السبت 2/12/1443 هـ الموافق 02/07/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
استشهاد شرين وتحديات الواقع ....د. سنية الحسيني

هي جريمة حرب كاملة الأركان، في بلد مشمول شعبة بالحماية، بصفته شعب تحت الاحتلال، إنها جريمة قتل المراسلة الصحفية الفلسطينية المعروفة شرين أبو عاقلة. كان يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي الذي صادف يوم استشهادها أسوداً في فلسطين، التي اعتادت أن تلبس السواد على أرواح سيل الشهداء الذي يتدفق بصورة يومية، وبات أكثر كثافة خلال الأعوام القليلة الماضية. أججت جريمة قتل شرين الغضب في قلب كل فلسطيني، في داخل فلسطين وخارجها وفي قلب كل عربي أو غير عربي يحمل بين ضلوعه النخوة والشهامة، ليس لأن شرين مراسلة قناة الجزيرة، التي تدخل كل بيت عربي تقريباً، وليس لأن شرين قد ألف صوتها وطلتها الفلسطينون منذ أكثر من ربع قرن، وهي سنوات شبابها التي قضتها تغطي أحداث هذا البلد الحزين، الذي بقي طوال تلك السنوات مصدر الخبر ولا يزال، بل لأن هذه الجريمة ذكرتنا بمحنتنا كفلسطينيين، خصوصاً وأنها جاءت متزامنة مع ذكرى يوم نكبتنا ال ٧٤. أشعل استشهاد شرين، الفتاة الفلسطينية الجريئة، والتي تشبه إلى حد كبير أبناء جيلها من فتيان وفتايات فلسطين، شرارة الغضب الفلسطيني. فصورتها التي كررت قناة الجزيرة بثها منذ لحظة استشهادها حتى اليوم، مرات ومرات، وهي ملقاتة نازفة على تراب جنين، ما هي الا صورة متكررة بشكل يومي في بلادي لكن بأشكال وأسماء وأعمار مختلفة. 

الفلسطينيون وجدوا في شرين الرمزية التي باتوا في أمس الحاجة إليها، في لحظة افتقد فيها الأمل. في يوم استشهاد شرين، استشهد فتى صغير في الصف الثامن في منطقة البيرة بالقرب من مدرسته برصاصة واحدة اخترقت صدره الصغير، وترك ينزف في الشارع  حتى الموت، بعد أن منعت قوات الاحتلال التي قتلته وصول سيارة الإسعاف اليه. وهو ليس وحده، اذ اقترب  عدد شهداء فلسطين منذ بداية هذا العام من الستين، وأكثر من ٩٠٠ معتقل. شرين ليست الصحفية الوحيدة التي استشهدت بنيران الاحتلال، فسبقها ٢٣ صحفي منذ العام ٢٠٠٨، و٥٤ صحفي منذ العام ٢٠٠٠، وحوالي ١٠٠ صحفي منذ سبعينات القرن الماضي، والتي استهلت باغتيال الصحفي الملهم غسان كنفاني عام ١٩٧٢. ليس الصحفيون فقط من يستهدفون بشكل مباشر في بلادي، فحتى المسعفون والأطباء يستشهدون أثناء تأدية واجبهم المقدس. من منا ينسى رزان النجار، تلك المسعفة المتطوعة اليافعة الشابة التي استشهدت في غزة أثناء إسعافها لأحد مصابي مسيرات العودة عام ٢٠١٨، عشرات المسعفين غيرها استشهدوا أثناء تأدية واجبهم المقدس تحت القصف وزخات الرصاص في فلسطين. يأتي كل ذلك الألم مصحوباً بممارسات الاحتلال التي تعمل أمام أعين الفلسطينين لتغيير واقع أرضهم جغرافياً وديمغرافياً، مستقوية عليهم ناهبة أرضهم وهادمة بيوتهم وقاتلة فلذة أكبادهم، وناقلة المستوطنين اليهود ليعيشوا في أرضهم وبينهم. كل هذا الواقع الأليم أحيته شرين في أذهان الفلسطينيين لحظة استشهادها، في ظل استمرار النكبة الفلسطينية التي تخطت السبعة عقود، واستمرار الاحتلال بممارساته غير الأخلاقية أو الإنسانية أو القانونية بحق الفلسطينيين، دون مراجع أو محاسب، ودون وجود أفق سياسي أو حتى رؤية متفائلة مستقبلية ممكنة تغير من هذا الواقع المر. 

