السبت 2/12/1443 هـ الموافق 02/07/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
زائر للمرة الأولى.. القدس العتيقة حيث وجه السماء في كل حجر

غزة/ هديل عطاالله 

يؤكد كل الذين وُلدوا على ترابها أن العشق لــ "بهية المساكن" أبديٌ لا يزول، معتذرين عن شرح جلال إحساسٍ بات مُجَمعاً عليه، محقٌ إذن محمود درويش عندما قال: "في القدس، أَعني داخلَ السُّور القديمِ، أَسيرُ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ...".

 كانت الأفواج تتوافد لزيارتها من بلاد الأرض قاطبةً، وقد علمت أن حزم الأمتعة إلى "بوابة السماء" حيث مسرى الأنبياء ومهد الديانات ليس من قبيل السياحة، وإنما لإرضاء فضول يتقد شوقاً لرؤية القدس التي يتحاكى العالم كله بقداسة معالمها وتاريخها؛ بأقصاها وكنائسها؛ وبعذابات أهلها وصمودهم جراء ما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي في حقهم، وكل ما فيها حتمًا سيجعل زائرها لأول مرة يحنّ للعودة إليها مجدداً.

هذا التقرير أعددناه لزائر إلى القدس العتيقة لأول مرة - ولعلك تكون منهم- لنقدم له أهم الأماكن التي لا يجوز أن يفوّتها وإلا يكون أضاع على نفسه الكثير، فضلًا عن المطاعم والفنادق التي تحمل عبق البلدة القديمة.

عن أجمل صباح 

هي رحلة مليئة بروحانيات قلما تتكرر في حياة المرء، يتجول فيها بين المعالم الإسلامية والمسيحية التي تحتضنها البلدة القديمة، مجرباً الشعور المهيب بالدخول من أبواب شامخة مثل باب العامود، وباب الأسباط، وباب الحديد، وباب الغوانمة، وباب حطّة، ومن ثم يعود إلى وطنه فرِحاً بنصيبه من قطعٍ تذكارية ينبعث منها طِيب أسواق البلدة.

سيشّم الزائر المحظوظ عبق الحارات وسيبصر الحقائق إذا ما سار في "حارة المغاربة" التي سكنها أهل المغرب ممن استنجد بهم صلاح الدين الأيوبي، ولكن "إسرائيل" انقضّت عليه ولم تُبقِ منه شيئاً، ولا بد أن تتضمن خطة الرحلة زيارة بعض من القرى المهجرّة المحتلة المحيطة بالمدينة مثل "عين سلوان" الزاخرة بكنوز التاريخ. 

يصحب المرشد المتمرس ذائع الصيت خضر نجم مجلة "آفاق البيئة والتنمية" ليتسلسل في أهم محطات رحلة من هذا النوع، يقول: "يبدأ السياح مسار جولتهم من سور القدس الشمالي والجنوبي؛ من جهة ما يعرف بــ "باب الخليل" حيث أعلى السور يمكن رؤية المدينة من مختلف الاتجاهات، ويوجد كشك لبيع التذاكر وبوابة للانطلاق نحو الكثير من المسارات الجميلة، تُفتح البوابة في أوقات معينة مقابل رسم قيمته 6 دولار".

ويصف المشهد بقوله: "رائعة تلك اللحظة التي تتأمل العين فيها أسوار القدس التي أعيد بنائها إبّان الفترة العثمانية، وتعود أساسًا إلى الفترة الرومانية، أسوار تكتنف بين جنباتها كلاً من الحي الإسلامي وحي النصارى والحي الأرمني وما يُسمى بالحي اليهودي". 

مَطلّة جبل الزيتون التي تطل على البلدة القديمة أجمل ما يمكن البدء به في أول صباح، حسب حديثه، هناك سَكينة تحوّط المكان المقدس يستشعرها الزائر الذي يسارع غالبًا إلى التقاط الصور التذكارية.

"هذا الجبل المبارك في قرية الطور يقف شامخاً وتجتمع فيه الكثير من المعالم الدينية والتاريخية يأذن بمشاهدة الإطلالة الفاتنة؛ حيث المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والحارات والمآذن وأبراج الكنائس وتيبوغرافيا البلدة القديمة بشكل عام".. يشرح نجم التفاصيل بمنتهى الحماس.

حقًا وكأن عناق الحزن والشموخ تُظهره الأديان في التلاحم بين قباب المساجد وأجراس الكنائس في مسرى خاتم الرسل محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ومَبعث عيسى عليه السلام.

 أما المسجد الأقصى فكل ما فيه آسر، وتضم ساحاته أكثر من 250 مَعلم من مُصليات وأروقة ومكتبات، حيث يحطّ الحَمام فوق أقواسه المنتصبة مغازلاً السحاب. 

وعن الجمال المعماري الباهر يحاول نجم جاهداً وصفه: "يتجلى بهاء العمارة في القباب وعلى رأسها قبة الصخرة، وقبة السلسلة، وقبة الجامع القبلي، وتفاصيل دينية وتاريخية وأثرية تُختصر في حجارتها العتيقة لمئات السنين القادمة من الحضارة وفن العمارة الإسلامية؛ إذ يتأملها السياح بذهول في حين يرون بأم أعينهم استفزازات واقتحامات جنود الاحتلال عند مداخل المساجد والكنائس".

