الأربعاء 10/7/1444 هـ الموافق 01/02/2023 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حياة شاحبة" لسجى حسونة والرواية الخفية الفراغات فرصة لإخفاء الألم أو الإيحاء به .....تحسين يقين

مضمون يقدم نفسه، بدون ذكر الجنس الأدبي للكتاب، كأننا إزاء سردية، وليصنفها القراء ما يشاؤون.

وهنا ستصبح المحاججة النقدية هي في فهم المضمون وشكله، الذي يبدو في التجربة والتجريب معا. 

كان في عقلها الشاب انعتاق نفسي واجتماعي ووطني وهي تتأمل:

"كنتُ أتساءلُ يا سادتي وأنا أجلس على حافة البناية الشاهقة".

صدمة المضمون استدعت شكلا جماليا انفعاليا، كدأب أدب الشباب، فكان أن احتفلت الرواية بآثار الأحداث، التي ظهرت بشكل محدود، لسبب بسيط أن "سيلا"، تود نسيانها، أو التخلص منها، وإن بدا أنها تصالحت أخيرا ولو بشكل نسبي مع مصيرها الأخير.

الأحداث حتى ولو لم تكن كثيرة بما يتناسب مع رواية، لكنها كانت كافية فعلا للحديث عن الشخصيات، ضمن سياق اجتماعي ونفسي، برصد علاقة هو-هي، الزوجين، وأثرها على نفسية الراوية كشاهدة ومنفعلة ومفعول بها، في حين باح هو بالندم محاولا العودة:

"آآهٍ يا زويا، سأعوضكِ حبيبتي عن كلّ ما فات، سأركعُ أمام قدميكِ؛ لتغفري لي بطشي وفاشيّة طبعي؛ ولن أتواني عن عناقكِ والبكاء والاستسماح.. ستكونين ملكتي وسيدتي، وسأتفانى لأجعلكِ أسعد امرأةٍ بالحياة؛ علّني أُكفر كلّ ذنوبي السوداء."

تحاول الشخصية النسوية هنا، المتعرضة للقمع والنفي، الصعود ثانية، لتعوض ما فات فيما يتعلق بإنجازات الحياة:

"تبتسم بتكلُّف في محاولةٍ منها لاستحضار نصائح التفاؤل وإرشادات الطاقة الإيجابية التي كانت تصغي لها عبر برامج التنمية، فتفتعل في رأسها صورة بيضاء، تحاول بالعنوة أن ترسمَ من خلالها المستقبل الجميل البهيّ.. الوظيفة التي تستحقها بجدارة بعد إكمال الماجستير، العمل والاستقلال الاقتصادي، برنامج عنايتها بالبشرة ومخططاتها للسفر والترفيه عن النفس. ثمّ تقفز باستعبارٍ نحو شريط الذكريات.. ذكريات الطفولة والزمن الطيب الذي تمنّت لو أنّهُ لم يُسحق عبر مخالب الحاضر القاسي المنافق والفارغ من ملامح البراءةِ."

أما الحياة العاطفية، فلا تجد بعد تجربتها المريرة التي آلت الى الانفصال، غير العالم الافتراضي:

"يُشيرون لي بالرّاهب القديس الهائم بتلك القديسة الشاحبة اللذين يحملان أقلامًا وأوراقا، ثم يمارسان الحب باللعنات وكتابة خواطر النقمة بحقيقة الخيبات وقبح النّهايات.. يعتبروننا مهزلة يا سيلا..أضحوكة.. مرضى.. معاتيه وشواذ. ثمّ مَن ذا الذي سيكترث لما نكتب؟ مَن ذا الذي سيكترث لثرثراتنا هذه ولعناوين قصصنا يحدق؟"

سام وسيلا، شخصيتان حميميتان، كل منهما عاش ويعيش تجربة نفسية اجتماعية اقتصادية، تلائم عمريهما، فهي كفتاة تزوجت صغيرة، وانفصلت لأسباب لها علاقة بالعقلية الذكورية التقليدية من جهة، ولما ظهر من تحولات في المجتمع من جهة أخرى، في حين هو يراوح مكانه في ظل البطالة، وعدم القدرة على الارتباط رغم الحب، في مفارقة اجتماعية نفسية، حيث لم يعد الحب وحده كافيا لإتمام العلاقات، ووحده المال من له سحر فتح المغاليق. وربما لهذا السبب يهرب في البداية من مبادرتها بالكلام معه، في حين، تظل العلاقة عاطفية لا تذهب باتجاهات عملية، مكتفية بالسخط حينا والرومانسية الحالمة حينا آخر.