لا أفقاً سياسياً ولا أفقاً قانونياً متاحاً أمام الفلسطينيين، ولم يكن يوماً متاحاً لهم، حتى قبل نكبتهم. فتوجه القوى العظمى  لحل مشكلة اليهود وتحقيق أهدافها في الشرق الأوسط جعلت من ظلم هذا الشعب قضية مستدامة، منذ ذلك الوقت، وحتى يومنا الحاضر. بدأت ذلك بوعد بلفور ١٩١٧، والاحتلال ومن بعده الانتداب البريطاني على فلسطين، وذلك لتنفيذ خطة احضار اللاجئين اليهود من أوروبا وزرعهم في فلسطين، لتغيير الوضع الديمغرافي بالقوة على الأرض. وجاءت المرحلة الثانية بطرح فكرة تقسيم بلاد الفلسطينيين بين أهلها والغرباء الجدد، خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، وترسيخ ذلك البعد قانونياً من خلال قرار الجمعية العامة رقم ١٨١ أي قرار التقسيم، والذي صدر أيضاً باتفاق من قبل ذات الدول الغربية التي أقرت قرار عصبة الأمم بتكليف بريطانيا للانتداب على فلسطين. وفي النهاية قامت الأمم المتحدة بترسيخ وجود إسرائيل سياسياً بالاعتراف بوجودها وعضويتها في الأمم المتحدة، استناداً على قرار التقسيم، رغم عدم التزامها بشروط ذلك القبول حتى اليوم. 

بعد احتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية وأراضي عربية أخرى أصدر مجلس الأمن القرار ٢٤٢، والذي يدعو إسرائيل صراحة للانسحاب من تلك الأراضي المحتلة، لم يتحرك مجلس الأمن رغم رفض إسرائيل تنفيذ ذلك القرار، رغم أنه قرار ملزم لمجلس الأمن، ويستدعي تدخل القوة والعمل بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يعتبر أن أي قرار يتعلق بتهديد الامن والسلم الدوليين ملزماً  لتدخل المجلس. لم يتحرك مجلس الأمن لانصاف الفلسطينيين، ولم تتحرك المنظمة الدولية أو أي جهة دولية أخرى لنصرة الفلسطينيين والحق والعدالة، وبقيت القضية تراوح مكانها خلال عهد الحرب الباردة. بعد سيادة الولايات المتحدة كقطب أوحد في هذا العالم، وتحييد الطرف السوفيتي تماماً، جر الفلسطينيون، بوساطة أميركية  إلى دوامة السلام والمفاوضات، في ظل تبنى إسرائيل، المدعومة علناً سياسيا واقتصادياً وأمنياً من قبل الولايات المتحدة، سياسة تغيير واقع الأراضي الفلسطينية المحتلة جغرافياً وديمفرافياً، في سبيل تغيير وضعها القانوني والسياسي بعد ذلك. ويمكن لأي متابع ملاحظة ذلك بالأرقام والنسب المئوية بشكل مقارن، أي منذ عام ١٩٦٧ حتى اليوم، أو منذ عام ١٩٩٣ حتى اليوم. واليوم وفي ظل توقف دوامة المفاوضات منذ سنوات، يكافح الفلسطينيون بشكل يضمن لهم فقط البقاء، في ظل ممارسات الاحتلال من القتل والاعتقال وسلب الأراضي والهدم والتدمير. وكانت شرين وكل شهداء فلسطين ضحايا هذا العبث الاحتلالي المسكوت عنه بحق الفلسطينيين، وكان الأسرى الفلسطينيون الذين قضوا جل حياتهم في سجون الاحتلال الشاهد الصارخ على أطول احتلال وسنوات أسر عرفتها البشرية. 

