الإثنين 14/10/1443 هـ الموافق 16/05/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
جورج كرزم يكتب:على هامش مفاوضات فيينا.. لماذا يصمت الغرب عن الترسانة النووية العسكرية الإسرائيلية؟

 تستهدف المفاوضات النووية في فيينا جمهورية إيران التي لم يثبت امتلاكها سلاحًا نوويًا.

 وعلى هامش هذه المفاوضات، يمكننا التساؤل "ما حقيقة الأسلحة النووية الإسرائيلية؟ ولماذا لا يتحرك الغرب وما يسمى المجتمع الدولي لإجبار "إسرائيل" على فتح منشآتها النووية للتفتيش الدولي؟".

في المجال النووي العسكري الإسرائيلي، مصادر عالمية متعددة كشفت بأن "إسرائيل" تعد حاليًا قوة نووية عسكرية. وهي تملك ترسانة نووية يقدّرها خبراء أجانب بما لا يقل عن ( 200- 300 ) رأس نووي متفجر وصواريخ نووية بعيدة المدى، وغواصات نووية قادرة على حمل صواريخ ومقذوفات نووية إستراتيجية.

 المنشآت النووية الإسرائيلية منتشرة في بضعة مواقع في فلسطين، مثل ناحال سوريك، وديمونا في صحراء النقب وحيفا وعكا وغيرها..

الخبير النووي الإسرائيلي "فعنونو" نشر أسرار "إسرائيل" النووية في صحيفة "صنداي تايمز" عام 1986، وأظهر هذا الكشف أن البرنامج النووي الإسرائيلي أكبر وأكثر تقدمًا مما كان يُعتقد سابقًا.

الغرب الاستعماري الرسمي المنافق، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، "يقيم الدنيا ولا يقعدها" احتجاجًا على تجارب كوريا الشمالية النووية، لكنه يصمت صمت القبور عن الترسانة النووية الإسرائيلية المرعبة، وجرائم الحرب التي تقترفها دولة "إسرائيل" في حق الأبرياء في فلسطين ولبنان دون أي رادع.

المفارقة المثيرة للتقزز والاشمئزاز، أن وزراء خارجية مصر والمغرب والإمارات والبحرين الذي اجتمعوا في أواخر آذار الماضي مع وزيري الخارجية الإسرائيلي (يائير لبيد) والأميركي (أنتوني بلينكن) في صحراء النقب، لاستباق الاتفاقية النووية الدولية المتوقع إبرامها مع إيران في فيينا، ولإعادة صياغة التحالفات الإقليمية والعربية، بتشكيل تحالف أمني-عسكري إسرائيلي-عربي لمواجهة إيران بذريعة امتلاكها برنامجًا نوويًا يهدد المنطقة- المفارقة المقززة أن أولئك الوزراء تجاهلوا تمامًا أن مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي ومخزونه من الرؤوس النووية العسكرية لا يبعد عن مكان اجتماعهم سوى بضعة كيلومترات؛ علمًا أن مكان الاجتماع هو مستعمرة "سديه بوكر" في النقب، وتحديدًا في محيط ضريح "دافيد بن غوريون" مؤسس الدولة اليهودية.  وفي المقابل، وبشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن إيران لا تملك أي سلاح نووي.

عدم تحرك الغرب ضد "إسرائيل" لإجبارها على فتح منشآتها النووية للتفتيش الدولي، نابع بالأساس من أن الكيان الإسرائيلي هو أصلاً مخلوق غربي، ويعد استثمارًا ومشروعًا عسكريًا استعماريًا، وبالتالي يُتعامل مع هذا المشروع باعتباره قاعدة عسكرية إستراتيجية، تشكل امتدادًا للترسانة العسكرية الغربية الإستراتيجية والنووية والبالستية عامة، والأميركية خاصة؛ ودورها الوظيفي الأساسي المنوط بها غربيًا وأميركيًا، هو ضمان تجزئة وتفتيت الوطن العربي على أساس ديني وطائفي وعرقي وعشائري، وتعميق تخلفه وفقره، وتبديد ثرواته الطبيعية والمالية، وتشجيع الاقتتال الأهلي الداخلي بواسطة أدوات الغرب الاستعماري و"إسرائيل".

وبالتالي، من المهم الحفاظ على التفوق العسكري والنووي الإسرائيلي، ليبقى رادعًا و"بعبعًا" مسلطًا على رقاب العرب والمسلمين.  لذا، فإن تحرك الغرب ضد "إسرائيل"، يعني تحركه ضد نفسه، وهذا غير معقول.