وهنا، تظهر الحكاية، كاستدعاء لماضيها قبل سام، حيث تصب جام غضبها على كل ما يتعلق بالزوج العنيف، والذي هو والذكور الآخرين (حتى سام) نتاج تربية عنف مورس عليه، ضمن سياق اجتماعي وسياسي له علاقة مباشرة بالنزاع والصراع هنا، من زمن الجدة، حيث خلق تعقيدات فكرية وسلوكية لدى الذكور.

حوار ديالوج، مع مونولوجات تطول،  تعانق فيها الذاتي بالموضوعي وإن سطا عليه أكام ذلك في حجم الصفحات أو حجم الانفعال الشخصي. وكأن الراوية كانت تشعر بضرورة سرد الحكاية وتوثيقها، "" تكلّمي مع نفسك في هدوء يا سيلا واسأليها ماذا تريد؟ استمعي إلى الصوت البعيد في أعماقك ذلك القادم من طفولتك ونفسك الحقيقة، استمعي له جيّدًا، ثمَّ اكتبي ما يقوله لكِ هذا الصوت."، مستخدمة أسلوب اليوميات في جزء من السرد (لعل الرواية هي ابنة هذا الشعور)، فكانت الرواية شهادة عنها وكل النساء باتجاه التغيير الممكن ولو في المستقبل.

كل ما مرّ يفسر لنا أسلوب الكاتبة، وسر بناء النص، والذي مع قراءته للمرة الثانية، يتبين كيف زاوجت ما بين الانفعال والسرد، اتسم بالتجريب.

هو هجوم عام، بسبب معاناتها أخذ حينا شكل الخطاب والحوار والمونولوج، والاقتباسات وصولا لكافكا ودلالته، فهي تصف وتقدم نفسها ومكانها وزمانها ضمن سياق كافكاوي، حيث تظهر هنا الانفعال الجمالي، أكان ذلك عبر بوحها من خلال مونولوجاتها، أو حتى بالديالوج مع سام.

هي رواية إذن، حتى لو ترددت الكاتبة والناشر في وضع كلمة رواية على الكتاب. وهي رواية تنحو نحو القص المعاصر، من خلال سردية تظهر أحداثا وتخفي أخرى، بحيث يكون للقارئ مجال لإكمال ما لم بتم سرده، أو تفصيل ما جاء مجملا أو على شكل إشارة.

مونولوج، وحوار بين سيلا وسام، كل منهما يلقي بشكل متقطع شيئا عن حياته وما وصل إليه من مصير، فيما يتعلق بالمصر الآن، باتجاه فعل مقاوم يؤكد الحضور والإرادة، على مستوى الفكر والجسد. خلال ذلك ثمة تداعيات نفسية واجتماعية توردها الكاتبة، لها علاقة بمحيطها الاجتماعي، باتجاه نقدي تجاه تحولات المجتمع. لقد بنت الكاتبة النص من خلال الحوار وهذا شكل حيوي، كذلك من خلال حديثها الداخلي، ولعل النزق هنا كان صادقا لعمر الكاتبة وعمر سيلا وسام.

تبدأ فصول الرواية بالظهور، لسرد حكاية امرأة الكتب والعادات وسطو الزواج عليها، حيث خلال السرد تظهر رغبتها بأن تكون نفسها، ولعل الكتابة كانت ملاذها، أو ملاذيهما معا المروي عنها والراوية: "أرغبني لأن أكون أنا فحسب، صورتي...كياني...ذاتي وحقيقتي، لا صورتهم ومبادئهم."، محاولة الانعتاق من كونها لعشرين عاما مضت واعظة.

تمرد

"عانيتُ سياسات الإذلال والعوز لِفُتاتِ عواطف الدعم والمساندة من أقرب الأقربين، لطمتُ خدّي بالنهار وأنا أحملقُ بعينينِ غائرتين نحو صورتي المنهوشة، وفي الليل كنتُ أستجدي النومَ أن يرحمني من فظائع الألم وتمزّقات الأمعاء، كلما رسموا بأعصابي لوحاتٍ بفنونِ الضغط والعذاب والاتهام."  من هنا، راحت تبحث سيلا عن مستقبلها، لعل ثمة مصيرا آخر ينتظرها أو تذهب هي إليه.

