار الفلسطينيين. علاوةً على ذلك، تنظر حماس للحصار الإسرائيلي على القطاع على أنه غير إنساني حيث أنه يجبر الناس على العيش تحت الفقر ويحرمهم من حقهم الأساسي في العيش بكرامة.

          ولو أجرينا مراجعة سريعة لمفاهيم حماس وإسرائيل حول بعضهم البعض لوجدنا بأن مواطنيهم يتقبلون بشكلٍ عام تقديراتهم وتخميناتهم. فالإتهامات وتصريحات الشجب اليومية وتصوير كل منهما للآخر على أنه مصدر الشرور لم تفعل شيئا ً سوى تعميق دائرة الشكّ وتكثيف حقدهما وعدائهما وتشتيت أية آمال في المصالحة بينهما. لا غرابة إذن أن يتطوّر هذا التفكير إلى عقليّة الحصار التي لا تترك مجالا ً لأي تخفيف أو اعتدال, وبالتأكيد أيضا ً لأي نوع من التكيّف. ولكن رغم ذلك يدرك كلّ طرف ٍ في أعماقه بأن الطرف الآخر موجود وسيبقى على الوجود. ولن يترك الموت والدّمار في الأيام الأخيرة شيئا ً سوى جروح ٍ عميقة وكوابيس مزعجة. لقد تمّ التوصّل في النهاية إلى هدنة بين الطرفين حقنت الكثير من الدّماء, وبالأخصّ على الجانب الفلسطيني. ولكن ما لم توضع الهدنة الجديدة على أسس مختلفة, ستلحق هذه على الأرجح غيرها من نماذج الهدنات السابقة التي لم تكن سوى فترات راحة قصيرة للجولة التالية لموجة أخرى من العنف أكثر قسوةً من سابقتها.

          قد تفكر حماس بأنها تسمو إلى الأعلى وستحاول أن تكسب سياسياً من غبار الدمار وموت الرجال والنساء والأطفال اللذين يستخدمونهم دروعاً بشرية. وحماس تنخدع بصرخة مجموعة قليلة نسبياً من الفلسطينيين يريدون الثأر وعرض الدول العربية للتأييد، ولكن حماس صماء تجاه أصوات أغلبية الفلسطينيين في غزة اللذين يريدون العيش بسلام. لقد سئموا وتعبوا من الخضوع لأهواء قادة متطرفين يخوضون حروباً باسمهم في حين أنهم يدمرون أسس نسيج المجتمع الذي يدّعون بأنهم يحمونه. لم تفعل حماس شيئاً سوى استخدام الناس كحملان تضحية لتعزيز طموحاتها العمياء التي لن تجلب شيئاً سوى دمار أعظم والبؤس واليأس للناس.

          والحكومة الإسرائيلية من الناحية الأخرى تدّعي بأنها تسير على أرضية أخلاقية عالية في حين أنها في الواقع تخضع شعبها أيضاً لصراع طويل الأمد قد سلب البلد الكثير من القيم التي أسّس عليها. الإحتلال لعنة تصوّر بحق اليهود – اللذين كانوا أنفسهم مضطهدين تاريخياً – كمضطهدين وظالمين. لقد خلقت إسرائيل أوضاع لا تحتمل في المناطق بسلب الأراضي وإقامة الجدران والعوائق وبناء مستوطنات جديدة وتوسيع مستوطنات قائمة وقلع أشجار الزيتون وحرمان الناس العاديين من العيش حياة طبيعية. إسرائيل تزرع بأعمالها هذه بذور السخط والتطرف بين الفلسطينيين ثمّ تلومهم لسلوكهم العنيف النضالي.

          لا يستطيع أي طرف أن يغيّر مواقفه تجاه الآخر بين ليلة وضحاها، ليس فقط بسبب انعدام الثقة والعداء الجهاري الذي انغرس في نفوسهم، بل لأن لديهم أجنداتهم الخاصة التي تمنع حق الطرف الآخر من الوجود في شكله الحالي. ولهذه الأسباب، لا يكفي وضع هدنة جديدة لإنهاء دورة العنف بين الطرفين لأن هذا الهدف المحدود سيُنتهك مراراً وتكراراً كما حدث في الماضي. لإسرائيل وحماس مطالب شرعية وعلى كل منهما أن يلبي الإحتياجات والمتطلبات الأساسية للطرف الآخر لرسم مسار ٍ جديد يثبت على المدى البعيد.

