الإثنين 6/6/1443 هـ الموافق 10/01/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لغتنا العربيّة بين الحفظ والهوان ....د. إياس يوسف ناصر

نسمع أحيانًا بعض الأصوات التي تلتمس التّخلّي عن قواعد اللّغة العربيّة ونحوها وصرفها. فما حاجتنا إلى الإعراب والتّحريك والتّصريف؟ وما حاجتنا إلى المفعول المطلق، والتّمييز، والنّعت السّببيّ؟ وما حاجتنا إلى معرفة ما يُصرف وما يُمنع من الصّرف؟ إلى غير ذلك من الموضوعات التي تقتضي أن نقف عندها ونأخذها بالدّرس والنّظر حتّى يتاح لنا فهم العربيّة فهمًا عميقًا، لننتهي إلى معرفة أساليبها، وتذوّق عباراتها، واستنباط معانيها.  

 

وإذا كنت مشغوفًا كلّ الشّغف بلغتنا العربيّة، يأخذني الكلف بأدبها، ويتملّكني التّهيام بشِعرها، فأطوّف في خمائلها، وأتشمّم نفح أزهارها وضوع أنسامها، فإنّي لا أجد أمرًا أوضح دلالةً على جمال هذه اللّغة وبلاغتها من فهمنا لتركيب ألفاظها ونظام جُمَلها نحوًا وصرفًا.

 

هي لغة لها خصائصُها، ولها نظامُها، ولها أساليبُها، وقد أنفق العلماء القدماء حياتهم، كسيبويه، وابن مالك، وابن هشام، في سبيل دَرْسِها واستنباط ما يميّز ألفاظها، وأوزانها، وتركيب عباراتها، حتّى عدّوا هذا المطلب عِلمًا، فقالوا: علم الصّرف، وعلم النّحو، كما قال أصحاب البلاغة وأهل الشّعر والنّقد: علم العَروض، وعلم القافية، وعلم البديع، إلى غير ذلك من العلوم. فنحن إذن أمام علم من العلوم له قيمته الخاصّة في أدبنا العربيّ، هو علم النّحو، وعلم الصّرف.

 

ثمّ من يَدرس اللّغة الألمانيّة يجد من أوجه الشّبه بينها وبين اللّغة العربيّة الشّيء الكثير. أعني ذلك التّغيّر الذي يدخل الكلمة في مواضعها المختلفة من حيث الرّفع والنّصب والجرّ، فهذا ممّا نجده في العربيّة والألمانيّة. وما أكثر ما أعانتني قواعد اللّغة العربيّة على فهم منطق قواعد اللّغة الألمانيّة واستيعاب أصولها النّحويّة، وهو ممّا يحثّنا حثًّا على النّظر في أهمّيّة خصائص اللّغة ومميّزاتها.

 

فلا نكاد ننظر في خصائص اللّغة العربيّة حتّى نَعجب كلّ العجب ممّا تتيحه من وفرة في الأسلوب، وبلاغة في البيان، ودقّة في العبارة، وغزارة في التّصوير. فانظر إلى الفرق المعنويّ بين قولنا: دَخَلَ ربيعٌ المنزلَ، وقولنا: دخل المنزلَ ربيعٌ، وربيعٌ دخل المنزلَ. وانظر إلى الفرق الصّرفيّ بين «فَهِمْتُ» من الفهم، و«هِمْتُ» من الهيام في قولنا: فهمتُ ما تقول فَهِمْتُ بما تقول. وانظر إلى الفرق المعنويّ بين قولنا: جاء يوسفُ (ممنوعة من الصّرف)، وقولنا: جاء يوسفٌ (مصروفة). ولماذا سُمّي المفعول المطلق مفعولًا مطلقًا؟ وكيف تختلف المعاني باختلاف الإعراب في قولنا: جاء أبوك، ورأيتُ أباك، ونظرت إلى أبيك؟ ولماذا نكتب ألفًا بعد واو الجماعة في قولنا: ذهبوا؟ ولماذا سُمّيت نون الوقاية بهذا الاسم في قولنا: سألني؟ ولماذا يُسمّى الفعل المعتلّ بهذا الاسم؟ وما الّذي أعلّه وأمرضه بإزاء ذلك الفعل السّالم الصّحيح؟

 

أليست هذه الأسئلة كلّها ممّا يُنمّي إدراك الطّالب، ويُرقّي ذوقه، ويشحذ همّته، ويُقوّي حظّه من التّفكير والنّظر؟ أليست هذه الأسئلة ممّا يتيح للطّالب أن يسأل ويبحث وينظر ويتقصّى، حتّى ينتهي به البحث والسّؤال إلى معرفة كنه القاعدة والإحاطة بعلّة وجودها؟ أليست هذه الأسئلة خليقة أن تجعله يتلمّس الفرق بين الأساليب المتعدّدة والمعاني المتمايزة في اللّغة العربيّة؟ فليس من شكّ في أنّ دراسة قواعد اللّغة من أهمّ الأمور التي تتيح للمرء أن ينمّي مَلَكَة التّفكير من ناحية، وأن يتلقّف ثقافة الكلمة من ناحية أخرى، وهي الثّقافة التي تذهب به بعيدًا إلى معرفة معنى الكلمة في حياتنا وما لها من بعيد الأثر في الصّلة بين الإنسان وأخيه الإنسان.  

 

ثمّ إنّني أعلم أنّ الإعراب أصبح في أكثر الأحيان كلماتٍ يحفظها الطّالب، ويردّدها، ويستظهرها ما وَسِعَهُ الاستظهار، فما يكاد يجتاز الامتحان حتّى تصبح هذه الكلمات طيّ النّسيان، لا يذكر منها إلّا الشّيء اليسير الذي لا سبيل إلى جمع شتيته واستعادة نُثاره. ولكنّي إخال أنّ مردّ هذا كلّه إلى أنّه يُردّد ما لا يَفهم، ويَستظهر ما لا يستوعب، فلا يدرك ما يَدرسه حقّ الإدراك، ولا يتعمّق في معناه كلّ التّعمّق. وهذا يذهب بنا إلى الحديث عن أثر المعلّم ومنهجه وأسلوبه، وإلى الحديث عن الكتب وأساليبها في العرض والشّرح، وهو موضوع طويل يحتاج إلى تفصيل يضيق به هذا المقام.

 

وأحسب أنّ ما أشرنا إليه من أمر التّخلّي (ويراه بعض النّاس تحضّرًا، وتقدّمًا، وإصلاحًا) ليس إلّا توانيًا وتقصيرًا وقعودًا عن العلم والتّعلّم، والنّظر والاستكشاف، والبحث والتّقصّي، وهو تغييب لأعظم قيمة يحقّقها الإنسان في هذا العالم، أعني قيمة الكلمة، وقيمة الألفاظ، وقيمة سبك المعنى في الجملة، وبناء الفكرة في القول، وتخيّر الأسلوب في التّعبير. وإذا كان لا بدّ من إصلاح، فإنّ ذلك يقتضي البحث المفصّل عن الأسباب، غير أنّ التّخلّي عجزٌ وهوان، وهو ما لا نريده لهذه اللّغة العظيمة وكنوزها الأدبيّة النّفيسة.

 

* في الصّورة: كتاب «الكتاب» لسيبويه الذي قضى نحبه سنة 796، وقد بلغ من العمر نحو 36 عامًا، وخلّف هذا الأثر العظيم في علم النّحو والصّرف. حقّق الكتاب العلّامة المصريّ عبد السّلام هارون.

2022-01-10