"ماذا عن كنيسة القيامة في الجولة؟".. يجيب عن السؤال: "الكنيسة بالتأكيد إحدى أعمدة المدينة، وتُعد من أقدس مقدسات المسيحيين في العالم وبُنيت على يد الملكة هيلانا، تُقسم فيها الحقوق بين الطوائف الخمس التي تحترم خصوصية بعضها البعض في الطقوس والأعياد، الكنيسة يملك مفتاحها حارةس مسلم اسمه "أديب جودة الحسيني"، وقد بقي المفتاح في أمانة المسلمين على مر الزمان باستثناء الحقبة الصليبية".

وعلى بُعد رمية حجر من الكنيسة يصدح "الله أكبر" من مسجد عمر بن الخطاب، فيحكيان معاً حكاية التسامح، ويعقب هنا: "عندما حرر خليفة المسلمين عمر رضي الله عنه القدس من أيدي الأمبراطورية البيزنطية واستلم مفاتيح المدينة، منح الأمن للمسيحيين وحرية ممارسة شعائرهم الدينية، ورفض حينها الصلاة داخل الكنيسة، مُصلّياً بالقرب منها، ولذا بُني مسجدٌ يحمل اسمه".

معالم مهمة

من جهة أخرى، يؤكد المرشد خضر نجم أن الروح تدب فيها الطمأنينة عند السير في وادي قدرون، أحد الأودية المحيطة بالبلدة القديمة من جهة باب الأسود، مفسرًا: "معنى قدرون "العميق أو السحيق"، ويوجد فيه العديد من الآثار التي ما تزال باقية والعائدة إلى الفترة اليونانية التي سبقت الفترة الرومانية، ويحب المقدسيون المجيء مع عائلاتهم إلى هذا الوادي لإثبات أحقيتهم به؛ بالرغم من كل محاولات تهويده".

ولا ينسى طريق الآلام الذي يتوجب المرور به، أحد أهم الطرق والذي يمر بالحي الإسلامي المحتضن لأهم الكنائس في البلدة، مصححًا ما يشاع حوله: "ليس بأكبر الأحياء كما هو متداول، وفيه غالبية المعالم المسيحية التي يحرسها مسلمون".

 ومن المعالم الدينية أيضاً الكنيسة الصلاحية نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي، أو ما تعرف بــ "سانت آنا" حيث ولدت السيدة مريم وحولّها صلاح الدين إلى مدرسة، ما يدحض الروايات المضللة التي تدّعي أنه دمرها، كما يمكن زيارة قبر مريم العذراء الفارغ الكائن في أسفل جبل الزيتون والذي يديره الأرمن.

ويشير إلى مقامات بها تكتمل أركان الزيارة، منها مقام الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وزد عليها قلعة القدس أو قلعة "يبوس" ويسميها الاحتلال قلعة داود، ناصحاً القيام بـ "جولة الأنفاق" تحت البلدة القديمة والتي تعود بنيتها للحقبة الرومانية ليأخذ السائح فكرة عن مراحل تشييد المدينة.

الأسواق الستة

بالوقوف على أهم الأسواق في المدينة العتيقة، حيث كل منها تتفرّد بسحر خاص. 

إذ كانت تسمى الأسواق قديماً بــ "الكاردو" وتعني قلب المدينة و"التجارة"؛ ممتدةً من باب العامود حتى باب النبي داود وتضم على وجه التحديد خان الزيت وسوق العطارين والحمام العثماني آنذاك، وفيما يلي الأسواق الحيوية التي يُوصى بزيارتها:

 سوق الدباغة "أفيتموس": أقرب سوق لكنيسة القيامة؛ يُقال أن فيه كانت الجلود تُدبغ ويباع الذهب لكل أنحاء فلسطين واليوم تباع فيه التحف للسياح.

سوق الخواجات: تقول الروايات أنه في زمن الأتراك كانت تتواجد به محلات الذهب وأصحابها يونان وأرمن ثم أصبحت محلات للأقشمة، وقد اضطرت معظمها للإغلاق بسبب الضرائب الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال باستثناء ستة منها. 

سوق العطارين: تفوح رائحته بالعطارة منذ قديم الزمان حيث البهارات والفواكه المجففة، ويمتاز في الوقت الراهن بالتنوع الشديد في بضائعه المعروضة، ومن محاله المشهورة التي يرتادها السياح وأهل القدس على حدٍ سواء "بحر الأعشاب" الذي توارثته "عائلة المؤقت" على مدار 400 عام، ويقدم خلطات وعلاجات شعبية وستجد أن كل بهار يحمل اسمه بخمس لغات، فيما تشهد توابل الطبخ والشواء خاصَته إقبالاً كبير.

سوق اللحامين: وفيه مطاعم صغيرة شعبية لبيع الكبدة واللسانات والمخاخ والطبخ العربي عموماً، ويفضل المرشدون الذهاب بالسياح إلى المطاعم التي يقصدها سكان المدينة. 