          إسرائيل محقة في مطلبها بأن يكون هناك ترتيب أمني دائم يمنع إطلاق الصواريخ في المستقبل من طرف حماس أو أي من وكلائها. وتسعى أيضاً إسرائيل لنيل بعض التأكيدات بأن حماس ستُمنع من حيازة المزيد من الصواريخ المتطورة تقنياً. وبدورها، يجب على إسرائيل أن توافق على رفع الحصار، ولو على مراحل، وأن يكون هذا الرفع مشروطاً بوقفٍ كامل للأعمال العدائية والسماح لمراقبين دوليين بمرافقة مفتشين إسرائيليين لتفتيش جميع شحنات البضائع الداخلة إلى غزة أو الخارجة منها. ويجب أن تكون مهمة المراقبين الدوليين أيضاً التأكد بأن الفولاذ والإسمنت تستخدم فقط لبناء المنازل والمستشفيات والمؤسسات الحكومية والبنية التحتية وليس لبناء الأنفاق أو الملاجىء العسكرية المحصنة. فقط التقيّد تماماً بوقف إطلاق النار والتوسع بالتجارة (المستمرة رغم استمرار القتال) بين الجانبين قادرة، ولو بشكل ٍتدريجي بطيء جدّا ً, على بناء الثقة المعدومة كلياً في الوقت الحاضر. هذا سيسمح أيضاً بخلق بيئة وجو جديد يشجع على التعايش السلمي كما تدفع بذلك حالياً الولايات المتحدة، في حين يُبنى الأساس لعلاقات ثنائية مع الأمل لإمكانية إبرام معاهدة سلام يوماً ما في المستقبل.

لن يحدث أي شيء من هذا القبيل بدون الدعم المباشر والغير مباشر من طرف مصر التي بإمكانها أن تمارس نفوذاً هائلاً على حماس وكذلك من طرف الولايات المتحدة التي بإمكانها أيضاً بشكلٍ مماثل إقناع إسرائيل بقبول اتفاقية تعتمد على تبادل المصالح. لمصر والولايات المتحدة أدوار رئيسية في إنهاء الصراع. وبالرّغم من إدانته العلنية لإسرائيل، فآخر شيء قد يبحث عنه الرئيس محمد مرسي، بصرف النظر عن توجهاته الإيديولوجية والدينية، هو توريط بلده في صراع إسرائيلي – حمساوي قد يخرج عن السيطرة ويضع مصر في مأزق رهيب. لمصر مصلحة وطنية قوية في الحفاظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل وبحاجة ماسة للدعم المالي والسياسي للولايات المتحدة. وإذا أراد الرئيس محمد مرسي أن يبقى كرئيس، عليه أولاً وقبل كل شيء التركيز على الاقتصاد المصري. وتملّق حماس هو أقلّ ما يجب أن يفعله لتهدئة شعبه، ولكنه يبقى الشخصية المركزية التي تستطيع أن تحدث تغييراً حقيقياً في سلوك حماس تجاه إسرائيل. وعلى الرئيس مرسي بشكل ٍ أو بآخر                        الضغط على حماس للتخلي بشكل دائم عن العنف كوسيلة الخيار لتحقيق "هدفها السياسي" الذي يجب أن يعتمد على حلّ الدولتين.

والولايات المتحدة، من الناحية الأخرى، هي الدولة الوحيدة التي بإمكانها أن تمارس التأثير اللازم لتعديل سياسة أية حكومة إسرائيلية لكي تنظر إلى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني من زاوية مختلفة والعمل بجدية نحو حلّ دائم. بإمكان الولايات المتحدة ممارسة ضغط هائل على إسرائيل حيث أنها الدولة الوحيدة التي تدعم إسرائيل مالياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً. وإسرائيل تثق بالولايات المتحدة لحماية ظهرها وضمان أمنها الوطني النهائي. وعلى إدارة أوباما الجديدة الآن ومهما كانت الظروف أن تتخذ دوراً مباشراً وفعالاً وتبقى صلبة لا تلين في دعم سلام ما بين إسرائيل والفلسطينيين. ويجب ألاّ تنتهي مهمة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في هذا الوقت من الأزمة عند حدّ التّوصل لوقف إطلاق النار بل عند انطلاقة جهد أمريكي مجدّد ومكثّف وثابت لوضع نهاية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني مهما كانت الطريق طويلة وشاقة للوصول إلى هذا الهدف المنشود.

قد تشعر حماس نفسها قوية بالدعم السياسي العريض الذي تلقته من الدول العربية وتركيا وإيران ودول أخرى، ولكنها تدرك أيضاً أن بلاغة البيانات الكلاميّة لا ترقى لمستوى السياسة الواقعية. لن تخاطر أية دولة عربية أو إسلامية بمواجهة إسرائيل عسكرياً فقط من أجل إنقاذ حماس. وفي التحليل النهائي ستُترك حماس تتخبط في مأزقها وشرك أفعالها في حين تستمرّ معاناة الفلسطينيين في غزة من بلاوي قادتهم. وعلى إسرائيل أيضاً من الناحية الأخرى أن تنزل إلى أرض الواقع فحماس لا يمكن إزالتها من الوجود، وحتى لو نجحت إسرائيل في تدمير بنية حماس التحتية واغتيال قادتها، حماس ستصعد ثانية.

بإمكان الصراع الحالي الدموي والمدمر أن يخدم كلا الجانبين، إسرائيل والفلسطينيين، بما فيهم حماس، إذا هم فقط حكّموا العقل ودعوا الواقع يملي عليهم نهجهم المستقبلي في التعامل مع بعضهم البعض

أ.د. ألون بن مئيـــــــــــــــــــر
أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية
بجامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط
بمعهد السياسة الدوليـــــــــــــــــة

2012-12-03