المنظمات البيئية الإسرائيلية: احتراف النفاق السياسي والأيديولوجي البيئي

ما يُسمى الحركات البيئية في "إسرائيل" تمارس نفاقها السياسي والأيديولوجي البيئي، بادعائها بأنها "قلقة" من نية الحكومة الإسرائيلية إنشاء محطة طاقة نووية لإنتاج الكهرباء، وما سيترتب عليها من عواقب بيئية وخيمة؛ لكن تلك الحركات البيئية لا تبدي تخوفاتها إزاء المخزون النووي العسكري الإسرائيلي المخيف والقائم فعليًا على الأرض، ولم تحرك ساكنًا ضد الترسانة النووية الإسرائيلية العسكرية؛ علمًا أن تحالفًا عسكريًا أميركيًا-إسرائيليًا –غربيًا- عربيًا خليجيًا، ما زال يدق طبول الحرب ضد إيران التي يعمل علماؤها وخبراؤها على إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية أيضا؛ وهي، أي إيران، لا تملك صفرًا بالمائة مما تملكه "إسرائيل" من سلاح نووي مدمر، إضافة إلى أن إيران وَقَّعَت منذ زمن طويل على المعاهدة الدولية لمنع انتشار السلاح النووي، تلك المعاهدة التي ترفض "إسرائيل" التوقيع عليها أصلاً، كما أنها أعلنت رفضها الانضمام إلى "شرق أوسط منزوع السلاح النووي"؛ ولم تعترف بحيازة ترسانة نووية؛ مع أن العديد من الخبراء الأجانب ومصادر عالمية متعددة يؤكدون بأن "إسرائيل" تعد حاليًا قوة نووية عسكرية.

ما المخاطر التي تشكلها الترسانة النووية الإسرائيلية؟

أولاً، تشكل هذه الترسانة تهديدًا وجوديًا ليس فقط على مجرد الوجود الفيزيائي البشري للشعوب العربية والإسلامية في المنطقة، بل أيضًا على جميع أشكال الحياة البرية والنباتية والحيوانية والبحرية.

وثانيًا، يتمثل الجانب الأهم المثير للمخاوف الجدية في النشاط النووي الإسرائيلي، في حقيقة أن فلسطين صغيرة بحجمها، وبالتالي، فإن عواقب إستراتيجية قد تنجم عن أي خلل إشعاعي نووي خطير، ابتداء من تلويث إشعاعي للأحواض المائية الجوفية بسبب تسرب مواد مشعة، وانتهاء بانتشار كثيف لغازات وجسيمات مشعة في جميع أنحاء فلسطين بسبب خلل فني كبير قد يحدث في المفاعل النووي. 

وبما أن فلسطين تقع في منطقة جيولوجية نشطة زلزاليًا، فإن زلزالاً كبيرًا قد يدمر المفاعلات النووية ويؤدي إلى تسرب مواد مشعة خطرة، كما حدث في حينه باليابان عام 2011.

"إسرائيل" حوّلت بعض المواقع في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان إلى مكبات لنفاياتها النووية.

وتشير بعض الدلائل القوية إلى وجود مواقع يُعتقد أنها تحوي "مكبات نووية" في بعض المناطق المحيطة بقرى وبلدات مدينة الخليل، مثل مكب صحراء بني نعيم.

  "إسرائيل" تخلصت وتتخلص من نفاياتها النووية في المناطق التالية: البحر الأبيض المتوسط، جبال وصحراء الخليل في الضفة الغربية، صحراء النقب، منطقة الحلوصَة على الحدود المصرية، وفي هضبة الجولان السورية. 

 جميع هذه المواقع قريبة من الصَدع الجيولوجي الذي يتميز بالنشاط الزلزالي. ويعتقد بعض الخبراء أن مخاطر بيئية وجيولوجية جدية تكمن في دفن هذه النفايات في تلك المواقع، وبخاصة من ناحية تلويث المخزون المائي بالمواد المشعة، ومن ناحية احتمالات تفاعل المواد النووية مع القشرة الأرضية الضعيفة في تلك المناطق.

بعض الدلائل التي رصدتها جهات دولية، تشير إلى احتمال كبير لوجود تسرب إشعاعي في بعض المواقع بجنوب الخليل، إما بسبب التسربات الإشعاعية من المنشآت النووية الإسرائيلية (مركز الأبحاث النووية في "ناحال سوريك،" ومفاعل ديمونا) في صحراء النقب، أو من مكبات النفايات النووية في صحراء جنوب الخليل.

وأشير هنا، إلى أن أكثر من مئة دعوى قضائية رفعت في السنوات الأخيرة ضد مفاعل "ديمونا"، من عمال إسرائيليين في المفاعل أصيبوا بأمراض سرطانية، أو من أسر العمال الذين توفوا في السنين الأخيرة بسبب تعرضهم لإشعاعات نووية في أثناء عملهم في المفاعل.

