الجمعة 12/1/1446 هـ الموافق 19/07/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
اشياء أخرى....بدوي الدقادوسي

لم يكن شروده بسبب ما يرعبه؛ بل يرعبه كيف سيحكي ولمن؟ تذكر صديقه سامي ، صديقان جمعهما درج دراسة واحد، كلاهما لم يحصل على شهادة القبول ؛ فقد أجبره أبوه أن يترك المدرسة وهو في الصف الخامس ليعاونه في زراعة الأرض وسامي أجبره أبوه على ترك مقاعد المدرسة ليعاونه في أعمال البناء . مر على هذا ثمان سنوات ولكنهما حافظا على خيط الود ، باح علي لصديقه بوجعه..... - " متسكتش على نفسك ، مفيش كسوف في الحاجات دي " .

انتهت الأسرة من تناول العشاء ، تركت أخواته البنات الخمس المكان ، أصبحت الفرصة سانحة ؛ فلا يوجد إلا أخوه سالم الذي عاد قريبا من الجيهة حاملا عاهته التي خلفتها شظية اخترقت الفقرات القطنية الرابعة والخامسة فتهتك عصبها فماتت ساقاه على الفور فصار لايبرح البيت إلا أول كل شهر ، يذهب للمدينة ليصرف معاشا أقرته له جمعية المحاربين ، يجر ساقية خلفه وهو يتوكأ على عكازين ليعود بالمعاش يضعه كاملا في يد أبيه ثلاثة جنيهات وخمسون قرشا وخمسة وسبعون مليما . ابتلع ريقه، استجمع قواه .

- آبا . - أيوة ياعلي ؛ مالك ؟

- إ إ إ مأ مأ مأ .... - يابني بطل مأمأة وقول عايز إيه ... طلع البطارية من الراديو وعضعضها عما تعرف أنت عايز إيه . - يا با ؛ ما أنا عضعضتها تلت مرات قبل كدا ' خلاص جابت آخرها ، لازم نشتري بطاريات جديدة .

- اسكت لا منك ولا من كفاية شرك . أخذ الرجل يحرك مؤشر الراديو حتى استقر على إذاعة الشعب حيث تبث خطبة الزعيم ، جاءه الصوت ضعيفا ، حمل الراديو على كتفه ، ألصقه بأذنه فصار المشهد وكأن الرئيس لايخطب بل يهمس بود في أذن صديق حميم و سالم وعلي يشاهدان الريس ويسمعانه فقد كانت صفحة وجه الرجل تعكس صورة الريس وانفعالاته تعكس كلمات الخطبة: " كل واحد عايز ألف ولا ألفين وأنا ممعييش زرار أضغط عليه يطلع

فلوس ، ياريت كان معايا كنت اديكوا بس ممعييش قلت اصبروا وهتشوفوا بس نتحمل شوية ، اللي بيشرب خمس كوبيات شاي يخليهم تلاتة واللي بيشرب تلاتة يخليهم اتنين " وكأنه يتعين الرجل أن يرد على همس صديقه في أذنه " ولا يهمك منهم ياريس دا شعب يخاف ميختشيش " .

صوت سامي ياتي من خارج الدار ، يخرج إليه علي مهرولا يسيران حتى يبرحا بيوت القرية .

- كلمت أبوك ؟ - لا ، مقدرتش وكمان مشغول بخطبة الريس وعمري ما اقدر أكلمه ساعتها .

- اسمع : المعلم الرياشي بقاله تلت مدد مقبضنيش ووعدني إنه هيقبضني بكرة الفلوس كلها " أربعة جنيه ونص" ننزل البندر فيه دكتور جلدية شاطر أوي اسمه المعداوي عيادته في بنزايون وتحت العيادة مطعم الإسناوي تكشف وناكل شقتين طعمية سخنة . - متعرفش كشفه كم ؟ - تلانة جنيه .

- يانهار أسود كتير هردهم إزاي بس ؟

- اسكت ، كلامك خايب زيك ، بكرة تعمل حسابك نركب أتوبيس المرفق مع عمال وردية العصر اللي رايحين الشركة . ةنرجع نحضر كتب كتاب هناء بنت الحج زكي .

- سمعت إن عريسها غريب .