"هل أتشرف بالتعرّفُ عليك؟"

كانت تلك أهم عبارة مفتاحية عكست رغبة سيلا في الانعتاق من قيودها، والتحرر من الصور النمطية التي سجنت فيها طويلا، لتختار ان تكون فاعلة-ندا له/الآخر الذكر، حيث يصاب بالمفاجأة، رغم كونه شاعرا، وهنا تبدأ فصول نفسية اجتماعية بينهما تظهر الحالة الاقتصادية من جهة، واختلاط حالتي الحب والرغبة.

جاء ذلك بعد نفورها من زوجها وتركه فيما بعد: "يا رجل، أخبرهُ أنّني أهلعُ من فكرة أن يعتليني رجُلٌ في فراشي المقدس، أشعره كصرصارٍ ضخمٍ بأرجلٍ تتفرعُ منها أهداب مسننة كالمنشار، وأنّ أنفاسه كقرني استشعارٍ طويلان،  وبخشخشتهما على وجهي أشعرني أكاد أتقيّأ مثانتي والأمعاء." بعد أن نفر هو الآخر منها: "كلّما مارست عشيقتهِ فنون الإغواء، ازدادت في نفسهِ مشاعر الترفع والحقدِ على زوجتهِ، أو كما يصفها قدرهِ الأسود"، معنفها مستغلا معرفته "أنّ عائلتها تعتقد أنّ الطلاق جزء لا يتجزّأ من العار... ود أن لا تخرج عن عباءتها وعباءة الخالات والعمات والجدات، أن تطمس شخصيتها بالسابقات واللاحقات؛ فالمطلقات بلا ذات ولا قيمة أو كيان طالما انّهنَ انتبذنَ من قفص الزواج، فغالبًا هنّ أشبه بالعاريات المهيّئات للخدش والخطأ المُشين، ويحتجن للستر بزواج".

لكن مصيره الأسود، ووقوعه عجل بخلاصها:

"هيبتهُ وسمعته ومكانته كمديرٍ لشركةِ سياحيّة، باتت مرهونة ببضعة فيديوهات مثيرة للاشمئزاز والقرف بحوزة امرأةٍ لم تكن سوى مجرّد عاهرة، تعمل لحساب الشركة الأخرى المنافسة له. ويعضُّ على شفتيه ندما كلّما شاهدَ نفسهُ عبر القرص المدمج عربيدًا جامحًا، يمارسُ شرهة الغرائزي، وكأنّه خنزير يلهو بشذوذٍ منكوسٍ يندى له جبين الهيبة ومقامِ الذوق والكبرياء. لقد تحطّم كبرياؤه وانكبحَ جموحُ غرورهِ أمام وحوشِ أموالٍ عرفوا كيفَ يمرمغوا أنفهُ بالتراب، بتصفية حساباتٍ قديمة معه لها علاقة بنصبٍ واحتيالٍ.وبعدَ أن وقّعَ على مبالغ هائلة ورقمٍ تقزّمت بهِ رصائدهُ البنكية مقابلَ إغلاق ملف الفضيحة ومغفرة الشركة المنافسة؛ كان لا بدّ له أن يتذكرَ كافة ذنوبه وجرائمه بحقّ تلك المسكينة التي ابتاعت كلّ ما تتدخرهُ من مجوهرات؛ كي يبني أساس مشروع شركته اليائسة المثيرة للسخرية، قبل أن تُصبح بهذا الثقل المعتبر في سوق العقارات السياحية".