ومنذ مطلع التسعينيات، رَصَد بعض الأطباء والخبراء نسبة مرتفعة من الأمراض والتشوهات الخَلقية وحالات العقم التي لم تكن موجودة من قبل، ولا سيما في المناطق المجاورة للمفاعل، كصحراء النقب وبلدات الظاهرية ويطا.

وفي هذه المناطق الفلسطينية تحديدًا، تَبَيَّن أن نسبة كبيرة من السيدات الحوامل اللواتي أجريت لهن  فحوصات تلفزيونية (ألتراساوند) في الثلاثين سنة الأخيرة، أظهرت أن الأجنة مشوهة؛ وكان التشوه يتمثل في نقص الأطراف أو الرأس أو تضخم غير طبيعي في جزء من الجنين.

كما أن العديد من الأطفال وُلدوا دون دماغ أو كان لديهم خلل في العين أو فقدان السمع أو خلل في اللسان أو الأذن.

الإحصاءات الطبية الفلسطينية تشير إلى زيادة ملحوظة في عدد حالات الأمراض السرطانية وبالتالي الوفيات الناتجة عنها، وتحديدًا في بلدات يطا والظاهرية والرماضين ودورا جنوب مدينة الخليل.

وتأكيدًا لما سبق، وزّعت السلطات الإسرائيلية في حينه حبوب اللوغول (اليود غير المشع) على مواطنيها اليهود الذين يقطنون في مناطق صحراء النقب المحيطة بالمفاعل النووي، وذلك من أجل وقايتهم من الإشعاع النووي. 

عام 2005، أكد الطبيب الإسرائيلي ميخائيل شابيرا من مستشفى هداسا، صحة المعلومات الواردة عن انتشار مرض سرطان الدم (اللوكيميا) على نحو غير طبيعي في منطقة جبل الخليل، وبلدة يطا تحديداً، ولم يستبعد الطبيب أن يكون لذلك علاقة بمخلفات نووية وكيميائية خطيرة تُدفن في مناطق تتاخم تلك البلدة دون رقابة، موضحاً أن انتشار سرطان الدم لدى العديد من المواطنين يعني وجود تلوث خطير في مصادر المياه.

إذن، يوجد تصاعد مخيف في انتشار الأمراض المرعبة التي من المعروف أنها ناتجة عن تأثيرات إشعاعية، تمامًا كما ثبت من قبل في العراق وكوسوفو. 

ومن هذه الظواهر المرضية التي يزداد انتشارها في بعض التجمعات السكانية الفلسطينية في جنوب الخليل، وبخاصة في بلدتي يطا والظاهرية ومحيطهما: تساقط الشعر وتوقف النمو الطبيعي، إضافة إلى العقم والتخلف العقلي والإعاقات الجسدية والأمراض السرطانية لدى آلاف الفلسطينيين، في السنوات الثلاثين الأخيرة.

هناك أطفال وُلِدوا بلا أيدٍ، وآخرون يعانون فقدان البصر ولديهم إعاقات حركية وتشوهات في أعضائهم الداخلية أو الخارجية.  كما أن نسبة مشاكل العقم عند كلا الجنسين مروعة، فضلًا عن حالات توقف النمو (أطفال أعمارهم 8 سنوات ووزنهم لا يتجاوز 5 كغم) والأمراض السرطانية والغامضة التي تطارد الأهالي.

النشاط النووي المدني

زلزال اليابان عام 2011 أثبت بأن الصناعة النووية خطرة ومدمرة للبشرية. وبأن هذه الصناعة تواصل تضليل الناس، بادعائها أن لا شيء يمكن أن يؤذي المفاعلات النووية أو يشوش عملها أو يشكل خطرًا عليها.

  السؤال المطروح هو: كم من الكوارث الإضافية يجب أن تحدث قبل أن ندرك بأن المفاعلات النووية تشكل خطرًا كبيرًا وفوريًا؟

معظم الناشطين البيئيين في العالم يرون أن زلزال اليابان إثبات قاطع بأن الصناعة النووية عديمة المسؤولية وخطرة جدا ومدمرة. ولا تزال المفاعلات الذرية تشكل خطرًا جسيمًا على البشرية؛ سواء نتيجة كارثة طبيعية، أم هجوم متعمد أم خطأ فني بشري. 

وفي جميع الحالات تعد التكلفة والخسائر البشرية والمادية أكبر بكثير من قدرة البشر على تحملها.