- أيوة من العزبة أمها كانت رافضة وبتلطم : " اول جواز لبناتي يكون لغريب وتعيش في العزبة غريبة!" ، الحج زكي زغدها في جنبها وقال لها قومي ياولية بلاش مياصة فراغة البنت لا ليها ابن عم في سن جواز ولا ابن خال وبنتك غلبانه ملهاش في دلع البنات عشان توقع عريس والبلد أصلا شبابها يا في الجهادية يا راجع بعاهة ودا وحيد أمه وأبوه وخد اعفا من الجيش و أبوه يحتكم على فدانين ملك وتلت بهايم والعزبة فركة كعب من هنا ، قومي بيتي على الحاجة منيرة تيجي تحفف حواجب البنت وتحطلها الألوان اللي بتحطها للعرايس .

لم يكن عنوان الدكتور صعب الوصول إليه فهو بشارع البحر بميدان بنزايون ، أمام الممرض أخرج المعلم سامي الجنيهات الثلاثة وطلب حجز كشف ، أمسك التمرجي بالجنيهات وتوجه لسامي : بس الدكتور المعداوي بمؤتمر وهيرجع بعد إسبوع واللي هنا بنه الدكتورة ، دي شاطرة اوي أبوها معلمها كل حاجة .

انتزع علي الجنيهات من يد الممرض طالبا من سامي المغادرة : أنا مش هتعرى قدام حرمة لو هموت ، لم ينتظر ردا من سامي وتوحه نحو باب العيادة ليكون بعد دقيقة في الشارع . توجها للمطعم ، التهم علي الشقتين وتمنى لو يزيده صديقه، قرأ سامي ما تقوله معدة صديقه فتوجه لشراء شقتين أخريين ، التهمها واخذ يفرك يده ويمسح فمه بكمه وهو يشكر سامي .

- شكر على بس ياعم علي دا كل الحكاية نص أفرنك مخدتش بالك من حاجة وإحنا بالعيادة ؟

- مش فايق لحاجة . - بنت الدكتور دكتورة وابن الفلاح فلاح و ابن البنا بنا !

- ياعم ؛ دع الملك للمالك ، دا ملك ومنظمه صاحبه . وأنت الصادق ، دا ملك ومنظمه الكبار، تخيل المعلم الرياشي بيقول إن الغلا اللي الناس بتشتكي منه دا ولا حاجة وإن قريب هتبقى شقة الطعمية بشلن ؟

- المعلم بتاعك بيلعب بالفلوس لعب ومش حاسس بالغلابة ، عمر شقة الطعمية ما هتكون بشلن القيامة هتكون قامت ههههه شلن ؟

دا أمي بتاخد التسطية تملاها جبنه من قطور بشلن بتوزعها على اربع زلع تكفينا السنة بحالها آل الشقة بشلن قال متقولش كدا الناس يقولوا عليك عبيط .

ما إن استقرا على مقاعدهما بالأتوبيس حتى تفصد علي عرقا وراح يتقيأ كل ما استقر بمعدته حتى كاد يتقيأ معدته نفسها ، تجمع الركاب حوله ، مددوه على كرسيين وناولتهم إحداهن طرحتها ليمسحوا عرقه حتى وصل الاتوبيس القرية . تطوع أحدهم بحماره فأركبوه حتى البيت ، أدخله صديقه المندرة ومدده على كنبة وجلس بجوار رأسه ، دخلت امه ، خبطت على صدرها فبادرها سامي قائلا : مفيش حاجة ياخالة دا معدته مش واخدة على اكل البندر فأرجعته .

افاق علي على صوت أبيه الذي أخذ يهزه بعنف : إزاي تسيب الارض طول النهار وتدور تصرمح مع صاحبك ؟

قالها وهو في طريقه لجلسته بوسط الدار : من الفجرية تكون في الارض تعمل شغل النهارده وبكره . رد علي باب المندرة ، خفض سرواله ليرى تطورات حالته العجيبة : شعر عانته يتساقط مخلفا بقعة بيضاء كلما فركها تساقط قشر ملأ سرواله ، كل يوم تزاد البقعة حتى صارت بحجم مليم فازداد هلعه . أعواد القطن الغضة يزيل من حولها الحشائش بقدوم صغير يقطع الحشائش بسنه ويدق الارض بمؤخرته حتى تمسك الأرض باعوادها فلا يتسرب الهواء للجذور فيصيب الأعواد بالشلل ، القطن هو ابن الحكومة المدلل يقوم الشعب على خدمته من لحظة وضع بذرته حتى يقذف منيه الأبيض في كفوف الصبايا فتضعه في عبها بنشوة حتى يمتليء فتفرغه في أكياس يعدونها خصيصا له لتعاود الكرة حتى يجف صلبه فيتخذون من حطبه وقودا يطهون عليه طعامهم طوال العام .

