الثلاثاء 20/11/1445 هـ الموافق 28/05/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في بيتنا راديو - شوقية عروق منصور

الذكريات لا تهرب بل تمشي على رؤوس أصابعها، يوم 13 / 2 يوم الإذاعة العالمي ، يوم حددته الأمم المتحدة وكان ذلك مع انطلاق الإذاعة عام 1947 ، أنا  لا يهمني الأمم المتحدة وأيامها التي  تستحم في بحيرات الأكاذيب النفاق والخداع ، بعد أن تحولت شعاراتها ومبادئها إلى جمعيات لدفن الإنسانية، بل ما يدفعني للتنهد أن جهاز الراديو كان جزءاً من ذكرياتنا ، كان بالنسبة لنا الرئة والانتظار والجلوس بالساعات إلى جانبها ، وذكريات أمي وأبي وشعبي ، وخطابات وطنية اشعلت النيران في قلوبنا واغان شهدت المد الثوري  ورقصنا على أغاني التحرير والاستقلال ، أذكر صورة  أمي  عندما سمعت صوت  الرئيس الجزائري " أحمد بن بيلا " عند زيارته للقاهرة ، بعد استقلال الجزائر كانت  دموعها تسيل وبكلماتي الطفولية سألتها " ليش بتعيطي " قالت لي " يمه ... الجزائر مليون ونص شهيد وانتصروا ".

كانت نشرات الأخبار التي تحملها الإذاعات المصرية والسورية هي التحليق والاعتزاز واشعال عود ثقاب في عتمة ليل النكبة الذي كان يخيم علينا، من بين الصور التي تدفقت أمامي، صورة أبي وهو يحمل الراديو - الصندوق - و نازل عن الدرج وأحاول التشبث به وأنا أبكي، أريد مرافقته وأمي تردد " أبوكي  راح يشحن الراديو .. برجع بعد شوي " ... ومن النكت التي كانت ترددها أمي عن جدتي حين كان يذهب لشحن الراديو  : " يمه  عبي الراديو على  عبد الوهاب وام كلثوم " . 

كنت في الصف الأول وابي يردد باستهزاء  اسم أحد الاذاعيين  ويقارنه بإذاعي  آخر " هو مفكر حاله  عبد الهادي البكار  " وعرفت بعد ذلك  أنه المذيع السوري  الذي قال بصوته الجهوري  ( هنا القاهرة من دمشق - لبيك يا مصر  ) بعد أن  استهدفت قوات العدوان الثلاثي  أبراج الإذاعة المصرية عام 1956 ، وقد اعتقد الذين ضربوا الأبراج أن الأمواج الأثيرية ستصمت . 

كان أبي دائماً   إلى جانب جهاز الراديو - أو الصندوق الضخم - الذي وضعت فوقه والدتي تمثالاً على شكل حصان جامح   اشترته بعد عام 67 من سوق في مدينة القدس . 

أثناء أحداث 1967 أذكر أن مجموعة من الرجال كانوا يلتفون حول الراديو، وكلما هممت بدخول الغرفة كانوا يطردونني - روحي العبي بره - .. ! وبين كلمات الطرد كانت تتسلل سحب الدخان وفوضى منفضات السجائر ..  وعبارات مصابة بالهذيان و هدير الدهشة وجنون اللامعقول . 

أما خطاب الرئيس المصري " جمال عبد الناصر " الذي كانت إذاعة القاهرة تبثه ، كان عبارة عن التصاق بالراديو وسماع تفاصيل التفاصيل وتحليلها  ، وقد كان كل مقهى يملك راديو خاصة برواده  وأثناء الخطاب يكون  رواد المقهى كأن على رؤوسهم الطير ، وكانت الشوارع خالية كأنه فرض منع التجول، - الم يقل شاعرنا محمود درويش أثناء خطاب جمال عبد الناصر " الجائع يشبع والواقف يجلس " . 

كانت أمي مواظبة على سماع إذاعة القاهرة، وكان سماعها للإذاعة معناه علينا أن نصمت ونلعب بهدوء ، تجلس وتنتظر المسلسل اليومي الساعة الخامسة والربع عصراً ، أما الطقس الأسبوعي يوم الجمعة برنامج " على الناصية" التي تقدمه الاذاعية الشهيرة " أمال فهمي " ويوم الأربعاء " برنامج من الشاشة إلى الميكرفون " التي كانت تقدمه الاذاعية " ثريا عبد المجيد " وهو نقل فيلم كامل إلى الإذاعة . ولا أنسى برنامج " حول الاسرة البيضاء " وكانت تقدمه الاذاعية " سامية صادق " حيث تقوم بزيارة المستشفيات برفقة أحد الفنانين واللقاء بالمرضى الذين يفرحون ويسعدون بهذه الزيارة ، هذه البرامج كانت تثري الثقافة اليومية وترفع من قيمة الثرثرة اليومية للجارات .

وكبرت وأصبحت الإذاعة جزءاً أيضاً من عالمي حتى أثناء اعداد دروسي ووظائفي كانت الراديو إلى جانبي كنت أتابع برنامج " زيارة لمكتبة " فلان" للإذاعية نادية صالح ، حيث كانت  تستضيف في  كل حلقة أحد الكُتاب أو الفنانين،   يتكلم  عن  مكتبته  وأي كتاب أثر فيه ، كانوا يتكلمون عن الكتاب بحرارة واهتمام بالثقافة ومستوى عال من احترام إذن المستمع ، أما الشاعر " فاروق شوشة " فقد كان برنامجه " لغتنا الجميلة "  عبارة عن معزوفة لفظية ، القصائد الشعرية بصوته الدافئ يجعل من اللغة  العربية حقولاً ضوئية ينبث في تربتها الف شاعر وشاعرة . 

كانت الراديو النافذة التي نطل من خلال أثيرها على العالم العربي ، نعرف تفاصيل أحداثه السياسية وتحركات رؤسائه وفنه وأغانيه وأفلامه مسرحياته . كانت الانتصارات تفرحنا و تبهجنا  كان التضامن العربي يحصي التأييد ومن يخرج عن التضامن تصعقه العناوين الساخرة . 

كانت جدتي التي لا تقرأ ولا تكتب بعد صلاتها تبدأ بالدعاء للرئيس الفلاني بالتوفيق والرئيس علاني بالسقوط والخذلان، أذكر كان شهر رمضان وقررت أن أذهب إلى بيت جدي لتناول الإفطار، وما أن دخلت إلى الغرفة حتى وجدت جدي يبكي وجدتي أعدت بعض الطعام بسرعة ، وأطلق مدفع الإفطار وجدي بقي صائماً ورفض تناول أي لقمة . وسألت جدتي بالهمس ما به أجابت " سمع بالراديو أن الرئيس العراقي "  عبد  السلام عارف " قد توفي أثناء سقوط المروحية التي كان يستقلها. 

ومن النكت التي كان يرددها أبي أمام أمي  :  أن امك خلال خطوبتها على كانت تعانق الراديو عندما كان يغني فريد الأطرش " جميل جمال مالوش مثال " لأن أبي اسمه جميل " وكانت أمي تبتسم سقا الله على تلك الأيام  .!! 

 وبدأ جهاز الراديو يصغر ويتقلص حجمه حتى أصبح بحجم اليد، وأيضاً تقلصت المشاعر والأحاسيس الشخصية و الوطنية حتى اختفت من الأيدي ، وبقيت ذكريات من رحلوا .. وجوههم وأصواتهم 

2024-02-15