لغتها

تمتلك الكاتبة سجى حسونة لغة سردية تنبئ عن قدرة كتابية في عالم القص والرواية، فهي تصف المكان، من داخله وداخل شخوصه في عمق وتركيز حواس وتفاصيل تليق بالرواية: 

"رائحة أشجار الزيتون ودخان الطوابين..أسمدة التربة التي يستخدمها الفلاحون.. رائحة الأغنام التي ترسلها النسائم من النّاحية البعيدة؛ كانت كفيلةً نوعاً ما لأن ترأب صدوع الذاكرة، وتسرح بي نحو مرافئ الورق لأكتب الخاطرة. كلُّ شيء يرتدي ثوب السواد الفاتن باستثناء أنوار المستوطنات الإسرائيلية على قمم الجبال وبعض الأنوار الخافتة التي يستخدمها الفلاحون في الحقول الممتدة....كانت الطريقُ في القرية خاليةً والليلُ مهيبًا وموحشًا، لم أسمع سوى صوتِ بومتنا "شوفار" وهي تنعق على قمة شجرةٍ السروّ المقابلةِ للمنزل، وبعدما ابتعدتُ عن القرية وخَفَتَتْ من خلفي أنوارها حتى خيِّل لي وكأنها تذوبُ على امتداد الحواكير؛ أخرجتُ من جيب المعطف مصباحَ الضوء، وأشعلتهُ، ثمّ بدأتُ أحركُهُ نحوَ المَجهول المُعتم أمامي حتى وجدتُني أقترب من الواد. كانت السماء صافية والنجوم ثاقبة لم يطمس بريقها ضوء القمر، والنسيمُ غارقا برائحة زهور اللوز وأعشاب الربيع الغض. صوتُ صدى نباح الكلاب المتسيبة في الجبال وأزيز صراصير الليل ونعيق البومة؛ كان وكأنّها جوقة ليلية تبعثُ في النفس رعشاتٍ من الرهبة وأخرى من الانتشاء الّلذيذ.

أيضا، ظهر المستوى الصوتي في السرد، كما في "تِك تاك.. تِك تاك.. تِك تاك"، الذي حاكى دقات الساعة، والزمن بشكل عام.

سياقات الرواية

اجتماعي، منه مفارقة المرأتين الفقيرة والغنية، ومآلاتهما: "فإذا بي ألمحُ زميلتي الفاشلة والتي كانت أقصى اهتماماتها تلطيخ وجهها بمساحيق التجميل ونفشِ شعرها وفق ما تقتضيه الموضة".

"عائلة برتبة جلاد" وصف سام لعائلته يوضح لنا بعدا اجتماعيا عاشه: "حبيبتي، أنا يائسٌ مريضٌ مضطربٌ ومُربك.. أتذكرُ والدي الذي كان يضربُني بشراسةٍ بحزام سروالهِ، ويلكمُني بقبضةِ يده لكماتٍ على وجهي حتى تتفصدُ الدماء من أسناني، ويتصبغُ جبيني وعيناي بألوانِ الضربات. كنتُ صغيرًا يا سيلا لم يتعدّ عمري الاثني عشر عامًا، وأذكرُ أنّني ذات مرّةٍ قد دلفتُ مجلسه حيث كان بضيافتهِ بضعةِ رجالٍ غرباء، كان يحتفي بهم ويزهو بكرمه نحوهم بسخاء، يجلسون يتسامرون بنشوة اللحظة ويقهقهون، كان قد طلب منّي أن أجلبَ قارورة ماءٍ للضيف؛ لكنني لم أنتبه لطلبهِ فقد أخذني الارتباكُ والذوبان كحشرة هشة بجسدٍ نحيلٍ هزيلٍ، لا يبدو عليه النضج والبلوغ، استفزّتهُ بلاهتي، فانتفض وقد امتقعَ وجهه حانقًا ثمّ تناولَ سلّة المُهملات القريبة منه وصفقها بلحظةٍ خاطفةٍ على وجهي. نعم..يا حبيبتي، احتقن وجهي وثقل جفنا عينيّ بالدموع، وارتعشت شفتاي وتهدّج صوتي وأنا أجيبهُ، انسحبتُ خارجًا لجلب الماء بهيئة الحقير التافه الذليل المُهان، وقد أرداني بلا كرامةٍ وكياني مهزوز ودفين، انسحبتُ غائرًا نحو قتامة لحظتي تتراشق على مسامعي عتاب الرجال وتهدئتهِ واستعبارهم على ما جرى لي.