الشمس حارقة والجسد نحيل والارض كانها طريق بلا نهاية يعزق أمتارا ويجلس ليستريح قليلا حتى أنقذه آذان الظهر فألقى بقدومه و سار نحو الترعة ليصلي ويحتمي بظل التوتة حتى يأتي أبوه من عمله الذي تسلمه بقرار من الرئيس شخصيا عندما سلم عليه في حفل تكريم أسر الشهداء والجرحى ، يأتي ليتناول غذاءه مع ابنه ويكمل معه العزيق حتى تغيب الشمس .

ما إن وصل المصلى الذي أحاطه بجدار طيني على ارتفاع متر ليقيه أعين المارة عندما ينزل ليأخذ غطسا بالترعة حتى وجد ثعبانا يتحرك تحت الجدار جاءته فكره : عود ثقاب يشعله في الحلفا التي تمتد بطول شط الترعة سيخلصه من هذه الثعابين ، اتجه لعم حسين فعشته لا تخلو من كبريت يشعل به جوزته التي لا تفارقه ، وقف يشاهد ألسنة النار تندلع من الحلفا ويسمع طقطقة الأعواد والثعابين تلوذ بالهرب للشاطىء الآخر والفئران تخرج من جحورها مذعورة ففرح لان فكرته نجحت أكثر مما توقع لها ، أعواد الحلفا المتطايرة في الهواء متفحمة ذكرته بشعيرات عانته المتساقطة فانزل سرواله ليرى مدى اتساع الدائرة البيضاء ، راعه صوت أبيه من خلفه : " بطل لعب في نفسك يابن الكلب ، اتسليت وهتموت " أعاد سرواله ، اتجه صوب التوتة دون ان ينبس ببنت شفه رفع يده لينزل صر الطعام فسقط مغشيا عليه ' هرع ابوه يهزه بعنف ولا حراك فزعق الرجل بكل عزمه " غيتوني ياخلق الواد هيروح مني . لم يكن بالحوض الزراعي على اتساعه إلا الشيخ قاسم الذي أتي يعرج برجله التي سار النورج من فوقها حين كان صبيا مخلفا عاهة رافقته بقية حياته .

رفعا الشاب على الحمارة ليجلس أبوه خلفه وقد ارتكن الشاب على صدره والشيخ قاسم يزك خلفهم بكل جهده خلف الحمارة العفية وهي تسير مسرعة وكأنها لا تحمل على ظهرها رجلين . في المستشفى صاحوا يتنادون طبيب الوحدة المغلقة فخرج إليهم الأسطى فوزي : الدكتور في استراحته بعد الساعة واحدة مفيش كشوفات ، بكره من بدري تيجوا تقطعوا تذكرة بقرش صاغ وتنتظروا دوركم .

- الواد هيروح مني يا أسطى فوزي الله لا يسيأك ، انده للدكتور . - كدا كشف خارجي ببريزة . - حرام عليك ، هو موت وخراب ديار ، انت بتبيع ولاد بلدك للغريب يا أسطى فوزي ؟

- لا ؛ دا نظام يابا الحج فؤاد، والبريزة بتتورد للدولة . فحص الطبيب الشاب ناول الشيخ روشته : تصرفوها النهارده ضروري . - هنصرفها منين محدش رايح البندر النهارده .

- بكره تصرفوها وأشوفه بعد أسبوع . - يادكتور غيتنا مش هقدر استنى عالواد لبكرة اطلب الإسعاف يودينا مستشفى فاروق .

- لو طلبت الإسعاف لمريض بالبلهارسيا معناه إني هطلب إسعاف يشيل البلد كلتها .

- عليه العوض ومنه العوض . دس الرجل الروشتة بجيبه، ركب حمارته وتولى الأسطى فوزي والشيخ قاسم رفع الشاب ليستوي جالسا على الحمارة مستندا على صدر أبيه .

زالت الشمس والرجل يضرب اخماسا في أسداس وجسد الشاب يهب نارا يحس بها الشيخ والحمارة مسرعة وعم قاسم يعرج جاهدا خلفها حتى تسمرت عاجزة عن اختراق متاريس حجارتها مؤخرات مستديرة ونهود مستقيمة وحناجر عفية ترد خلف الحادية أمام عروس وضعوا لها كنبتين فوق بعضهما وخلفها جريدتين معقوفتين تمت مسمرتهما فوق ملاءة سرير كاروهات لا يخلو منتصفها من ثقوب : يابت يا أم زكي زكي بيعيط لبسته بدلة كاكي قلعته بدلة كاكي قعدته على وراكي برضه بيعيط .....ياعيني يا أحمد ياللي ع الجبهة ياروحي يا أحمد ياللي ع الجبهة .... متردي الباب عيب يا مديحة ... دا شاويش في الجيش عيب يا مديحة ... ياجمال يا جمااال أنا عايزة اتطوع وأضرب نااار .

