السبت 5/3/1444 هـ الموافق 01/10/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
خليل العواودة انتصرت ونحن هزمنا...د. سامي محمد الأخرس

 

بعدما وصلت الأمور الصحية لدرجة صعبة ومعقدة جدًا، نجحت إرادة الأسير الفلسطيني خليل العواودة بالانتصار على القيد، وانتزاع انتصاره بصبره وجلادته، وتحديه لإرادة السجان الصهيوني والقوانين الصهيونية التي تحاول أن تصنع من الفلسطيني جسد بلا إرادة، ضاربة بعرض الحائط كل القوانين والأعراف الدولية، ومتعدية على حقوق الإنسان، والإنسانية التي يتغنى بها العالم المتقدم دون أن يحرك ساكنًا، حيث أنه عند دولة الكيان يبلع لسانه، ويقف بشكل صاغر ومذل أمام الكيان الصهيوني، عكس مواقفه ضد الشعوب كلها، وخاصة في منطقتنا العربية التي ينقب بها عن أي مدخلات يتسرب منها للعقل والإرادة العربية.

معركة خليل العواودة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة في معركة البقاء الفلسطيني، حيث سبق معركة العواودة العديد من المعارك الأخرى، وسيتبعها العديد من المعارك طالما هناك عدو يتغول على الفلسطيني إنسانًا وشعبًا وأرضًا، ويبدع في سن قوانين مجردة تستهدف الإنسان أولًا، والحياة ثانيًا، ورغم تعدد هذه المعارك وتكرارها إلا أنه لا يوجد أي محاولات جدية من الكل الفلسطيني لوضع حلول لهذا التغول، وهذه القوانين غير الآدمية، سواء بشكل رسمي أو بغير رسمي، حيث تبتلع المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، والعربية، والدولية لسانها، وتغمد سيفها أمام هذه القوانين، وهذه الممارسات الصهيونية التي تعتبر ضد الإنسان والإنسانية، عكس ما نشهده من ثورة هذه المؤسسات أمام أي ظاهرة أخرى، أو أي قوانين أخرى حتى لو كانت تستهدف تنظيم المجتمع، أو التساوق مع بعض التشريعات المجتمعية والدينية، وهذا ليس بصدد المحاكمة ولكن بهدف المقارنة والمقاربة، بين ممارسات هذه المؤسسات وفعلها عندما يتعرض الإنسان الفلسطيني لمثل هذه الممارسات، وما يشابها أو يضاهيها في أماكن أو قضايا أخرى.

أما التنظيمات والقوى الفلسطينية فإنها أيضًا استطاعت أن تكسر حاجز الفعل الذي كان أحيانًا أكثر قوة وجدوى في ردع بعض الممارسات الصهيونية، وانتقل إلى سلوك البيانات والتصريحات فقط، وإن كانت تلك أيضًا تراجعت بعض الشيء في الأونة الأخيرة، بل ولفت الانتباه إلى سلوك جديد تسلل إلى العقلية الحزبية الفلسطينية، ألَّا وهو التصنيف في بعض المسائل وفق الإنتماء الحزبي، واعتبار قضية مثل قضية خليل العواودة هي قضية تخص التنظيم أو الحزب الذي ينتمي إليه فقط، وإن تحرك أو تصرف أي تنظيم آخر مجرد واجب رفع عتب أو اثبات حضور شكلي، وهذا نجاح فاعل لتفكير وفعل العدو الصهيوني الذي استطاع أن يحقق نجاحًا باهرًا في خلق قواعد التصنيف الحزبي والتنظيمي، والإستفراد بكل حزب كما فعل في معركة غزة الأخيرة ضد الجهاد الإسلامي، مدعيًا أن ضرباته ضد فصيل، وكذلك في قضايا الأسرى والإضرابات الطويلة عن الطعام، مما يؤكد حجم ومساحة الفراغ في التفكير الجمعي الفلسطيني.

في ذات الوقت لم تتحرك مؤسسات ووزارات السلطتين سواء في رام الله أو غزة، ولم نر تحركات فاعلة لوزارة العدل الفلسطينية، أو وزارة الخارجية، أو حتى وازرة الثقافة أو مجلس الوزراء التحرك الذي يفضح العدو الصهيوني، ويصعد مسألة القوانين غير الأدمية في المؤسسات الدولية والمحاكم الدولية، بما أنها تأتي في سياق إنتهاك الحقوق الإنسانية، والتعدي على الذات الإنسانية، كما أن الممثليات الفلسطينية في الخارج وعلى وجه التحديد في أوروبا ومكاتب الأحزاب والتنظيمات لم تتحرك ولم تكن على مستوى الحدث، ولم تستغل الجاليات الفلسطينية، في تلك البلدان بشكل منظم وممنهج لخلق رأي عام ضاغط على الكيان الصهيوني، في الوقت الذي تجيش الجيوش في أي مسألة أخرى هامشية وشكلية. في الوقت الذي تمتلك فيه وزارة الاسرى جيش من الأسرى والموظفين المعنيون بقضايا الأسرى، وعليها أن تتحرك على مستويات مثل البرلمانات العربية والأوروبية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة العمل الإسلامي، والمنظمات الدولية، في الوقت الذي نرى فيه تحركات وعلاقات تجوب العالم مع مؤسسات ومنظمات التمويل لمشاريع النساء وحقوق الإنسان ...إلخ من القضايا الشكلية غير المؤثرة والتي لا تعتبر احتياج فلسطيني بالأصل.

إن قضية ومعركة الأسير خليل العواودة يجب أن تشكل لدينا حافز ودافع بمواجهة القوانين التي تفرض على الفلسطيني التعليب والتجميد في سجون الكيان الصهيوني دون اي مبررات لمجرد شبه أو غير شبه أو وفق الإرادة الصهيونية، وتفتح آفاق جديدة لوضع إستراتيجيات المواجهة وإثارة الرأي العام وفق قواعد وأسس وخطط ممنهجة، وتعد لها الموازنات الجزئية كما تعد لنشاطات وبرامج الحكومة والأحزاب الفلسطينية.

في خاتم المقال النصر حليف الصابرين، الصامدين، ولكن هذه الانتصارات المعنوية التي يدفع الأسير ثمنًا باهظًا من إرادته وعافيته وصحته يجب أن تحرك فينا فلسطينيتنا، ويجب أن تحرك فينا دوافع الوطنية العامة والشاملة لمواجهة هذا الكيان في محافل القانون وغير القانون، وأن نعيد تجميع وتشبيك نسيجنا الوطني في بوتقة اللحمة الوطنية الجامعة، وتفويت أي فرصة للعدو أن يرهننا في واقع حزبيتنا الضيقة، لينفذ استفراده فينا وفق التصنيف الحزبي.
د. سامي محمد الأخرس

2022-09-02