الجمعة 14/1/1444 هـ الموافق 12/08/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
منتدى الفكر والإبداع بندوةٍ حسّونيّةٍ في شفاعمرو!
....آمال عوّاد رضوان

 أقام منتدى الفكر والإبداع لقاءَهُ الدَّوريَّ بتاريخ 31.7.2022، في بيت ناظم حسّون في شفاعمرو، احتفاء بإصداراته الشعرية: "وجه حبيبي"، و "على باب عينيك"، و "كنت انتِ وكنت أنا"، وسط حضورٍ نوعيٍّ من شعراء وأدباء ومهتمّين بالأدب، وقد أدارت النّدوةَ آمال عوّاد رضوان، فرحّبت بالحضور، وتحدّثت عن ناظم حسون  بنبذة قصيرة حول إصدارته وتدرُّجه في مشواره الشّعريّ، وقد كانت مداخلات حول إصداراته لكلّ من: د. محمد خليل، ومحمد الريشة، والمربّي عبد الرحيم الشيخ يوسف فيها من الإسهاب حول الأسلوبيّة والبلاغة، وتحدّثت سلوى منصور عن كتابها ، ثمّ تلا المحتفى به بعضًا من قصائده، وكانت وصلة غنائيّة من نهاي بيم، ونقاش مستفيض من الحضور، وفي نهاية اللقاء تمّ التقاط الصور التذكاريّة.

   د. محمد خليل تناول قصيدة (على باب عينيكِ)، والتي تحمل المجموعة اسم هذه القصيدة، توزعت موضوعات قصائد المجموعة ما بين: العشق، وحب الحبيب، وحب المكان من مدن وأقطار، وحب الخمرة، وتباريح الهوى والجوى الخ.. وكأنّي به أراد   أن يقول: على باب عينيكِ وقفتُ! القصيدة تعبِّر عن مكنونات الشاعر النّفسيّة، وتكشف عن أحاسيسه في الغزل العذريّ، وانبهاره بسحر عيني المحبوب وجمالهما. يَظهر شاعرُنا وهو يقف منبهرًا أمامَ محرابِ عيني المحبوب محرابِ الجمال، فعن العينين حدِّث ولا خجل! الشاعر، في بوحه الجميل، يكشف لنا عن مدى تعلُّقِهِ بعيني المحبوب تحديدًا، فهل في الجزءِ ما يُغني عن سائر أعضاء الجسد؟ يقول:

على باب عينيكِ/ علقتُ درعي وسيفيوأعلنتُ أني خسرتُ فؤادي/ وأني خسرتُ جوادي/ وأعلنتُ أن دمي مستباحْ!

يُرى الشاعر وهو أشبه ما يكون بالفارس العاشق والمنهزم في الوقت نفسه. فبعد أنّ أدرك أن معركتَه مع المحبوب خاسرة، وأنّ انتصاره عليه محال، وبعد أن فقد جواده، وعلَّقَ سيفه ودرعَه على باب عينيِّ المحبوب، وفقده لجوادِه، يُعلن انسحابه من النزالِ، ويأتي متذلِّلًا إكرامًا لسحر عينيه! وقد شبّههما بالمحراب، محراب العاشقين، أو بالمعبد المقدّس! ولا يأنف من التذلُّل إلى المحبوب لنيل رضاه، فعِزَّةُ العاشقِ وكبرياؤُه يتصاغران أمام المحبوب

     وقد قيل: كلُّ تذلُّلٍ غيرُ محمودٍ إلا في الحبِّ! صورةٌ فنّيّة تقليديّة لكنها جميلة! ومعروف أنّ صورةً واحدة قد تُغني عن ألف كلمة! لندَعِ الصورة هي الّتي تتكلم! فكأنَّ التذلَّلَ من لزوميّات الحبّ الّذي دقّت معانِيهِ ورقَّت، لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدرك حقيقتُها إلّا بالمعاناة والتّذلُّل، على حدّ تعبير ابن حزم في طوق الحمامةومن جميل ما قرأت في سهام العيون، وهما لابن الرومي:

نظرَتْ فأقصَدتِ الفؤادَ بطرفـهـا/ ثم انثنت عني فكدتُ أهيمُ

ويلاه إن نظرتْ وإن هي أعرضت/ وَقْعُ السِّهامِ ونزعُهُنَّ أليمُ

وأوردَ أبو بكر محمد بن داود الظاهري (من عام 255-297 ه ببغداد) في الباب السادس من كتابه الموسوم بـ الزُّهرة "التذلُّلُ للحبيب من شيم الأديبقال:

قد ذلل الشوقُ قلبي فهو معترفٌ  إنَّ التذللَ في حكم الهوى شرفٌ

* واضحٌ أنّ شاعرنا مرهفُ الإحساسِ، لدرجةِ أنّه لم يقوَ على تحملِ هذا السّحر وهذا الجمال. فما كان منه إلّا أن أعلن عن وقف القتال والاستسلامِ التّام! معترفًا بالفم الملآن أنّ انتصاره محالٌ، وأنّه لا يستطيع مقاومة هذا الجمال الذي يفوق الخيال! وعلى رأي الصّوفيّة: من ذاق عرف، ومن عرف اغترف، ومن اغترف اعترف، وشاعرنا اعترف! يقول:

وأدركت أن انتصاري محالْ/ فقررتُ وقفَ القتالْ/ فمن ذا يقاومُ سحرًا/ يفوق الخيالْ؟

    باختصار: شاعرنا قرر أن يُسلِّم سلاحه ويُعلنَ استسلامه! وعلى رأي المتنبي:

الرّأيُ قبل شجاعة الشّجعان ..... هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني

      إلّا أنّه وعلى الرّغم من كلّ ذلك التذلُّل، لم يُخبرْنا ما إذا كان بابُ عيني المحبوب قد بقي موصدًا في وجهه أم فُتِح له، إنّما أُسدل السّتار، وبقي المشهد على حاله!   

    *هذا العشق الرقيق أشبه ما يكون بالدّواء، فقليله نافع وكثيره قاتل! وهو يذكرنا بعصر الغزل العذري، حين كان الشاعر المتيم يشكو تباريحَ الهوى وآلام الجوى، ما يجعلُه يهيم في الصحراء على غيرِ هدى، ممتطيًا ظهرَ بعيرِه بحثًا عن ديار الأحبة، أو للوقوف على الأطلال، ويخبرُنا بأنّ دمه بات مستباحًا أو مهدورًا، جريًا على عادات العرب! إنّه يسير على خطى الغزل العربي القديم! نراه مُخلصًا ومحافظًا على التراث العربيّ في التذلُّل للحبيب!

    *لكن الأديبَ، كما يُفترَض، ابنُ عصره وابنُ بيئته. كذلك هو الأدب، إذ يجب أن يكون مُشاكِلًا لعصره. فالشعر وكلُّ أدبٍ آخرَ يجب أن يتلاءمَ مع عصره الذي قيل فيه! فيا حبذا لو يطرق شاعرُنا بابَ الحداثة، ففيها ما فيها من القيمة المضافة والمتعة الحقيقيّة! كان الشاعر في العصور الغابرة للغزل العربيّ القديم يستخدم الجمل كوسيلةٍ في حله وترحاله، أما شاعرنا فقد أحسن صنعًا إذ استخدم الجواد، وهكذا يكون قد وقف بينَ بين، بين الجملِ من جهة، وبينَ المركبات الفخمة والفارهة وسيلةِ العصر من جهة أخرى!

   *الأسلوب سهل ممتنع، وممتع بنفس الوقت، لكنه لم يخرج عن مألوف اللغة إلى الحداثة مثلًا، فلغته الشّعريّة جزلة وبيِّنة لا تستعصي على الفهم، وهو إلى ذلك مصوِّرٌ ماهر، ومترجم بارع! يترجم المشاهد الّتي يراها، أو المتخيّلة فيحيلُها إلى مشاهدَ محسوسةٍ ملموسة. كذلك نجده يكثر من استخدام الوسائل التصويريّة من مُحسّنات لفظيّة، ووسائل فنّيّة مُتعدّدة. ففي مطلع القصيدة يوظِّف شاعرنا إحدى التّقنِيَّات الفنّيّة ألا وهي: الاسترجاع أو الفلاش باك، ليجعل الأحداث مؤثّرةً ولافتةً أكثر. فهو يبدأ قصيدته بمشهد أقرب ما يكون إلى المشهد المسرحيّ، وهو المشهد الرّئيسيّ الذي قد يُشكّل الحدث الأهمّ والأبرز في القصيدة.

* وأختِمُ بالتساؤل: شاهدنا شاعرنا في الغزل العذريّ، فهل نشاهده، في قادم الأيام في الغزل الإباحيّ؟

2022-08-01