يصرخ الشيخ قاسم في الفتيات أن يسمحن بفرجَة تمر منها الحمارة فينظرن نحوه ثم يعطينه ظهورهن مكملين الغناء خلف الحادية ، لجأ الشيخ للاستجداء : يابنتي الله يسترك فوتيني ... ضحكت الفتاة ونبهت جارتها مرددة عليها مقوولة الرجل وهي تضحك ضحكة رقيعة : أفوتو ازاي دا ؟ فمالت عليها جارتها ووضعت رأسها في صدرها وهي تخفي وجهها بطرف طرحتها فادرك الرجل خبثهن فصاح غاضبا : أما انت بت قليلة الحيا صحيج . بينما الاسطى سعيد صاحب الميكروفون يفسح طريقا للعجائز القادمات للنقوط ابصر المنظر فخطف الميكروفون من يد الحادية وضعه على فمه : " المسا دا والهنا دا جاي من مين ؟ من علي باشا عقبال ليلتك ياسي علي " رفعت ام العروس كيس النقود من حجرها أحكمت إغلاق فوهته وقفت تصرح في البنات : ميصحش كدا خلوا الراجل يعدي . تلاصقت المؤخرات وتشابكت الصدور حتى يفسحوا طريقا للحمارة وكل فتاة ترفض ترك مكانها قرب العروس لتقرصها في ركبتها فقد تلحق بها في جمعتها .

الحرارة ترتفع والولد خرقة بالية وذراع الرجل تخدلت فكاد ان ينهار فيسقط المريض أرضا ، الشارع مظلم حتى اتى بصيص نور من الكولوب الموضوع بمدخل المسجد وقد تجمع تحته رجال أسندوا ظهرهم لحائطه الرخامي يسخرون من المار راشقين سهم ألسنتهم بظهره حتى يختفي فينقذه الظلام ويرسل الحظ العاثر مارا غيره . ذات مرة تجرأ الشيخ سعيد ونهرهم ونهاهم عن هذه الجلسة فهبوا فيه " إحنا قاعدين قدام بيت ربنا مش قدام دارك حد يمنع الناس من بيوت الله ياكافر ؟

" الشيخ قاسم يحاول جاهدا ان يحمل الشاب على كتفه لينزله ويركب مكان أبيه الذي كاد ان يغشى عليه . بدران الخفير يخرج من المسجد وقد أمسك بلغته كل فردة بيد واخذ يخبطهما ببعضهما ليسقط عنهما ما علق بهما من طين ، فصاح أحدهم : براحة ع البلغة أحسن الرقع تقع " ضحك الجالسون ولكن بدران أخرج له لسانه وأشار له بأصبعه الوسطى ثم أردف : " النسوان بيستحموا ويرموا الميه في الشارع ، ماهو لو كل واحد من اللي قاعدين وعامل فيها سبعتاشر راجل قال لمراته تهز طولها وترمي المية في الناشع .... بس هنقول إيه ؟

مفيش سمعان كلام ..لم يكمل كلامه حتى عقب أحد الجالسين " ما هو لو فيك خير كانت مراتك استحمت وكبت الميه في الشارع زيهم .

" استشاط بدران، ركض نحو الرجل يريد الفتك به وقف الجميع ليحولوا بينهما ، راعهم صوت ارتطام، نظروا صوب مصدره فإذا بالشيخ سقط من فوق الحمار هو والشاب حيث عجز الشيخ قاسم عن الإمساك بهما .

هرع الجميع نحوهم أجلست مجموعة الشيخ مستندا على الجدار بينما الأخرى تحاول إجلاس الشاب ولكنه بلا حراك ، علا الذهول الوجوه بينما ينادي أحدهم شوية مية بسكر يا خلق شوية مية بسكر ياخلق ... الشيخ ينظر نحو الشاب وهو غير مصدق مايرى وثوب الصمت الأزرق يغشى المكان، يمزقه صوت غناء الفتيات قادما من بعيد " حمامي يا أمه سرح ويا حمام الواد علي " .

2024-06-01