الخميس 6/12/1445 هـ الموافق 13/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
"الكيف" هو من يحكمنا ...سمير الهنائي
   أحرص دائما لمشاهدة السينما المصرية القديمة،لأنها كانت تجسد الواقع في كل زمان ومكان ومنها أستخلص رسائل فكرية كبيرة مهمه في تشخيص مشاكلنا الاجتماعية في الوطن العربي ، قبل يومان كنت أشاهد مقاطع مرئيه من فيلم "الكيف" المصري عندما كان الدكتور الكيميائي صاحب القيم في المجتمع والذي أنتج الحناء كماة بديلة عن المخدرات ضنا منه سيحمي المجتمع من هذه الآفة ، فكان يضحك بشكل هستيري في تلك المشاهد وهو في حضرة العزاء والناس من حوله بداية كانوا مندهشين وحزينين ومستنكرين لعلو ضحكاته وتصرفاته اللاأخلاقية، فهذا في عاداتنا وقيمنا معيب ومشين بل ليست من أخلاقيات الناس الضحك في مآدب العزاء ، فأستمر الدكتور صلاح في الضحك وصديقه يحاول إيقافه ولكنه أستمر  بصوتا عالي وجموح المعزيين مستغربين منه وبعد دقيقه تم طرده من العزاء وبدأ الناس هنا يضحكون خلفه ليقعوا في نفس الخطأ اللاخلاقي الذي وقع به الدكتور بعدما تعودوا على إستمرارية ضحكاته ولكن الجميع هنا ظهر على حقيقتهم وكانوا في قائمة الأنحطاط وأن كانوا في البداية حاولوا أخفائها ، فبمجرد فرصة بسيطة تظهر أخلاقنا ونظهر على حقيقتنا وذاتنا الرديئه لأن العيب فينا جميعا كمجتمع، ومن تلك المشاهد يتضح ان رسالة الفيلم داخلها فلسفه عميقه ليس "كيف المخدرات" فحسب بل ماهو أعمق من ذلك وبأن حياتنا وظروفنا الاجتماعية هي من أنتجت الفساد وأفة المخدرات والجرائم وحتى الاغاني الهابطة التي كانت ضمن مشاهد ذلك الفيلم ففي البداية كان الناس منزعجين من الكلمات الهابطة والسوقيه التي لاتليق ولا يصح أن تسمى طرب او أن تكون موسيقا ولكن المجتمع تعود على سماع النشاز والقرف" فأصبحت الأذان تهوى ذلك الفن الهابط والمنحط وهذا دليل لما يحدث في عالمنا اليوم ومانشاهده من ظهور لشخصيات تافهه في وسائل التواصل الاجتماعي تبث التفاهات والمشاهد المخلة بالقيم فأصبحوا مشاهير وشخصيات لها وزن كبير في مجتمعاتنا وهذا يشكل خطر اثر وسيؤثر في تشكيل أجيال وأزمنه قادمة مشوهه،وهذا هو من صنعنا وأنتاجنا بجانب الظروف الاجتماعية التي ساعدت فنحن من أوصلناهم لهذا المستوى الهابط لأن داخلنا تدني في مستوى القيم ، واذا عدنا للفيلم مرة اخرى في مشهد العزاء يفسر لنا فلسفة بأنه لطالما المجتمع منحط ويعاني من عدة مشاكل لابد وأن تخرج مثل هذه الاشياء (كالكيف) ليبحث الفرد المكتئب في واقعه والمقهور أجتماعيا ماديا كان أو معنويا عن مايلهيه ومايكيفه كالمخدرات مثلا أو التفاهات وحتى الموسيقا الهابطة ليحسن من مزاجه حتى يعيش في واقع غير واقعه الكئيب ويلجأ إلى "الكيف" الذي يحسن مزاجه حتى ينسى الآمه وأحلامه وقيمه وأخلاقه وطموحاته وايضا حتى يخمد نار منغصات الحياة والظروف الاجتماعية التي يعيشها ،فمن خلال فيلم "الكيف" نستقي منه بأننا جميعنا مخطئين وان تظاهرنا الفضيلة فبمجرد حدث نكشف عن ذواتنا الحقيقية وان كنا صالحين لابد أن ننحرف أو نقع في الخطأ يوما ونسلك طريق الموضه والحداثة ولمجرد أن نتعود على شيئا فسوف نتعود عليه ونخوض مع الخائضين وكما يقال من شاب على شيء شاب عليه وهنا ليس تعميما ولكن في المجمل، وحتى مثل هذه الامثله او النكات التي نتداولها في مجتمعاتنا تنم عن فلسلفه عميقه حينما نفككها ولأننا نعيش المر والتراجع الحضاري والثقافي فنحن لانفكك مثل هذه الأشياء المهمة ولانهتم بالفكر والأفكار بل نكتفي بالمقالات الصحفية الروتينية والثقافة التقليدية، لأن اليوم لايوجد مفكرين عرب حقيقيين لتبني دراسة قضايانا الفكرية و لايوجد من يفكر في عالمنا العربي حتى نعبر لبر الأمان بالأمة ولطريق يغير ما حل بنا في كافة مناحي الحياة، "فالكيف" سوف يستمر لطالما نحن غارقين ومتشبتين به، وأنهيار قيمنا نتاج لكل ذلك الخراب الذي حتى الطبيب النفسي فشل في علاجه عندما أعتمد على العقاقير الكيميئائية لتحسين المزاج عند المريض ، كما فشل دعاة الدين في تربية الضمير للوصول للقيم العليا وتاجر الآخرين منهم "بالكيف" الديني بأسم الله واغرقوا الناس في الارهاب والتعصب ، كما فشل رجال الدين في غرس محبة الله في العقل والقلب فأنتشر الألحاد ، وزاد الأسفاف فأصبح "الكيف" هو من يحكم عالمنا ويقرر مصائرنا ويأقلم ضمائرنا وينسجها ويلونها ويسيرها وفقا على نسبة الجرعة المتلقاه ، بل أن تداول "الكيف" في الوطن العربي أصبح وسيلة مهمه لأستمرار الأنظمة الفاسدة في طغيانها وظلمها للشعوب، فهو سبب رئيسي لضعفها وتخاذلها لجعلها شعوب تأكل ولاتنتج وتلقن تعليم لايعلم لتكون شعوب جبانه و ضعيفة خانعة وغارقة في التخلف التقني والفكري والحضاري .

وأختتم هنا بما قاله أحمد شوقي في إحدى أبياته :-
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت 
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا 


 كاتب من سلطنة عمان 

2024-06-01