السبت 27/2/1444 هـ الموافق 24/09/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أحمد علي أبو مراحيل، العشريني الذي قاد قوات العاصفة في غزة....تقرير رولا ضاهر
 في عام 1965 أعلنت حركة فتح في بيانها العسكري الأول تشكيل ما عُرف باسم "قوات العاصفة"، وكان ذلك إيذاناً بإطلاق الكفاح المسلح من أجل تحرير واستعادة الأراضي الفلسطينية. وقد اقتصر نشاط هذه القوات التي شكلها ياسر عرفات وخليل الوزير، على عمليات محدودة استهدفت العمق الإسرائيلي انطلاقاً من حدود دول الطوق. ولكن بعد الهزيمة التي مُني بها العرب في حرب حزيران عام 1967، قررت القيادة إطلاق الشرارة من الداخل المحتل وتحديداً في الضفة الغربية وقطاع غزة. افتتحت مراكز التدريب الشعبي في القطاع لاستيعاب المتطوعين الذين لم تكن أعدادهم تتجاوز العشرات آنذاك، ولم تكن معسكرات التدريب مجهزة من حيث الإمكانيات والمعدات، وكانت معظم التدريبات تقتصر على تفكيك وتركيب السلاح وبعض المحاضرات النظرية إلى جانب التدريبات البدينة. في تلك الأثناء برز اسم الشاب العشريني "أحمد أبو مراحيل" الذي كان قد تلقى في عام 1966 تدريبات مسبقة على يد مجموعة مقاتلة من غزة تدربت في منطقة العريش بإشراف ضباط من المخابرات المصرية قبل العدوان الثلاثي على مصر، وهي القوات التي عرفت لاحقاً باسم "قوات حرس حدود فلسطين" وأصبحت فيما بعد نواة لتشكيل جيش التحرير الفلسطيني. بعد ثلاثة أشهر من التدرّب في معسكرات العاصفة بالمنطقة الوسطى، قاد أحمد أبو مراحيل حركة العصابات ميدانياً، وكان مسؤلاً عن مجموعة مدربة ومتحفزة لبدء العمل العسكري. أوكلت للحركة مهمة استنزاف العدو ومهاجمة المستعمرات الإسرائيلية القريبة من نطاق غزة والمنتشرة في النقب، بالإضافة إلى استهداف المراكز العسكرية داخل القطاع، ونفذ أحمد الذي كان اسمه الحركي "صقر الدين"، مجموعة من العمليات: كان أبرزها في عام 1968 حين استهدفت الحركة رتلاً من الجيبات العسكرية الإسرائيلية على طريق صلاح الدين الذي يصل شمال القطاع بجنوبه، وذلك باستخدام ألغام أرضية، وكانت تلك أولى العمليات التي نفذها فدائيون فلسطينيون في قطاع غزة بعد النكسة، قبل أن ينكشف أمر الحركة ويتم اعتقال عدد من مقاتليها، بينما فر أحمد مطارداً من قوات الاحتلال عبر صحراء سيناء ليلتحق بمعسكرات حركة فتح في الأردن.

