الجمعة 8/5/1444 هـ الموافق 02/12/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هذيان مواطن في مسألة الحكم الشرعي....محمد عودة الله

من البداية كاتب هذا المقال ليس متفقهاً في الدين الإسلامي، ولكنه يعلم بعض صغار الأمور في التراث الديني، يتحدث الكثيرون عن الحكم الشرعي أو رأي الشرع، وتجدهم يتحدثون على الفضائيات بحثاً عن فتوى تثلج صدورهم وتريح ضمائرهم، وكأن الحكم الشرعي ثابت ومنزل من عند الله.

    كم أكره أن أفسد لكم هذا الإستعراض للتقوى ومخافة الله، ولكن الحكم الشرعي ليس من عند الله، إنه من عند البشر، والبشر جميعا خطاؤون وهم خليط من الخير والشر، خليط من التبصر بالدين والأهواء والميول والرغبات والإنتماء الطبقي والسياسي والإجتماعي والجندري، صحيح أن من يصدر الحكم الشرعي يعتمد على نصوص دينية، ولكن انتقائه للنصوص ذات الصلة يعتمد على شخصه الكريم، ولا يحمل رأيه صفة المقدس، لأنه وبعد وفاة الرسول فقد انقطع الوحي، ولا يوجد مسلم في عالمنا اليوم يمكنه أن يدعي أنه يمثل الله على الأرض، لذلك يوجد في الإسلام العديد من المذاهب والملل والتي تعتمد على نفس النصوص الدينية، ولكنها تختلف في تأويل وتفسير النصوص وعليه تختلف في الأحكام الشرعية، وقد قالها المسلمون الأوائل لعمر بن الخطاب وهو المبشر بالجنة: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً يا عمر لقومناه بسيوفنا".

    الحكم في الإسلام بعد الرسول لا يمكنه أن يدعي صفة المقدس، وفكرة الحاكمية لله هي فكرة دخيلة على مجتمعاتنا وحضارتنا، وربما تكون شكل من أشكال التأثر بأوروبا عصور الظلام حيث كانت الكنيسة تدعي تمثيل الله على الأرض، وأعتقد أن فكرة ولاية الفقيه لدى بعض أخواننا الشيعة قريبة من هذا المنحى، وهو منحى دخيل على التراث الإسلامي، لقد مات أغلب الخلفاء الراشدين قتلاً وهم مبشرون بالجنة.

ولا أقول هنا أن هذا السلوك سليم، ولكنني أقول أن إحاطة رجال الدين المعاصرين وفتاويهم بهالة من القداسة هو سلوك يتنافى مع المنطق أولاً ومع إرثنا الديني ثانياً، مرد ذلك على ما أعتقد هو بنية الأسرة والمجتمع الأبوية، وعليه فإن ما قاله سيد قطب مثلاً يمثل قرائته الدينية الخاصة وليس منزلاً، خذ مثلاً الهالة التي تحيط بشعراوي كمفسر للقرآن الكريم، وهو الذي حمد الله أن إسرئيل هزمت العرب في 67 لأن ذلك أبعد عنه شر الملاحدة السوفييت، هذا مثال كيف يمكن أن يقود فهم ديني معين إلى الخيانة، وخذ مثلا آخر وهو القرضاوي والذي ينظر إليه كمدافع عن حمى الإسلام في القدس وفلسطين، وهو الذي قال أن النبي محمد لو بعث من جديد لوضع يده في يد حلف الناتو، والقرضاوي لم يرد أن يرى أن فلسطين اغتصبت وتغتصب كل دقيقة على يد أدوات حلف الناتو، القرضاوي نفسه أسس الإتحاد العام لعلماء المسلمين ونصب نفسه رئيساً للإتحاد دون انتخاب أو تفويض أو أي استشارة لعموم المسلمين، وهو سعى إلى تشكيل طبقة من الكهنوت توجه الأمة في خدمة حلف الناتو وأهدافه في المنطقة، وخذ مثلاً آخر أردوغان والذي ينظر إليه من قبل الكثيرين على أنه خليفة المسلمين، لقد باع فلسطين والقدس مع أول أزمة واجهت الليرة التركية، وأنا لا أقول أن هؤلاء كفار، بل أقول حقيقة دامغة وبسيطة انهم بشر يخطؤون ويصيبون.

عزيزي القارىء، يبدو لي أن كثير من الناس تبحث عن الفتاوى والحكم الشرعي لأسباب عديدة، بعض الناس تخشى الضلال، والبعض لا يريد ان يتحمل مسؤولية أعماله أمام الله و/أو أمام الناس، والبعض يبحث عن مسوغات دينية لأعماله...إلخ، ولكن علينا جميعا أن نتذكر أن رجال الدين هم بشر مثلنا وما يقولونه هو رأيهم الديني، وهناك لحظات حرجة وصعبة في حياتنا جميعا، عندها "استفتِ قلبك"، فإن اختلطت عليك الأمور، إسأل من المقربين من تعتبره من أهل الحلم والخلق، واتمنى للجميع أن لا يكون فعل الصواب خياراً مراً كالعلقم.      

 

2022-11-16