الثلاثاء 14/10/1440 هـ الموافق 18/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هذيان/ بقلم أميمه العبادلة

أعترف أن فكرة الموت تأخذ كثيراً من تفكيري.. تحديداً الأموات وحياتهم البرزخية أثناء موتهم.. شيء لاشعوري يدفعني دوماً لتكرار قراءة سورة الفاتحة سراً، ووهبها لأموات المسلمين.. والرجاء بإصرار أن تخفف قراءتي شيئاً غامضاً لا أعرفه..

 

أفكر كثيراً إن مِتُّ هل سيذكرني أحد ويتلوا عليَّ الفاتحة من حين إلى آخر كما أفعل لأجل أشخاص كنت قد إلتقيتهم ذات زمان، صدفه، ولست أعرفهم بشكل حقيقي..؟!!

 

أفكر بـ جداي كثيراً.. يا ربّ لقد كانوا طيبين جداً، وأحبهم جداً، وأشتاق إليهم جداً.. يا رب لا تعذبهم وارحمهم برحمتك..

 

من منا يحتمل عذاب الله..؟!! بالطبع لا أحد.. مرعبة هذه الفكرة إن ربطناها باللارجوع، وأن الله سيحاسبنا على مثقال الذرة.. من منا لم يخطئ، وكل ابن آدم خطاء.. إن الله غفور رحيم، لكن الرحمة تلي العذاب.. و( إن منكم إلا واردها )، فبكى عمر حتى ابتلت لحيته خوفاً وخشية..!

 

هالني موت زميلنا علي الأغا.. أعرفه.. أعرفه جيداً.. أو لعلني أعرفه إلى حد ما.. أقف عند صورته كثيراً وأفكر بالمجهول الذي لست أعرفه.. علي توفي صغيراً جداً، وعلى حين غرة، ودون سابق مرض ينذر بقرب منيته.. علي ليس الشاهد هنا، بل الموت ذاته.. هل يسمح الموت لعلي أن يسمعنا..؟!! هل يرانا..؟!!

 

ذاك الموت لا أفهمه ولا أي منا يفهمه، والجميع يخشاه، حتى الجدات الطاعنات يخشينه..!

 

بالأمس كنت أمر على تصميمات محمد عبد الرحمن، استوقفني أحدها  كان بعنوان الموت يحصد نفسه في الصومال.. رسم الموت حاملاً الموت في أحشائه كجنين، اختنق به فمات الموت من الموت..

 

مرعب هو الموت.. لم أجد مجهولاً مرعباً كـ هو.. ولم أجد مجهولاً مرعباً يشدنا للبحث عنه كـ هو أيضاً..

 

إنه يأخذ من تفكيري ساعات مرتبكة كلما مرًّ اسم لشخص متوفى أو صورة له.. لا أعرف حامد أبو هربيد زميلنا الصحفي الذي توفي في تركيا، لكن ابتسامته شدتني وقصته مع المرض أخرست الحواس لدي.. أظنه مازال يبتسم بعد موته تماماً كما كان في الصورة.. اكتشفت أنه كان صديقاً لدي على الفيس بوك دون أن أعرفه أو أحادثه أو حتى ألتقط مكانا لاسمه في ذاكرتي..!

 

بائس هذا الموت الذي يحول بيننا وبين معرفة أشخاص طيبين.. أو لعلنا البائسون أن غيبتنا فوضى الحياة عن معرفتهم قبل أن يصلوا لنهاية طابور الموت..

 

لا يكاد يمر يوم دون أن أتذكر زميلنا الصحافي علاء مرتجى الذي اغتالته آلة الموت الإسرائيلية في حرب غزة السابقة.. رغم أني لم ألتقية، وسجل معرفتي به لا يتعدى محادثتي ماسنجر.. لكنه كان طيباً، وترك أثراً وفياً يأبى أن يفارق الذاكرة المتخمة بالكثير..

 

مع علاء أفكر كثيراً هل يذكره من كانوا مقربين منه كل يوم، كما أذكره أنا التي لم أكن أعرفه إلا من خلال محادثتين فقط..؟!! وهل عندما أموت سيذكرني أحد، أم أن الحياة تستمر وتمحو ما مضى من أجندة المهام..؟!! للمرة الثانية أيضاً ليس علاء الشاهد في كلامي، بل هو الموت نفسه..!!

2012-12-26