الأربعاء 19/12/1445 هـ الموافق 26/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
إيران و أوروبا، توتر يخسر فيه الجميع..عن تصريحات وزير الأمن البريطاني أحدثكم .....نجاح محمد علي

 

في تطور يعكس أهمية التقارب الايراني السعودي وانعكاساته على التوتر السائد في العلاقات الايرانية الغربية، عقد في أوسلو الأسبوع الماضي اجتماع ضم دبلوماسيين إيرانيين وأوروبيين لإجراء محادثات تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة . أكدت طهران أن المناقشات شملت القلق المتبادل إزاء موضوعات الخلاف الرئيسية خاصة تطورات البرنامج النووي الايراني والتدخلات الأوروبية المرفوضة في الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها البلاد مؤخراً. 
قال باقري كني كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين علي باقري كني- الذي يشغل منصب نائب وزير الخارجية - إنه التقى بمديرين سياسيين من وزارات خارجية الترويكا الأوروبية E3 (بريطانيا وفرنسا وألمانيا). وحضر الاجتماع أيضا نائب منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي إنريكي مورا. وتجدر الإشارة إلى أن روبرت مالي المبعوث الأمريكي الخاص لإيران الذي سافر على قطر لنفس الغرض،  أراد المشاركة في الاجتماع لكن طهران رفضت،  قائلة إنه اجتماع بين إيران ومجموعة E3 لاستكشاف إمكانية المشاركة الأمريكية في وقت لاحق بعد أن تتراجع عن قرارها الانسحاب عن الاتفاق النووي.
تزامن عقد الاجتماع مع انفراج أمريكي ايراني مع مؤشرات على تبادل سجناء محتمل ،سبقته موجة جديدة من التصعيد الدبلوماسي مع أوروبا ، فقد استدعت عدة دول أوروبية دبلوماسيين إيرانيين بحجج وذرائع مختلفة وسط تجدد التهديد الإسرائيلي ضد إيران والذي رفضت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الانضمام اليه. 
لكن، جاء الخطاب العدائي الأوروبي ضد إيران مع مزاعم إسرائيلية بأن الأوروبيين يخططون لإعادة العقوبات الأممية التي كانت مفروضة على إيران قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة القادم في وقت لاحق من سبتمبر أيلول هذا العام. 
وزعم وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين أن القوى الغربية ستفرض عقوبات "سريعة" على إيران قبل الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) . وصرح الوزير الصهيوني لقناة إخبارية إسرائيلية أن "[الولايات المتحدة] والدول الأوروبية المعنية ستفرض عقوبات إضافية على إيران قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر). 

بالنظر إلى أن الولايات المتحدة لم تعد طرفًا في الاتفاق النووي الإيراني ، المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) ، فإن واشنطن من الناحية الفنية غير قادرة على إعادة عقوبات الأمم المتحدة على إيران وفق آلية "سنابّاك" المثيرة للجدل .. ومع ذلك ، فإن الدول الأوروبية الثلاث(بريطانيا وفرنسا والمانيا)الموقعة على الصفقة لديها خيار القيام بذلك وإن كان الطريق الى ذلك لايبدو معبداً بالزهور بسبب الرفض الصيني والروسي . و إذا كان هذا صحيحًا ، فإن هذا يدل على أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة قد تحولت إلى متحدث باسم أوروبا ، مما يؤدي إلى تصعيد التوترات مع إيران بشكل شبه يومي. 

في الأيام القليلة الماضية ، استدعت بريطانيا وألمانيا والنمسا السفراء الإيرانيين لأسباب وذرائع مختلفة. 
بدأت العلاقات بين إيران وأوروبا تتجه نحو الانحدار في أعقاب التعبير الأوروبي عن دعم الاضطرابات في إيران في الأشهر الأخيرة. كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات غير مبررة على عدد من الأفراد والكيانات الإيرانية. 