سيرته الذاتية

أحمد علي أبو مراحيل واسمه الحركي (صقر الدين أحمد) فدائي ومناضل فلسطيني ولد في بئر السبع عام 1947، هُجّر مع عائلته في عام النكبة إلى قطاع غزة حيث عاش وترعرع في أزقة مخيم النصيرات. كان من أوائل المنتسبين الى معسكرات الثورة الفلسطينية في القطاع. قاد حركة العصابات ضمن صفوف قوات العاصفة في غزة بعد إعلان الكفاح المسلح في ستينيات القرن الماضي، ونفذ عدة عمليات ضد جيش الاحتلال، قبل أن يفرّ مطارداً عام 1969 عبر صحراء سيناء لينضم إلى معسكرات حركة فتح في الأردن. شارك في عمليات عسكرية نوعية استهدفت العمق الإسرائيلي انطلاقاً من الأراضي الأردنية. في أحداث أيلول الأسود عام 1970 اعتقل ضمن مجموعة من الفدائيين وأودع في سجن الجفر قبل أن يطلق سراحه بعد وساطة الرئيس السوداني جعفر النميري. في عام 1973 غادر إلى لبنان والتحق بمعسكرات الثورة في منطقة العرقوب، وشارك في معارك الدفاع عن استقلالية القرار الوطني الفلسطيني. بعد أن خضع لعدة دورات عسكرية في العراق ومصر والأردن، أصبح مدرباً للأشبال والزهرات في معسكرات حركة فتح في شمال لبنان ومن ثم قائداً للقوات المحمولة في المنطقة. في عام 1983 غادر مع القوات الفلسطينية على متن السفينة التي أقلت ياسر عرفات إلى اليمن، وهناك قاد حركة تمرد بعد أن وجد الفدائيون أنفسهم خارج المعادلة التي كان يجري الترتيب لها آنذاك ضمن تسوية سياسىية أسفرت فيما بعد عن توقيع اتفاقية أوسلو، وهي الاتفاقية التي عاد بموجبها إلى الجزء المتاح من الوطن عام 1996، ليصطدم بواقع مرير ويكون شاهداً على تحول منظمة التحرير الفلسطينية بعد عقود من الكفاح، من حركة تحرر وطني إلى سلطة بلا سيادة دون وطن ودولة.

مسيرته النضالية في كتاب

"عائد إلى المخيم" كتاب للصحفي الفلسطيني علي أبو مريحيل يرصد التحولات التي مرت بها حركة التحرر الفلسطينية منذ نشأتها في ستينيات القرن الماضي، حتى إسقاطها خيار الكفاح ودخولها في تسوية سياسية، وذلك بأسلوب روائي يمزج بين المذكرات الشخصية وتسلسل الأحداث التاريخية. ينطلق المؤلف في سرديته الذاتية من تجربة والده النضالية أحمد أبو مراحيل الذي غادر فلسطين مطارداً من قبل الاحتلال عام 1969، وعاد بعد نحو ثلاثة عقود بموجب اتفاق أوسلو. تبدأ فصول الكتاب برحلة المسير الشاقة في صحراء سيناء، ومن ثم تتوالى المجريات بدءاً بأحداث أيلول الأسود في الأردن، مروراً بالحرب الأهلية اللبنانية وخروج القوات الفلسطينية من بيروت، وصولاً إلى توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل وتأسيس السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. يبرز المؤلف خلال هذه الفترات المتعاقبة تفاصيل دقيقة عن كل محطة ومرحلة، تشعر معها بأنه عاصر تلك الأحداث لحظة بلحظة، بل أكثر من ذلك، يوغل في الماضي البعيد ويستحضر أحداثاً ساهمت في تشكيل الوعي الثوري عند بطل الرواية حين كان طفلاً. في فصول لاحقة تدور أحداثها في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، يسجل الكاتب ملاحظاته وانطباعاته الخاصة عن معنى اللجوء والكينونة الفلسطينية، ويسهب في تصوير أوضاع اللاجئين، وينقل صوراً ومشاهد دقيقة من أزقة وحارات المخيم. كما يجري مقاربة بين الصورة الرومانسية للوطن في مخيلة اللاجئ الحالم، والواقع الذي اصطدم به حين عاد إلى قطاع غزة بموجب اتفاق أوسلو، حيث سيشهد هناك بداية تأسيس السلطة الوطنية والحكم الذاتي المحلي، وسيرصد التحولات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني في ظل واقع جديد يتناقض تماماً مع الصورة التي نحتها في قلبه وعلقها على جدران المخيم. يمكن تصنيف الكتاب ضمن الأعمال الروائية التي تناولت التجربة الوجودية للشتات الفلسطيني، لكن ما يعطي قيمة إضافية لهذه الرواية، الجمع بين ذاكرة جيلين فلسطينيين: جيل حمل البندقية وآمن بها، وآخر كان شاهداً على انحراف مسار الكفاح، قبل التورط في تسوية سياسية تهاوت فيها الحقوق، وتبخرت معها أحلام اللاجئين بالعودة! 
2022-08-16