الجمعة 8/5/1444 هـ الموافق 02/12/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قصتي...ابتسام عباس

حان موعد إقلاع الطائرة؛ تناول راوي حقيبته وتقدّم بصحبة أمّه.

أقلعت الطائرة وراوي ينظر من الشباك إلى الأرض مستمتعًا بالإبداع الذي يكمن فيها.

راوي يعشق الطبيعة ويتفكّر في أسباب وجود هذا الكوكب، ودوافع استمراره.

- أمّي انظري! إنّ الماء يغطّي المساحة الأكبر من الأرض، رغم أنّ الماء لا يميّزه لون معيّن، إلّا أنّ شفافيّته تشارك السماء زرقتها.

- ماذا لو أخد الإنسان شفافيّة الماء وشارك الدنيا بجمالها؟

- انظري وتمتّعي بجمال اللّوحة الإلهيّة؛ فالمياه في البحار تبدو من الطائرة كأنّها قوالب حلوى، أطرافها مزيّنة بالمكسّرات.

- إنّ الماء حياة الأرض والله أحيا كلّ مخلوقاته به، فهو يرافق الجنين في رحم أمّه، والبذور في الأرض إذ تعجز التّربة عن احتضانها دون أن ترتوي بالماء، فالماء يؤدّي دور المشاعر، التي بدونها لا نستطيع الاستمرار. 

أتعلمين يا أمّي أنّ هناك مياهًا جوفيّة؟

- نعم أعرف

- أظنّ أحيانًا أنّ الله زمّها في قلب الأرض ليخفّف من شدّة حرارتها، فلولا ذلك لانفجرت.

وهذا حال المحبّة في القلوب؛ لولاها لاختنقت النفوس.

- حتّى التراب يا أمّي يتغيّر حاله إذا هجرته المياه.

- وماذا نفعل بالتراب بدون ماء؟ فالماء حياة الأرض وروحها، فإذا رحلت أرواحنا جفّت أجسادنا وعادت إلى التّراب. 

- إذن، فنحن من ترابٍ وماءٍ،  وإن جفّ ماؤنا توقّفتِ الحياة.

 لكنّ ما يشغل تفكيري، لماذا تشكّل كميّة المياه ثلاثة أضعاف اليابسة؟ سأقوم بدراسة هذا الموضوع وربّما أجريت بحثًا حوله.

انتبه! إنّ الطائرة تهبط.
طبعًا إنّني متنبّه إلى ذلك، وأتمنّى لو أن الطائرة تهبط قرب البحر.

- في المرّة القادمة سنسافر بالسفينة لنتعرّف على أبناء البحار وبناته فهناك عالم آخر يستحقّ البحث والتفكير. 

- ربّما وجدت إجابة لسؤالي.

- وربّما ولد في ذهنك كثير من الأسئلة التي تتطلّب منك الاجتهاد للوصول إلى لإجابات.

- بدأت أشعر بالعطش. 

- سنشتري الماء حالًا.

 - ما زال يُذهِلني هذا المُرَكّب.

 - أيُّ مُرَكّب؟

 - الماءُ يا أمّي.

-  وما الذي يثير دهشتك واستغرابَكَ؟

- أنّه يتكوّن من غازين أحدهُما يشتَعِل، والآخر يساعد على الاشتعال، وعندما يلتقيان نحصل على سائلٍ يطفئ النيران ويروي الظمآن. 

- الأهمّ من ذلك – يا بُنيّ- أَنّ هذا المركّب هو نبض الأرض وروحها. فلِم الدّهشة؟ إنّ بعضنا يزرع الشرّ وآخرون يساعدون على نموّه، ولو اجتمعنا على حبٍّ لغطّى الخير الانسانيّة، كما تغطّي المياه الكرة الأرضيّة.

أنتِ أَيضًا تثيرين دهشتي يا أُمّي.

- لماذا؟

- أَيُّ قدرةٍ لديك على ربط حياة الإنسان في هذا المُرَكّب الغريب.

- إنَّ جماله يكمن في غرابتِهِ فالماء يتدحرجُ من السّماء إلى الأرض، ليخفّف من حرارتها ويحثّ على الاستمرار، ينقِذُ البذور من الموت، والإنسان من العذاب، والطير والحيوان من الإبادة والانقراض، فلا تستغرب. الله جعل الماء سببًا للحياة ونسب له وظيفة كسوة الأرض بأجمل الثياب، فانظر إلى الأرض في فصل الشِتاء، تغتسِلُ وتتخلّصُ من كلّ شوائبها، كالفتاة التي تستعدّ ليوم زفافها إذ ترتوي جمالًا. وفي الربيع تكسوها الألوان الساحرة الخلّابة فتنجب العروس أطفالها لتعمّر الأرض؛ أمّا في الصّيف فيتوقّف نزول الماء من السمائ فيلجأ الإنسان إلى البحار ليعوّض نفسه عن غيث السّماء. وسرعان ما تعود الرحمة الإلهيّة باتّخاذها  قرار تجديد معاهدة العودة السنويّة في الوقت المتّفق عليه.

- كم تجيدين الربط بينهما. بتُّ أرى وجه الشبه واضحًا، ممّا يزيدني إيمانًا ويشجّعني على  البحث في علم الأرض والماء.

 

2022-10-03