سياق نفسي عميق، نقرأ حوارا عن الزواج:

"فلا هو مستمتع بزوجتهِ المفروضة، التي فقدت متعتها به كما هو افتقدها بحكم الإنجاب المفروض بلا رغبة منهما الاثنان أصلا؛ ولا هو قادر على أن يجنح ويستمتع كرجلٍ حرٍّ يمارسُ شبابه، ويتذوق قبسًا لذيذًا من حياتهِ التي تم سحقها بيديهِ هو؛ لأنه ملاحق من عيونٍ كقدحِ الشرر مهدّدًا متأرجحًا ما بين مقصلة الدين وحرامه والمجتمعِ وسمعتهِ، وبين رغباته المكبوتة المُحبَطة المخذولة بسبب تسرعه بخيارهِ ولوعةِ قدره ونصيبهِ الشاحب. سيجدُ نفسه في نهاية المطاف كبقية السرب الشاحب، يمارس مراهقة متأخرة ومفصومة غير متزنة، يلاحق الجميلات على صفحات التواصل الاجتماعي، يتملق للمتحررات، نجدهُ يبحث عن وصفات تكبير القضيب وأعشاب تزيد من القوة الجنسية. أمّا زوجته الأسوأ منه حالًا، فستجدُها تبحث عن وصفات التضييق والشد، أو عمليات التجميل والترقيع، وتلفتها عناوين على نمط: كيف أجعل زوجي يتعلق بي؟ أسرار تجعل زوجكِ مهبول بكِ! للمتزوجات فقط، كيف تكونين محور تفكير زوجك؟ قلتها وأقولها وسأقولها ما حييتُ يا سام؛ أقنعونا أنّنا نحن النساء سبب معظم المشاكل الزوجية

ردّ بجذلٍ وارتياب:

- ذكرتِني بِإيليا.

فبعدما هربت من زواجٍ اختزلها كشيءٍ نصفهُ السفلي له اعتبار واستعمال؛ بل انتهاك واستهلاك، ثم طمسَ وحارب نصفه الأعلى بكافة شياطين القمع والاحتقارات المعنوية دينيًا وعرفيًا بل وفلسفيًا" 

اكتشاف الذات والتصالح معها:

"ألن تخلعي ملابسك؟

وجدتُها مستسلمةً تحاول الخضوع لتلبية طلبي الغريب، وبأصابع مرتعشة بدأت تفكُّ أزرار قميصها وتخلعهُ بملامحَ مكفهرّة تائهة في غمرة الحيرة والتساؤلات، تناولتُ منها القميصَ ورميتُهُ نحو الأريكة.. ابتلعتْ ما كانت ستهُمّ لسؤالي به حينما أشرتُ لها بعينيّ نحو سروالها. ابتلعت رمقها على مضض ثمّ هزّت رأسها وتابعت  فكَ أزرار سروالها دون أن تحاول الاستفسار. وحينما تهاوى سروالها نحو الأرض ليظهر جسدها كما هو.. عارٍ لا يسترهُ سوى قطعتيّ قماشٍ مزركشتين، عدتُ كي أطوقها بذراعيّ أحدقّ بها من على المرآة، رمتْ برأسها على كتفي وسكتت كلتانا للحظاتٍ نسرحُ بما تُمليه علينا اللحظة. عدتُ نحوها وبدأتُ أتحسسُ جسدها دون قرعِ تابوهٍ أو ممنوع، وبلمساتٍ مستديرةٍ تجولتُ بأصابعي حول نهديها وبدأت أهمس بوضوحٍ أسعفه صمتْ الأرجاء المقتول: 

انظري يا آريس مليًّا، ثمّ حرّري رأسك من ثقافة البهائم المزخرفة، أعلمُ تمامًا أنّكِ تمتعضين من هذين النهدين الصغيرين، تظنينَ أن صورة النهود الممتلئة البارزة من حوافِ حمالة الصدر مغريةً وتبعث بالانتشاء، تعتقدينَ أنّ ذلكَ الخطّ العنفواني الذي يخلِّفهُ التصاق النهدينِ قاتل وفتيل لنارِ الجسدِ المُشتَهى حدّ غياب الألباب! 