سوق القطانين: فيه مَحال للحلويات، ويؤدي لبوابة باب القطانين، إذ يلتصق السوق بالمسجد الأقصى، وتتضاعف هجمات جنود الاحتلال والمستوطنين عليه.

خان الزيت: سيد الحلوى هذا السوق، وفيه محل "حلويات جعفر" الشهير بكنافته النابلسية ويقصده القاصي والداني، ولا يشهد فرعه في بيت حنينا خارج أسوار البلدة نفس الإقبال، فهناك سرٌ يُجمع عليه المقدسيون "أن الله وضع بركته في كل شيء داخل الأسوار".

في حين أن الروائي المقدسي عيسى القواسمي الذي قال "هذه المدينة قريبة من الله، بعيدة عن كل ما سواه"، يخبر "آفاق البيئة والتنمية" أن أحد الأماكن المهمة في جولات السياح، تكية خاصكي سلطان التي أنشأتها روكسلانة زوجة السلطان سليمان القانوني لإطعام فقراء القدس، وكانت تقدم ١٠٠٠ وجبة يوميا من الشوربة، والتكية حالياً تقدمها في شهر رمضان فقط، فضلاً عن مكتبة الصدقات التي تبعد بضعة أمتارٍ عن المسجد الأقصى، وتشتمل على كتب التاريخ الإسلامي.

أبرز المطاعم

السائر في شوارع القدس لا بد وأن تألف عينه عربات باعة كعك القدس خرافي الطعم فلا تعثر على مذاقه خارج أسوار البلدة ولا في أي مكان بالعالم، وإلى جانبه فلافل بحجم كبير محشي بالبصل والسماق والفلفل.

ومن المطاعم التراثية المشهود لها "خان أبو خديجة" والواقع في طريق باب السلسلة والمبني من ثلاثينيات القرن الماضي وتُقام فيه الأمسيات، في حارة النصارى يوجد "مطعم لينا للحمص" المميز بملامحه التاريخية، وإلى جانبه مطعم العكرماوي للأطباق الشعبية، وكذلك الحال "مطعم زغاليل كوستا"، ومن المطاعم القديمة أيضاً "أبو شكري" الشهير للحمص والفلافل والمسبحة، وفي حارة الأرمن يبيع المطعم الأرمني أطباقاً عربية وأرمنية مثل الصفيحة، وداخل البلدة أيضاً يوجد "مطعم العائلات المميز" في طهي الدجاج والمسحب، ومطعم الدجاني في سوق أفتيموس، أما خارجها يوجد مطعم الشعلة للشاورما والحمص وهو قريب من فنادق السياح، وكذلك مطعم أبو حسن للحمص والفول.

ماذا عن الفنادق؟

سؤال وجهنّاه لمن يحفظ الجواب عن ظهر قلب بحكم الخبرة، بالعودة إلى خضر نجم الذي اقترح عدداً من الأسماء متطرقاً إلى الأسعار: "الفنادق القريبة من البلدة القديمة تعد غالية نسبياً، وجرت العادة أن يكون سعر الليلة الواحدة 100 دولار مع وجبة الإفطار وقد يزيد أو ينقص ويتوقف ذلك على مستوى الفندق، وبطبيعة الحال بتضاعف السعر في المواسم والأعياد".

ومن الفنادق التي ينصح بها داخل البلدة القديمة أو على مقربة منها؛ فندق "الجيروساليم" والذي بُني على بقايا كنيسة بيزنطية قديمة جداً، وهو قريب جداً من باب العامود ويمتاز بطرازه الشرقي الفاخر، وفندق النوتردام عند باب الحديد ، وفندق أسوار القدس قرب باب العامود، وفندق الإمبريال والبتراء عند باب الخليل، والفندق الهاشمي وفندق العرب في خان الزيت.

وثمة فنادق أخرى مميزة مثل فندق "الهولي لاند" مقابل باب الساهرة، وليجاسي " 4 نجوم" ويقع مقابل المعمل الأرمني للخزف في شارع نابلس، وفندق الأسوار الذهبية، مضيفاً: "هذه الفنادق كونها قريبة من أسوار البلدة القديمة تشهد إقبالاً ومعروفة بغلائها، إضافة إلى فندق الأقواس السبعة في جبل الزيتون، وفندق الكابيتال، والزهراء و"السانت جورج" وفندق الإمبسادور".

وللراغبين في الإقامة بفندق بنكهة تاريخية؛ ينصح الروائي عيسى القواسمي بــ "الفندق الوطني" ويعد من أنجح فنادق القدس، حسب رأيه، نظراً لموقعه الجغرافي لكونه قريب من البلدة القديمة، ويقول بشأنه: "أُنشئ مطعماً في عشرينيات القرن الماضي واستمر حتى حلت النكبة عام 1948 ثم مر بتحولات جذرية على مدار تاريخه، وفي فترة الحكم الأردني أضيفت غرفاً فندقية إلى المطعم، ثم أعيد تأهيله بعد إجراء ترميمات مهمة فيه عام 2010".

 

 

2022-06-20