وفي تعبير صارخ على هذا الانحدار جاء وصف وزير الأمن البريطاني توم توجيندهات للمركز الاسلامي الايراني بأنه "تهديد مشؤوم" لبلاده.
قال توجيندهات لصحيفة "تايمز" إنه يعمل على مكافحة هذا "التهديد المشؤوم الذي احتل دولة ويهدد بلادنا الآن".
وسبق وحذر الوزير البريطاني في وقت سابق من أن "تدخل وتهديد وتأثير" النظام الإيراني على الأراضي البريطانية قد ازداد بشكل مقلق.

ترفض طهران هذه التصريحات التي رأى المسؤولون فيها أنها تنطوي على تحريض على العنف وعلى الكراهية كونها جاءت بعد أيام من تعرض المركز الى هجوم نظمه معارضون ايرانيون حاولوا اقتحامه واقتحام السفارة الايرانية في لندن بحجة التضامن مع المعترضين في ايران. 
يجب التأكيد على أن القائد آية الله علي خامنئي حريص من  خلال ممثله الذي يدير المركز  على كل ما له صلة بقيم الله التي تؤمن بها الكنيسة الأنجليكانية ومن هنا فالمركز الاسلامي في لندن يقوم بهذا الدور في التشجيع على نبذ العنف والدعوة للسلام بين الانسان وخالقه وبينه وبين أخيه الانسان. رفض المركز الاسلامي في لندن بشدة هذه الاتهامات الواهية ودعا الى التراجع عنها ، وبالعكس دعا وزير الأمن الداخلي الى تأمين كل ما يلزم ليستمر المركز في أداء وظيفته الدينية والاخلاقية بعيدًا عن التوترات . حمْل المركز وزير الامن مسؤولية ما قد يتعرض له والعاملون فيه والمصلون المشاركون في برامجه بسبب ما ينطوي عليه كلام الوزير من تحريض ونشر للعنف والكراهية. 
كانت الخارجية الايرانية وصفت العقوبات البريطانية الجديدة بأنها ذات دوافع سياسية ، مضيفة " أن الدولة التي تعاملت مع المهاجرين والمسلمين بأقسى أشكال التمييز ونقل اللاجئين إلى رواندا في انتهاك للقانون الدولي ، ليست في وضع يسمح لها بالتبشير بشأن حقوق الانسان."
وخلص البيان إلى أنه "في العقود الأربعة الماضية ، أظهرت جمهورية إيران الإسلامية أنها لن تستسلم للضغوط والضغوط الأجنبية ، وبناءً عليه ستعلن عن رد فعل مضاد على عقوبات النظام البريطاني قريبًا. كما قالت السيدة إيزابيل مارش إنها ستنقل احتجاج إيران إلى لندن في أقرب وقت ممكن ".
كما أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية ، بياناً آخر ، فرضت فيه ايران قائمة جديدة من العقوبات على العديد من الأفراد والكيانات البريطانية والأوروبية لدعم الإرهاب والتحريض على العنف ضد الإيرانيين.
وقالت الوزارة إن الإجراءات المضادة ستضع قيودًا على أفراد وكيانات أوروبية معينة.