ولا بد من التنويه هنا بأن العواقب المدمرة التي قد تنجم عن المفاعلات النووية لا علاقة لها بكون المفاعلات مدنية أم عسكرية؛ إذ أن المفاعلات النووية اليابانية الأربعة التي انفجرت في إثر الزلزال كانت تستخدم لأغراض مدنية، وتحديدًا لتوليد الطاقة الكهربائية. 

وفي كلا الاستعمالين، المدني والعسكري، فإن الأضرار تنجم أساسًا عن التسرب الإشعاعي ذاته. 

إضافة إلى البعد السياسي، فإن لاستغلال الطاقة النووية بعد بيئي؛ إذ أن المدرسة النووية تواجه العديد من المعارضين في العالم؛ وبخاصة إثر كارثة تشرنوبيل عام 1986 والتي أدت إلى تباطؤ كبير في عمليات إنشاء مفاعلات نووية جديدة في مختلف أنحاء العالم.  إلا أن السنين الأخيرة شهدت "نهضة" جديدة في مجال الطاقة النووية؛ وذلك على خلفية رغبة الكثير من الدول في إنتاج الطاقة بأقل قدر من انبعاثات غازات الدفيئة. وحاليًا، يوجد أكثر من 430 مفاعلاً نوويًا في العالم.

وتتمثل أهم دوافع المعارضين لإنشاء مفاعلات نووية في خوفهم من حدوث خلل فني وتسربّات إشعاعية، فضلاً عن مشكلة التخلص من النفايات النووية. ويشكّك المعارضون في صحة الادعاءات القائلة إن تحسنًا كبيرًا في جانب الأمان والسلامة قد طرأ في السنوات الأخيرة على المفاعلات الحديثة؛ حيث لم يُسجل، منذ أكثر من عشرين عامًا، حسب تلك الإدعاءات، أي خلل جدي. 

ويقول مناصرو المفاعلات النووية، إنه، وخلافًا لمفاعل تشرنوبيل الذي كان من الجيل الأول؛ فإن المفاعلات التي تُنشأ اليوم هي من الجيلين الثالث والرابع؛ بل إن الجيل الخامس الذي يعد أكثر أمانًا بكثير، في طريقه إلى الظهور في المستقبل القريب.

باعتقادي، حينما يتحدث أنصار الطاقة النووية عن التكنولوجيا النووية الآمنة، إنما يضللون الجمهور؛ لأن الحوادث النووية الخطيرة التي تُخفى عن الجمهور لا تزال تحدث فعليًا كل عام.

مواجهة التغول النووي الاسرائيلي

المطلوب ليس فقط مواجهة التغول النووي الإسرائيلي، بل أيضًا الغربي والأميركي بشكل عام.

الكارثتان الطبيعية والنووية في اليابان، والكوارث النووية التي سبقتها وتلتها، تشكل إثباتًا كافيًا لضرورة إلغاء البرامج النووية العسكرية و"السلمية" إلى الأبد، وفي جميع أنحاء الكرة الأرضية، وفي المقدمة منها أميركا والدول الغربية، وليس فقط العالم الثالث، والاهتمام أكثر بأمن السكان وبتحقيق الاستقلالية في مجال الطاقة، بواسطة الاستثمار في الطاقة النظيفة والمتجددة والمستدامة.

ويفترض بالدول الغربية التي تزعم تفوقها في مجال تكنولوجيا الطاقات البديلة، وتعمل على تسويقها في البلدان العربية والإسلامية، أن تعمل أولًا على خفض انبعاثاتها الغازية الضخمة الناتجة عن نشاطاتها العسكرية ومحطاتها الفحمية المولدة للكهرباء، عن طريق استثمارها في ترشيد استهلاك الطاقة وفي الطاقة المتجددة، بدلاً من خوضها مغامرات نووية مرعبة تعرّض حياة الملايين للخطر.               

حاليًا، المطلوب من كل المعنيين، سواء وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، أو المؤسسات العلمية ذات الصلة، أو الجهات المهتمة بالقانون وحقوق الإنسان والبيئة، أن يرفعوا صوتهم عاليًا وأن يشكلوا قوة ضاغطة باتجاه فرض تدخل ما يسمى المجتمع الدولي، لإرسال فريق فني علمي دولي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، لفحص مستويات الإشعاعات التي خلَّفها الاحتلال في تلك الأراضي بوجه عام، وفي مناطق جنوب الخليل بوجه خاص، وآثارها المرضية الخطيرة على السكان.

ولا بد من تصعيد الضغوط الدولية الجدية على "إسرائيل"، لإرغامها على الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإخضاع برنامجها النووي للرقابة الدولية.

 آفاق البيئة والتنمية

2022-05-08