ورغم تطور النظام الدولي ومعاملاته وقواعده التي  لحقت بالبشرية، فصيغت المعاهدات المتعددة الخاصة بقانون حقوق الانسان والقانون الدولي الإنساني، وأنشأت المحكمة الجنائية الدولية، التي يفترض أن يلجأ الفلسطينيون اليها، نتيجة تخصصها في انتهاكات إسرائيل بقي القانون في حالتهم بعيداً عن التطبيق، ولم ينفذ ولو لمرة واحدة، رغم أنها حالة احتلال مثبتة بقرارات الشرعية الدولية، وأحكام انتهاكاتها واضحة على مستوى قواعد القانون الدولي العرفية والتعاقدية.  وتنطبق على الأراضي الفلسطينية إتفاقية جنيف الرابعة لعام ١٩٤٩، والخاصة بحماية السكان المدنيين تحت الاحتلال، وأيضاً اتفاقية جنيف الثالثة لذات العام والخاصة بحماية الأسرى، وكذلك والبروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام ١٩٧٧، بالإضافة إلى العديد من المعاهدات الخاصة بحقوق الانسان. لم يحاكم قائد أو جندي إسرائيلي واحد على كل هذه الجرائم الجلية بحق الفلسطينيين، منذ عام ١٩٤٨ حتى اليوم. 

ولعله من الجدير أن نعلم أن تحريك القضايا في المحكمة الجنائية الدولية يكون بشكل تكاملي، أي أن يبدأ بالقضاء المحلي، أي في إسرائيل كقوة إحتلال للاراضي الفلسطينية. وفي حال فشل أو عجز القضاء الإسرائيلي، المعروف بعدم نزاهته، يتم تحويل القضية إلى المستوى الدولي. ويتحكم  مجلس الأمن، المحكوم بالفيتو الأميركي، الموجه ضد مصلحة الفلسطينيين منذ عقود، بقرارات المحكمة الجنائية في أمرين، الأمر الأول يتعلق بقدرته على تحويل قضايا للمحكمة للنظر فيها، والحالة الثانية تتعلق  بقدرته على الطلب من المحكمة تأجيل التحقيق أو البت في قضية ما لمدة اثني عشر شهرا قابلة للتجديد. ويمكن أن تحرك القضايا في المحكمة الجنائية  أيضاً من قبل المدعي العام للمحكمة، ومن الواضح أن كريم خان المدعي العام الحالي لن يحرك أي من القضايا في وقت قريب. 

وفي مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، والذي يمكنه اتخاذ قرارت تتعلق بانتهاكات جسيمة بحقوق الانسان، وتوصيل تلك الانتهاكات للمحكمة الجنائية لاخضاعها للتحقيق، تعاني هذه القرارات من ضرورة اجتيازها أولًا أغلبية الجمعية العامة، وهو بالأمر الممكن، الا أن ذلك القرار ينتهي، كما ومعظم مشاريع القرارات بالسقوط في مجلس الأمن بفعل الفيتو الأمريكي. وحتى في إطار نظام الولاية القضائية الدولية، والتي تقوم الدول، من خلال نظامها القانوني المحلي بالتحقيق في جرائم انتهاكات حقوق الانسان أو القانون الدولي الانساني، والتي تقترفها إسرائيل بحق الفلسطينيين، وذلك وفق التزاماتها في معاهدات دولية متعددة، لحماية هذه الحقوق على المستوى الدولي، غالباً ما نجحت إسرائيل باحباطها من خلال اتفاقيات ثنائية أو صفقات سياسية. 

خلاصة القول، يبقى الحق الفلسطيني ثابتاً، لا يمكن انكاره أو اغفاله مهما طال أمد المؤامرات السياسية على الشعب الفلسطيني، ومهما بلغت حدود الظلم. وعلى العكس، يولد العنف الانفجار، بينما يولد الظلم الكفاح من أجل تحقيق العدالة. لقد نجحت إسرائيل في ارغام الفلسطينيين التخلي اليوم عن حل الدولتين، الذي قبلوا به رغم كل التحفظات حوله، اذ لم يبق أمامهم الا النضال من أجل فلسطين وحريتهم وحياتهم ومستقبل أبنائهم. كما أوضحت حادثة استشهاد شرين أبو عاقلة فشل المراهنات على قبول الفلسطينيين التعايش مع الاحتلال القائم، اذ أن استشهادها فجر مخزون الغضب الكامن في نفوسهم والتمرد على الاحتلال، رغم كل ما تقوم به إسرائيل من إجراءات تعسفية وقمعية بحقهم وخاصة في مدينة القدس، عاصمة فلسطين الأبدية. 

 

2022-05-19