وصف بيان الوزارة الإجراءات المتبادلة بأنها "رد فعل" صادقت عليه "السلطات المختصة" و "آليات مكافحة العقوبات" للجمهورية الإسلامية.وأدرجت "دعم الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة للإرهاب والجماعات الإرهابية" و "تحريضهما على أعمال الإرهاب والعنف ضد الشعب الإيراني" على أنها بعض المبررات لاعتماد الإجراءات المتبادلة. لقد أكدت أجهزة المخابرات الإيرانية أن أعمال الشغب العنيفة كشفت عن تورط وكالات التجسس الأمريكية والغربية الأخرى.كما انتقدت الوزارة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بسبب "التدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية الإسلامية" و "نشر الأكاذيب والمعلومات المضللة عن إيران".
وقالت الوزارة إن الإجراءات المتبادلة في إيران تتطلب عدم منح تأشيرات دخول للأشخاص الذين عوقبوا ولا يمكنهم دخول الجمهورية الإسلامية.
تم أيضًا تجميد الحسابات المصرفية والأصول الأخرى الخاصة بالأشخاص والمنظمات المذكورة كجزء من الإجراءات.
تضم قائمة العقوبات المضادة 15 مسئولاً أوروبيًا حاليًّا وسابقًا ، بمن فيهم إيزابيل لونفيس روما ، وزيرة المساواة بين الجنسين والتنوع وتكافؤ الفرص الفرنسية ؛ رولان ليسكور الوزير المنتدب الفرنسي للصناعة. جوزيف شوستر ، المجلس المركزي لليهود في ألمانيا ؛ أليكس بنيامين ، مدير العلاقات العامة في أوروبا وإسرائيل ؛ جيمي م فلاي ، الرئيس والمدير التنفيذي (الرئيس التنفيذي) لإذاعة أوروبا الحرة / راديو ليبرتي ؛.
كما يسرد البيان الايراني 13 منظمة أوروبية ، بما في ذلك "مسيحيون من أجل إسرائيل" ، والتحالف الأوروبي لإسرائيل ، ومركز المعلومات والتوثيق في إسرائيل ، وشركة تصنيع الأسلحة ايروسبيك  ، وستة مقاولين عسكريين ألمان.
تم تضمين ثمانية مواطنين بريطانيين آخرين في القائمة ، بما في ذلك آلان جاكوب ، عضو مجلس إدارة المجلس اليهودي ، وماثيو جوناثان جوكس ، المفوض المساعد للعمليات المتخصصة لدائرة شرطة العاصمة ، وستة ضباط عسكريين.
جاءت تلك الخطوة الانتقامية في وقت يصعد فيه الأوروبيون عن عمد التوترات مع إيران التي تسعى إلى تهدئة التوترات ، بدلاً من بناء الجسور التي يحرقها الأوروبيون. 

الخطوة الأخيرة في هذا الصدد هي المزاعم المتعلقة بتخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء 84٪ في إيران ، وهو ادعاء رفضته إيران وأيد النفي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتباره غير مهم من الناحية الفنية. 
وعلى الرغم من المزاعم الأوروبية ، عقدت إيران اجتماعات مع مفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقديم توضيحات.
في هذا الواقع ،  لايمكن تجاهل أن العراق سيكون أول المتضررين من هذا التصعيد. على الرغم من أن آثارها النهائية غير مؤكدة ، إلا أن العقوبات الجديدة هي إشارة قوية على أن ايران اليوم أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لمواجهة تدخلات الدول الأوروبية التي تزعزع استقرار المنطقة.

بعد الانتصار الكبير على دولة الخلافة الإسلامية (داعش) ، يكافح العراق الآن لكسب السلام ويواجه تحديات حادة في تحقيق الاستقرار. تلعب الحكومة العراقية الجديدة دورًا ايجابياً في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة - أوروبا ، وإيران ، وفي مواجهة محاولات زعزعة الاقتصاد عن طريق التلاعب بقيمة الدينار . يجب أن يتسبب احتمال تدهور الأوضاع في العراق في قلق حقيقي بين الحكومات الأوروبية التي استثمرت بالفعل موارد كبيرة في البلاد. علاوة على ذلك ، فإن تعافي العراق ، وخفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة في العراق ، والتقارب الايراني الخليجي سيكون لهما بلا شك تداعيات على الأمن الأوروبي - في حين أن انهيار الأوضاع العراقية وبالتالي في المنطقة، سيتردد صداه في جميع أنحاء المنطقة بطرق خطيرة.

 

    •    صحفي استقصائي مستقل من العراق. خبير في الشؤون الايرانية والإقليمية
    •    لمتابعته على تويتر @najahmalii

 

2023-03-23