الجمعة 14/1/1444 هـ الموافق 12/08/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
شوقية عروق منصور تكتب لـ"الوسط اليوم":مكتبة البشارة التي ما زالت تنام في سوق الناصرة القديم

حين تدخل سوق الناصرة القديم وبالتحديد سوق الحدادين وكنيسة مجمع الكاثوليك تواجهك الجدران القديمة التي أخفت بين ذرات حجارتها وجوهاً وصدى أصوات الذين غابوا ، ولكن علق بين تلك الذرات الترابية دهشة التاريخ الذي يرفض الرحيل ويصر على الوقوف والتحدي حاملاً الحكايات من غير صوت، فلغة التاريخ لم تعد تهم أحداً ، لأن الواقع يربط أحزمة الهبوط في مطارات السرعة وعدم الاهتمام والانتباه ،  فأبجدية المتعة في هذا العصر  أن تأكل وتلهو وتنسى وتمارس الرقص السياسي على رؤوس الأصابع،  اذا اقتضى الأمر تخلع ثيابك عند أول شارع يدعو للتصفيق للحاكم . 

تقع " مكتبة البشارة  " في سوق الناصرة القديم إلى جانب كنيسة الكاثوليك، هناك بناية قديمة جداً والمكتبة في الطابق الثاني حيث تطل نوافذها على أسطح المحلات  والبيوت، والممتع أن ترى العشب متسللاً من بين الحجارة داعياً أصحابها الى الاهتمام بدلاً من الإهمال . 

أمام المكتبة هناك عدة محلات ، واجهة عرض الأحذية وواجهة عرض فساتين نسائية  أما ذلك العجوز الذي كان  يجلس منتظراً  أمام ذلك الدولاب الصامت ، وأحياناً كان يلهو بلعب ورق الشدة مع صاحب محل الأحذية ، فقد كنت أراقبه  بشفقة ، لأن لا أحد يأتي لكي  يشحذ السكاكين، بعد مضي سنوات عز كانت له ، حيث كان  طابور الانتظار أمام محله يضرب به المثل. 

 بين بناية المكتبة والدكاكين ذلك الرصيف المبلط ببلاط صخري لامع ، السير عليه بحاجة إلى تأني وانتباه ، لأنه قد يصبح  مصيدة للعابرين حيث يجدون أنفسهم  يتزحلقون لأنهم خدعوا بلمعانه واعتقدوا أنه يهديهم إلى الضوء ، وبين رصيف المحلات ورصيف المكتبة هناك  المجرى الناشف في الصيف أما في الشتاء فقد كانت تجري فيه مياه الأمطار ، ترى الأولاد في فصل الشتاء يلعبون في مياهه بنشوة فرح.

 ما أن تفتح الباب الحديدي   الذي يقع أمام  المحلات حتى تجد أمامك ساحة صغيرة ثم ذلك الدرج اللولبي والدرابزين المدهون باللون الأسود  الذي يشير إلى حرص المسؤولين . 

تصل إلى باب كبير، من الأبواب القديمة التي في أعلاها تجد ديكوراً يؤكد على ذوق مهندسها ، القوس  الخشبي  المزخرف محاطاً  بزجاج ملون - فقط تراه في البيوت القديمة في الناصرة - . 

 تفتح الباب فتواجهك تلك الموظفة القادمة إما من  إيطاليا أو من سيرلانكا أو إنكلترا يتكلمن العربية بصعوبة ، وبعد مضي سنوات تصبح اللغة  العربية المكسرة هي وسيلة التكلم والسؤال بيننا ، وبين فترة وأخرى  ترجع الموظفة إلى بلادها ، وتأتي  وجوهاً جديدة ونرجع من البداية ، هن يتعلمن اللغة العربية ونحن نتعلم منهن بعض الكلمات الأجنبية  ، وتغطس  الأيام والسنوات  في تقليب الصفحات والقراءة ونعيش في عالم يقدم لنا جمالية المعرفة ومتعة الوقت . 

لقد شكلت " مكتبة البشارة " الشخصية الثقافية النصراوية، كانت المكتبة الأولى في  أوائل السبعينات حين كانت الكتب شحيحة وإذا وجدت كانت غالية الثمن  ، وعندما كنت أسأل الموظفات اللواتي يعملن عن المكتبة  يقلن  " من البعثة البابوية " كانت الكتب جديدة  خاصة الكتب اللبنانية التي كانت طبعاتها حديثة جداً ، وأغلفتها براقة ، ملونة ، عدا عن المجلات اللبنانية ،  أذكر مجلة الشبكة والموعد والأنوار ومجلات عبارة عن أفلام إيطالية ، نعم صور من فلم وكل صورة يُكتب عليها أحداث الفلم ، حتى حفظنا أسماء الأبطال والبطلات.

عند انتهاء الدوام المدرسي في المدرسة الابتدائية ثم المدرسة  الثانوية كنت  أذهب إلى المكتبة أقوم بحل الواجبات المدرسية، ففي المكتبة الأجواء هادئة - فالضجيج في بيتنا لكثرة الأخوة  كان لا يحتمل -  ثم أختار كتاباً  كي اطالعه في البيت ، وكان مقعدي المفضل عند النافذة حيث يطل على سطح الكنيسة . 

قبل فترة كنت في نادي حيفا الثقافي التقيت بالدكتور " اليف صباغ "  لم أعرفه في البداية ولكن تقدم مني معترفاً " أنه كان يخاف مني " ضحكت .. وقلت باستهجان أنا ؟؟ فقال عندما كان يأتي مع أحد أصدقائه  الى مكتبة البشارة وأكون موجودة ، يمشون بهدوء ولا يتكلمون ،  وما أن " يطلع صوتهم " حتى أنظر اليهم وأقول لهم " بديش أسمع صوت " وأنظر إليهم بغضب ورعب ،  فيخافون مني . 

قبل سنوات عديدة أغلقت مكتبة البشارة ، لا أحد يذكر أنها كانت معلم ثقافي هام من معالم الناصرة ، ومن معالم السوق القديم ، من يمر من أمام البوابة الحديدية المغلقة بجنزير والصدأ يعلوها ، يشعر كأن هذا الصدأ يعلو مرحلة وسنوات من اعمارنا .. لا أعرف  أين ذهبت الكتب ؟ ولكن الذي أعلمه أن هناك اجيالاً نهلت المعرفة والثقافة وقد سدت مكتبة البشارة  فجوات ثقافية في ذلك الزمن، الزمن  الذي كان يعانق الفقر والضيق وغياب الكتب.  

شوقية عروق منصور 

2022-08-04