كانت صامتةً تصيخُ السمعَ لما أقوله تحدق بالمرآة بإذعانٍ واهتمام. ولأنها راضية تُتابع ما أقوله بأنفاسٍ متتابعة وعينين ملتمعتين، سحبتُ يدي نحو أردافها أتحسسهما و مؤخرتها وأردفت: وهل تظنينَ أنّ الأرداف الممتلئة والمؤخرات المنفوخة أيقونة أنثوية تنتصب لأجلهما أقلام الشعراء أو..ذاك الذي يتباهى به الرجال؟"

يتجاوز تحرير الفتاة من ملابسها إعادة اكتشاف ذاتها باتجاه التحرر، والتصالح مع الجسد، بل وإعادة الثقة به، وعودة الرغبة مرة أخرى. ينسجم هذا مع حصل مع سيلا من قبل، حين نفرت هي الأخرى، كذلك مع سام الذي أصلا وصل مرحلة العجز الجنسي.

تحليل نفسية النساء ومعاناتهن

يمتد هنا النقد النفسي للرغبات الأيروتيكية لدى الرجل بشيء من السخرية، ونقد المرأة بشيء من التطرف حين تستغل حاجة الرجل لتحقيق حاجتها:

"تضحك هي وأبادلها ضحكات التشفي والانتصار على كلّ كاتبٍ اريروتيكيٍّ مُمتَهن، وكلّ قارئ منافقٍ وكاذب، يكوّم بين يديه روايةً سمينةً يتصفحُ أوراقها وفصولها بملل، ثمّ يحدقُ بإمعانٍ تنقدحُ في سريرتهِ همةٌ ونشاط عندما تقع عيناه على نصٍ يصفُ قبلةً نهمة وعناقًا ومُلامسات....لن يقرأ لنا أحد، إنّهم لن يقرأوا إلا لأصحاب العافية، لكل رجلٍ ينتصب سرّ رغبته ولكل امرأةٍ تجيدُ قراءة ذاك السرّ وتبتلعهُ ولا تشبع.. ولا تشبع.. ولا تشبع، تلكَ الشرهة البقرة البغيظة!"

 نقد سياسي فكري:

 "لا توجد قوّةٌ على الأرض قادرة على إيقاف فكرة حان وقتها، أعلمُ تمامًا أنَّ اللعب على الوتر العاطفي الديني والقومي لدى الشعوب لهُوَ من أمكر السياسات. يا سيلا، أهمّ الأسباب التي أفشلت حركة التنوير العربي اثنان مترابطان: الحركات الدينية والسلطة السياسية التي تغض الطرف عنها؛ لا محبة لها، ولكن طمعا في الاستفادة منها لضبط إيقاع رغبة الناس في التغيير؛ وبصيغةٍ أخرى إخراس هؤلاء الذين هم على شاكلتنا."

ثمة مكان وزمان لخصوصية المكان الفلسطيني، عبر التأمل البصري للجدار العنصري، وتذكر قتل الجدة على أيدي الاحتلال، وربط ذلك بنقد الحكومات العربية.

المصير

تدور الدائرة، فبعدما بادرت هي للحديث، وبنت علاقة، فارتبطا عاطفيا، إلا أنها ترفض الارتباط به، بسبب تردده وانكساراته، كأنها تريد من تستند عليه، خاصة بعد ما مرّ بها من تجربة مؤلمة:

وحينما أدركتُ أنني على النقيض من كافكا، لا أستطيع اختزال حبيبتي بالقلم والورق، كنتُ قد تناهيتُ بعمليةٍ حسابيةٍ أجتثُ بها كلَّ فرضياتي وتخميناتي وتوقعاتي بها، فعرضتُ الزواج دون أن أتفهم منها تبريرات الرفض أو حتى التفكير، لكنها رفضت عرضي بتطرفٍ وظلمٍ دون اهتمامٍ ولم تحاول يومّا أن تبدي عناءً لتأمل المعطيات."

ذلك هو الحال بدون تكلف أو تمثيل، وهو ما آل اليه طموحها بالاقتران من إنسان قادر، يقف على أرض قوية، حيث اكتشفت ان هناك فرقا بين الشعور العاطفي والبعد العملي.  

ذلك هو نتاج تأملها:

"كنتُ أتساءلُ يا سادتي وأنا أجلس على حافة البناية الشاهقة"

وأخيرا، نحن مع أدب الشباب والشابات هنا في فلسطين، في آخر عقدين، فالكاتبة سجى حسونة شابة، وهذه روايتها الأولى، التي تتجه فعلا لتحرير الذات الشابة تحديدا، عبر الأدب، وهي خطوة باتجاه تححر نفسي واجتماعي وسياسي ووطني كذلك.

 

2022-12-01